الانسان مغروز فيه طول الأمل، فهو (غريزة) في نفسه، لذلك كان الموت أقرب شيء في حواسنا منا، وأبعد شيء في أفكارنا عنا. نرى مواكب الأموات تمر بنا كل يوم، ونحس أننا باقون. ونمشي في الجنائز، ونحن نفكر في الدنيا أو نتحدث عنها. ونرى القبور تملأ رحاب الأرض، ولا نفكر اننا سنكون يوما من ساكنيها. استغفر الله، بل تسكنها أجسادنا، وما الاجساد؟ ان الرجل يتوسخ قميصه فيخلعه ويرميه، والطفل يولد فيدع مشيمته ويخرج منها، والرجل يموت فيفارق جسده ويتخلى عنه، وما الجسد الا قميص، يلبس ويخلع، وما يوضع في التراب إلا الجسد.
الانسان ينسى الموت، ولكن المؤمن يذكره دائماً، ويكون أبدا على استعداد لاستقباله، يستعد بالتوبة والاستغفار ورد الحقوق، كلما أصبح وكلما أمسى حاسب نفسه. فشكر الله عما وفقه اليه من خير، واستغفره مما وقع منه من شر، يذكر الآخرة، ويخاف يوما تتقلب فيه الوجوه والابصار. يخشى ما بعد الموت من العذاب، ويرجو ما بعده من المكافأة، ويستعين على ذلك بالصبر والصلاة، وفعل الخير ابتغاء رضا الله، واحتسابا لما عنده.