وكان حيدر آباد ملك الدكن بالهند من صناع الحياة أيضاً، فإنه إضافة لملوكيته: كان له دور فى إسناد الوجود الإسلامى فى الهند وانتشار الإسلام هناك، ولربما كانت له أخطاء أو انتابه نقص أو لم يبرأ من ظلم، ولكن خدماته تبقى أكبر وأظهر وأثقل فى الميزان، وتهمة البخل التى تقال عنه إنما هى دعاية مضادة هندوكية، ولو لم تكن له إلا رعايته للنهضة العلمية الإسلامية هناك لكفاه ذلك، وبتشجيعه قامت دائرة المعارف العثمانية بالدكن بأداء دورها المهم فى طبع أهم الكتب فى الفقة والحديث واللغة بعدما كانت مخطوطاتها نادرة، ولهذه الدائرة قصب السبق فى هذا الباب، وعملها مبكر جداً وفيه إبداع عظيم .
ومثله، بل أظهر منه وأجل وأعلى كعباً: صديق حسن خان، العالم السلفى النقى الذى خطبته ملكة بهوبال بالهند لنفسها، فتزوجها وصار شريكاً لها وموجهاً ومستشاراً فى حكم بهوبال، وذلك أواخر القرن الماضى، وقال: ووجدتها حسنة الخلق والخلق. وقد منح صديق خان اهتمامه ووهب للعلم الإسلامى وترويجه، فكان يؤلف ويطبع ويوزع مجاناً، ويطبع لغيره، ويراسل ويشجع، حتى استوى من كبار صناع الحياة .
وقد تقول : هؤلاء ملوك، تقيسنى بهم؟
فأقول : نعم، هم ملوك، لكنهم لم يخرجوا إلى بطر ولم ينسوا مهمتهم الايمانية. وها هنا يكمن فضلهم، وأريدك إن جعلك الله تعالى فى مكان الجاه وملك المال والصدارة والسطوة أن لا تنسى مهمتك كذلك، وأن تلبث على سنن التواضع، لا كما فعل فلان : وعد، فتمكن ، فنسى!
وكان الأمير عمر طوسون من صناع الحياة الإسلامية أيام فؤاد ملك مصر وقبله، وهو من عائلته، ولكنه عفيف معروف بالحمية الإيمانية، وكان وحخده يقوم بما تقوم به الآن جمعيات الاصلاح وصناديق الزكاة والمؤسسات الخيرية، فما أن تكون هناك حاجة لإغاثة إسلامية فى أنحاء العالم الإسلامى حتى يتصدى لجمع المال وإرسال المعونات والنجدات، وقد خلد شكيب أرسلان ذكره فى أكثر من مكان من كتاباته، رحمه الله .
ومن أصحاب الوزارة والنبل بداغستان: حيدر بامات رحمه الله، وقد هاجر إلى باريس بعدما عاث البلاشفة فساداً، فكان وجوده الغربى مميزاً، وطفق يناضل المستشرقين وشبهاتهم، ويتغنى بالإسلام دهراً فى بلاد الكفر، ويتصدر الدفاع عن الإسلام، ويعرف بالقضايا الإسلامية، ويتصل بالزعماء والعلماء والنبلاء، حاثاً ومشيراً وناصحاً، إلى أن توفى من قريب .
وممن ساهم فى صنع الحياة الإسلامية بصمت وتواضع: على عبد الواحد وافى، الأول بين العرب فى الدراسات الاجتماعية، وله الدور الوافى – كاسمه- فى حفظ مجال علم الاجتماع بمصر بريئاً من الالحاد أو تقليد النظريات الغربية، كما حدث فى بلاد أخرى، فقد كان الرجل إسلامى المنطلق، وترك أثراً حسناً، وما أحسب له نقصاً سوى عجزه عن إدراك ما يجرى فى إيران من صولة البدعة، ولكن مناقبه تبقى أكبر، وهو أبو الاجتماعيين العرب، ويمثل مدرسة كاملة ومنارة شامخة .
وغيره وغيرهم، وإنما أوردت نماذج فقط لئلا يطول عليك الكلام، وما زالت الأروقة الإسلامية بخير وفيها من يبدع ويصنع الحياة على نمط من الأنماط، من بطل يجاهد اليهود سراً يخطط أو ينفذ لحماس، أو ثابت على ذرى جبال الأفغان، أو مؤسس مع آخرين لمصنع أو مزرعة، أو مزاحم فى السوق للغرباء وأبناء الأقليات يستورد ويصدر ويحفظ المال للأمة، أو متربع يعلم الناس العلم، أو صابر بين رفوف المكتبات وأكوام المخطوطات، فى عشرات أخرى من أشكال الصناعة الصامتة والناطقة.
وصنع زهير المنصور الحياة يوم لم تكن له غير خطوة واحدة. صنعها يوم ألف كتابه فى الابداع، فكان مبدعاً بانتباهه إلى معنى الابداع .