وتربيتهم أسهل، لطبيعة التعميم فى ثروتهم العلمية، ولذلك نفترض أن الجماعة يمكن أن تخرج إلى المجتمع خمسين واعظاً على الأقل، فى كل مدينة واعظ، مع تركز عدد فى العاصمة والمدن الكبيرة. ومهمة هؤلاء: الضرب على الوتر العاطفى، وتحريك المشاعر، وإنهاض الهمم، وتناول حديث الجنة والنار، والموت والقبر، والزهديات، والرقائق، والقلبيات، والأخلاقيات الإيمانية، والتنقل بين الآية والحديث وآبيات الشعر وقصص السلف والصالحين، وقال الفضيل وقال الثورى. ويتضاعف أثر الواعظ بتعلمه قواعد النحو، ليكون فصيحاً، وبمطالعة كتب الأدب، ليكون ثرى اللغة، وببذل تربية سلفية له، ليبرأ من الحديث الموضوع والاسرائيليات والبدع التى تكثر فى أوراق الوعظ .
إن الواعظ الواحد قد يحوز ولاء الخمسمائة فى المتوسط خلال عشر سنوات إذا استثمر تأثر السامعين به عبر اتصال فردى ورعاية خاصة، وبخاصة إذا وصلت أشرطة وعظه الأقاصى فأثرت فيمن لا يستطيع الجلوس بين يديه، وهذا يعنى إضافة خمس وعشرين ألف ولاء إلى رصيد بنك الترجيح.
كيف يحصل إعان الناس للواعظ؟
هى معادلة معقدة لا ندرى جميع أطرافها، ولكن يمكننا أن نميز أهم رقمين فيها :
(الأول) أنه تيسير من الله تعالى، أى أن إيمان الواعظ يجعل لسانه صادقاً، فيميز الناس نبرة الصدق بإذن الله، فيتبعون، وما خرج من القلب دخل القلب، وما خرج من اللسان لا يتعدى الآذان، فالتأثير بقدرة قادر سبحانه، وكان عطاء بن أبى رباح تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما أسود أفطس أعمى، وفوق ذلك كان مقعداً ، ولم يمنعه ذلك أن يكون سيد التابعين بمكة وأن تملأ كتب التفسير والحديث والفقه أقواله.
(الثانى) أنها فصاحة وقابلية وعلم لا يحوجه إلى تكرار المعانى، وإنما يجدد شواهد دائماً، وهذه منح من الله أيضاً يعرفها الشكور، وبعض الوعاظ يتميز على بعض، ثم الله يزيد ويبارك .
فلو أن خطة الدعوة لا تدع الدعاة إلى أقدارهم يبواجهونها، بل تصارع القدر بالقدر، وتدفع قدر الجهل والانزواء الذى كلكل على بعضهم بقدر العلم والجرأة على مواجهة الناس وتعليم الفصاحة : إذن لاشتغل رهط من بعد بطالة، ولتحركت طاقات من بعد تعطيل ، ولتقدمنا مرحلة فى صناعة الحياة.
وبموازاة هذا الأثر فإن الواعظين يقومون بدور مهم داخل الجماعة وخارجها فى إحلال التعادل مع آثار العقلانية الناتجة من كلام العلماء والمفكرين، ففى مباحث الفقه ومقارنات الفكر يبوسة وجفاف، ولابد من ترطيب النفوس بنداوة العاطفيات التى هى بضاعة الوعاظ، ليحصل هذا التعادل، وهذا ميزان مهم فى مواصفات الدعوة النموذجية، ثم هو منهج حضارى عظيم الأهمية، فيكون وجود الوعاظ من أركان بناء الحضارة الإسلامية الجديدة، ويصدق عليهم وصف صناعة الحياة من هذه الجهة أيضاً، ويا لها من صناعة .