هى نظرية الفرسان إذن، كما كان الأمر فى العصور الوسطى يعتمد عليهم، وكان لكل ملك أو أمير قلة من الفرسان الذين يغنون عن جيش كبير، لجودة معادنهم وأخلاقياتهم وتدريبهم. بل يولد وجودهم رعباً فى نفوس العدو من مسيرة أيام .
كان الفارس ينتقى من بين أشجع الجند وأذكاهم وأقواهم جسماً، ويغذى بأجود أنواع الطعام، ويلبس الدرع السابغ. وشاع التواصى بينهم بضرورة المروءة والتعامل النبيل. فلا يعتدون على عرض ولا يظلمون فقيراً ولا يكذبون، ويلبون نداء النجدة، وغير ذلك مما أخذوه من أخلاق جند صلاح الدين الأيوبى.
فالأمير الذى كان ينجح فى تدريب وتربية وتجهيز ثلاثمائة فارس يصبح غالباً مرهوب الجانب، والمدينة التى كان يتواجد فيها عشرة فرسان تكون آمنة مطمئنة لا يتظالم أهلها، للهيبة التى لثلة الفرسان رغم قلتها، إذ أن أحدهم يكون أمة وحده، ويحيطونه بالحديد ليحمى الكتلة الأخلاقية التى بين صفائحه.
ولو وجدت فرقة الفرسان الدعاة اليوم فى كل قطر لتعادلت بهم أطراف الأرض ولرجح أمر الإسلام، ولهدأت نفوس مضطربة، وانقطع الظلم .
الدعوة قوية بفرسانها، والتربية القيادية هى التى تجعلهم فرساناً.
لكن: أمن أجل ذلك لا يضم صف الدعوة إلا الفرسان؟
كلا، إذا ما أدرانا فى البداية أن فلاناً يصلح أن يكون فارساً؟
بل نجمع العشرين ألفاً من أجل اكتشاف الألف، وما هى منازل شرف فخرية نهديها لهم، وإنما هو نشوء طبيعى من خلال المعاناة، وتتراجع الأساليب العشوائية لصالح العصامية وإثبات القدرة الذاتية، ودور الجماعة يكون فى أنها إذا رأت النجابة فى صاعد فإن عليها أن ترعاها وتزود الفارس برمح ودرع وسيف ليستوى على ظهر جواده كالملك على سريره.
ولكن مع كل فارس أتباع، يساعدونه فى لبس الدرع ونزعه وإعداد الطعام وحراسته حين ينام، وجمهور الدعاة الألوف أتباع لفرسان الدعوة، ونعم الشرف ذاك لهم ما داموا على سنن التعاون الإيمانى.
فالتابع ضرورة من ضرورات الدعوة أيضاً، وكل ميسر لما خلق له. وكانت الحياة الإسلامية زمن النبى صلى الله عليه وسلم تعتمد على طبقات من الأتباع مثلما تعتمد على وزراء النبى صلى الله عليه وسلم وبقية العشرة المبشرة وقادة السرايا وفقهاء الصحابة .
ففى صحيح البخارى عن سهل بن سعد قال : (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة : مرى غلامك النجار يعمل لى أعواداً أجلس عليهن) .
وفى الصحيح أيضاً ( أن رجلاً أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد، فمات، فسأل النبى صلى الله عليه وسلم عنه فقالوا : مات . قال: أفلا كنتم آذنتمونى به؟ دلونى على قبره، أو قال : قبرها، فأتى قبرها فصلى عليها.(2)
فالسوداء الضعيفة جزء من الحياة الإسلامية، وصانع المنبر جزء، فى ألوف كان بهم قوام الحياة، وهى ظاهرة تطرد فى كل جيل وبلد ومدينة، ونحن نريد الفرسان، وبين يدى كل فارس مجموعة تسعى بين يديه وتمهد له، كالطيار الذى تخدمه مجموعة أرضية تضع له الوقود وتحشو له القنابل وتفحص المحركات وتجس له مقادير الضغط والحرارة واتجاه الريح، فيأتى امتطاؤه لصهوة طائرته سهلاً ومفيداً، فصانع الحياة ننتدب له من بينا سكرتيراً وطباعاً وحارساً ومتسوقاً، فإن لم تكن فارساً أيها الأخ فكن تابعاً وفياً .
وصانع الحياة فى الوصف الآخر هو : مؤسسة، ليس فقط بمعنى أنه يقوم بدور كبير يشبه أدوزار المؤسسات، وهذا وصف صحيح، وإنما بمعنى قدرته على توظيف طاقات أخرى معه أيضاً، فكثرة من الدعاة أصحاب القابليات الضعيفة والمتوسطة لا يستطيعون شق طريقهم الدعوى بأنفسهم، ويريدون من يأخذ بأديهم ويقطع حيرتهم وتلفتهم، ويبقون كالغرباء فى مدينتهم، من أثر فطرة فطروا عليها وحياء وخوف من مسؤولية تحمل القرار، وحب للظل، وضمور عندهم فى جانب الابتكار، فيأتى صانع الحياة ويجعلهم من حوله حلقة دائمة النفير، ويستخرج من طاقاتها المكنونة ما لم تكن هى نفسها تعلم امتلاكها له، فيحدث بذلك زخم دعوى قوى يترك آثاره، وتنقطع نفوس الأتباع عن الوسوسة والحسد، فما تعود ثم فتنة أو لغط، وإنما يكون الصانع وأتباعه كتلة عاطفية فكرية مادية ثقيلة الوزن، تفعل الأفاعيل وتأتى بالأعاجيب.
ومن هنا فإن تطبيق نظرية صناعة الحياة يعتبر من أقوى وأنجع الحلول لظاهرة الفتور فى المحيط الدعوى.