فالعلم الشرعى مثلاً هو من صناع الحياة، الذى هو بحر، ويفتى فتواه عن تمكن، ويملأ الأسماع حين يقول: قال الشافعى، وقال مالك، ورجح ابن تيمية كذا، ووحدت هذا فى المبسوط، وتأيد عندى بما فى المدونة، ويشهد له حديث البخارى، وأورد ابن حجر فى فتح البارى شواهد أخرى...
هذا نمط العالم الذى يصنع الحياة، وليس هو المتقلل المكتفى بمختصر فى مذهب واحد .
ورغم تفلت الناس فإن العرق الإيمانى ما زال ينبض فيهم، ولم يتخلوا عن الحمية الإيمانية، ويحتاجون فتوى مثل هذا العالم فى زواجهم وطلاقهم إن لم يكن فى بيوعهم، ويستطيع الماهر أن يتابع من يستفتيه أو تتصاعد حماسته بعد محاضرة يلقيها أو رسالة ينشرها، حتى تنضج المتابعة من بعد مدة وتتحول حاجة المستفتى أو حماسة السامع إلى ولاء له، ثم يعمق هذا الولاء على مر الأيام بالتوعية والتفقيه .
إن خطة الدعوة فى كل قطر مكلفة بأن تنتقى بعضاً من أنقى وأذكى منتسبيها من خريجى الكليات الشرعية، وليس ذلك بشرط، وتقيم لهم الدورات العلمية، وتفرغهم من ثقل الواجبات الادارية، وتتيح لهم سياحات إلى بلاد أخرى يجلسون فيها بين أيادى مشاهير العلماء، وتوفر للفقير منهم أمهات المراجع، ثم تخرجهم إلى المجتمع مفتين ومحاضرين وعاقدى ندوات وكاتبى مقالات فى اصحف ومؤلفى كتب. فإذا أخرجت الدعوة فى البلد الذى تعداه عشرين مليوناً عشرين من هذا النموذج من العلماء، ووطأت لهم المنابر، وأشاعت أفلام الفيديو والأشرطة الصوتية لدروسهم، وانتظرتهم عشر سنوات، فإن الواحد منهم قد ينجح فى تحصيل ولاء ثلاثمائة مسلم لم يكن منهم ولاء فى السابق، كمعدل، فهؤلاء ستة آلاف هم أول رصيدها الولائى فى بنك الترجيح : ترجيح المعادلة، وإذا أذنوا فيهم فى أوقات شتى أن أيها الناس إن الموقف الصحيح فى الانتخابات هو كذا، أو أن التبرع لقضية كذا واجب، أو أن مقاطعة الحزب العلمانى المضاد هو من تمام الإيمان: فإن هؤلاء ستكون منهم الاستجابة، فإذا بلغت الدعوة مرحلتها المتقدمة وأفتوهم بالجهاد : كان الإسراع.
وعلى موازاة الرصيد الولائى الذى يجمعه هؤلاء الدعاة العلماء يتراكم رصيد آخر من التأصيل فى الجماعة هى بأمس الحاجة إليه، ينهضون به هم أيضاً، فيحفظون للدعوة أصالة الفكر وأصالة المنهج وأصالة الحوار الشورى مع الارتباط القوى بالمعانى الشرعية، ويمنعونها من تساهل وتفريط، ويعصمون أبناءها من الإفراط والغلو والتطرف.
ثم العلم خير كله، تتوزع فى جميع الجوانب والاتجاهات الاجتماعية والنفسية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية، مع ما فيه من رقابة صارمة على القيادة والأتباع معاً، وهى رقابة مقبولة محترمة لا يضجر منها من تتسلط عليه رغم صرامتها، لمكانة الشرع فى النفوس وهيبته وبركة الانتساب إليه، وكل هذا رصيد حضارى مهم له دوره الفعال فى عملية صناعة الحياة .
فانظر إلى عظم أثر دور هؤلاء العشرين لو تجردوا وتعبوا فى تربية أنفسهم وأطالوا السهر وحتى الظهر. ثم انظر إلى ضعف خطة دعوية لا تجعل فى أولوياتها انتقاء هذه المجموعة وبذل أنواع المساعدة لها لإيصالها إلى مرتبة الفتوى وإمامة الناس .
وبمواكبة العلماء: يجب أن يكون عدد من رواد الفكر الإسلامى، ومهمتهم: التعريف بخصائص الإسلام العامة ووصفه الإجمالى، وقواعد الفقه، وتتبع ما كان من مواقف المسلمين خلال التاريخ اقتراباً من أحكام الشرع وآداب الإيمان وابتعاداً عنهما، مع إسقاط ذلك كله على الواقع وتحليل حاضر العالم الإسلامى وتفسيره من منطلق الموازين الشرعية، ومقارنة الحلول الجاهلية بحلنا الإسلامى الشامل، وبيان عيوبها ونقصها، مع بذلك عناية خاصة بمشكلات البلد الذى يعيشون فيه وقضاياه واستنباط حلول مناسبة ضمن الحل الإسلامى العام. هذه هى وظيفة رجال الفكر الإسلامى، وهم دعاة أهل تميز وحدة ذكاء وقوة شخصية، وقد أخذت الخطة الدعوية بأيديهم فمكنتهم من المعرفة الشمولية، وخففت عنهم بعض الواجبات الدعوية التى يمكن أن يقوم بها غيرهم، فتسنى لهم الطواف على النوادى والجمعيات والجامعات، محاضرين ومحاورين، وكتب كل منهم رسائل عديدة راجت فى القطر وتعدته، ولم يتخلفوا عن إمداد الصحافة العامة والدعوية الخاصة بالمقالات، فكانوا بذلك من صناع الحياة وبناة الحضارة، وأمدوا بنك الترجيح –إذا هم خمسة فقط- بعشرة آلاف ولاء ، ربما .