الشرط اللازم لصانع الحياة فى كل ذلك هو أن يبدع ويكون مجتهداً ويأتى بالنادر الطريف، ليس بالذى ينسج على منوال الآخرين ويقلد فيمله السامع والناظر، ويزهدان بما يعرض .
والابداع وصف يستعصى على الوصف، وإنما يوفق له الذكى ويميزه الخبير .
بعضه تجديد يأتى على غير مثال وسابقة .
وبعضه تمرد على المألوفات والمسلمات المتوهمة إذا أدرك تخلفها واضطراب منطقها .
وبعضه اشتقاق وقياس، يولد ولا يغرب، ويذهب ولا يبعد .
وبعضه انكفاء على أصل مهجور كان منه المنطق فى البداية، فنسى الناس العرق الذى يربطهم به وينسبهم إليه، فيعود بهم المبدع إليه فى النهاية .
ثم بعضه اقتحام فى موطن الانخزال، ووفاء فى ساعة النكوص، وفصاحة إذا رطنت الألسن، وكرم إذا اختبأت الأيدى، وسموا إذا نطق الاغراء، ونبل عندما يسفل التعامل، وستر إذا استرسلت الفضائح، وفناء إذا قدست الذات.
والاجتهاد : انشتال من وهدة، وتوجيه فى ساحة حيرة، وتخصيص من بعد تعميم، وتعميم لبادرة، وأذان فى نيام، وسلوة بين أحزان، وتحقيق عند الجزاف، وإثقال لكفة الميزان إذا هبطت صاعدة، وانتباه لتبكيت النفس إذا استبدت منحدرة فى الهاوية وهى تتوهم الارتقاء .
إقتحم .... أنت لها
وفى مثل هذا المنعطف يجفل الراهب فيدعى عجزاً ويقول: تريدون منى أن أكون فقيهاً وليس جدى مالكاً ولا الشافعى! وتطلبون أن أتغنى بالشعر وما ولدنى المتنبى ولا البحترى! وتتمنون أن ألوك الفلسفة وليس جارى سقراط!
فمن أين يتأتى لى الإبداع وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم : الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة؟
فنقول : نعم، نريدك ونطلب ونتمنى نظن ونجزم، ولا وجه لاستضعافك نفسك واستصغارك صحبك، وقد أعطاك الله ذكاء ونسباً، فلم لا تتعلم السهر وتطلب الفصاحة؟
والجزم مستمد من براهين ثلاثة لدينا :
(الأول) : أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقل : الدعاة كإبل مائة، وإنما قال : الناس كإبل مائة، ونحن لسنا الناس، بل نحن الرواحل كلنا، ونحن صفوة الناس ونخبة المجتمع وزبدة البشر وخلاصة المسلمين، فكيف نساوى أنفسنا بالعامة واللاهين؟ .
(الثانى) : أن الحريات تربى وتطلق الطاقات، والأموال تساعد وتتيح ما لا يتاح للفقير، والتيسيرات المدنية والمخترعات تضاعف النتائج، وكثرة من الدعاة يعيشون ظروف الحرية اليوم، ومن لا زال مظلوماً : له أن يهاجر ليتربى ويعود، وأموال الدعوة تخدم الصاعد فى مدارج الصناعة، ثم الطائرات تقله، والفيديو ينضجه.
(الثالث) : أن نظرية صناعة الحياة لا تريد كل الدعاة فلاسفة أو شعراء، وإنما هى مائة صناعة ومهنة وفن وتخصص، وما نظن أحداً يقف بهذه الأبواب المائة يطرقها ثم لا يفتح له باب يلج منه إلى دار الاجتهاد وركن الابداع، ونظريتنا بريئة من إرهاق أحد وإعناته وإحراجه، بل دون الذكى الاختيار الحر، يرسم لنفسه الدور الذى يشاء إذا شاء الله، وكل الطرق تؤدى إلى القاهرة وصنعاء، ويعقوب ما زال يوصى أبناءه: يا بنى ادخلوا من أبواب متفرقة .
هكذا أيها الأخوة: لكنا رواحل، فى ميدان حر، ومداخلنا شتى. فقط يردا لنا أن نثق بأنفسنا .
حركة التبليغ أجادت غرس الثقة فى دعاتها، وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق ويواجهون المجتمع، وآخرون يأمرون إخوانهم بضم الرأس ويقولون لفتى الصحوة: أنت فى خندق، احترسن، واتقن الاختباء!!
من قال ذلك ؟
كلا، بل نحن فى عرضة واسعة وليس الخندق الضيق، ومعنا كل الخطب المتنوعة الفصيحة، ومعنا ثوابت الامام وحماسات الظلال وواقعيات مشهور وواضحات يكن وتفريعات القرضاوى وعقلانيات المودودى وتسبيحات النورسى، والذين ظلموا الدعوة دهراً فى يأس اليوم .
فمن لم يستطع كل هذا، ولم يتقن فناً يكون به من صناع الحياة، فليتقن فناً دعوياً مؤكداً: أن يكون من صناعالحياة بشموخه وضربه المثل العالى، كذاك الذى انقطع به حبل المشنقة لحظة إعدامه بالباطل فقال : كل جاهليتكم رديئة .... حتى حبالكم رديئة !
وليس وراء صنعة الشموخ حبة خردل من معنى دعوى .