وهذه قضية أخرى أضيفت إلى سلسلة قضايا أحاطت بالمرأة.. فأشغلتها وأربكت حسّها، وأدخلتها في دوامة لا تكاد تخرج منها. وهي كالعادة بين إفراط وتفريط..
بين إفراط وتفريط
تفريط من أقوام جردوا المرأة من ملابسها، وعرضوا مفاتن جسدها في الصحف والمجلات ودور الأزياء ودور العرض والتلفزيون.. يلهون ويعبثون بالحرمات لإشباع انحرافاتهم ونزواتهم.
وفي محاولة للدفاع عن أنفسهم زعموا أن تحرر المرأة لا يكون إلا بتجريدها من ثيابها..ولقد أساء هذا التحرر (المزعوم) لمكانة المرأة إساءة كبرى.. فلم تتعرض المرأة - عبر تاريخها - لمهانة أعظم وأكبر من المهانة التي فرضتها عليها جاهلية القرن العشرين..
فما معنى أن يُعرض جسد المرأة مع الإعلان عن ترويج سلعة.. وإذا بها عارية مع أنواع الصابون.. وأنواع الملبوسات.. وأنواع الأحذية.. لقد تفننت قنوات الإعلام -المرئية خاصة- في ابتكار الوسائل الدنيئة التي عرّت المرأة من ألبستها.. وبالتالي من كرامتها..
كان الرجل يتلهف إلى لقاء المرأة.. ويوم الزفاف كان عيدا عند الرجل وعند المرأة كليهما.. يؤرخون به لحياتهم.. ويحتفلون كل عام بمناسبته.. كان الرجل يسعى للقاء المرأة يفضي إليها وتفضي إليه في طهارة كاملة وشوق كبير، يرفع من درجة حرارته صيانة جسد المرأة من قبل.. فهو يرى شيئا جديدا.. ويلمس معان جديدة ويشعر بأنس وقرب ورحمة ومودة لم يشعر بهما من قبل.. )ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(().
أما اليوم فيهرب الرجل من الزواج ومن المرأة من أن يرتبط بها ارتباطا أبديا.. ولöمَ يفعل وجسدها معروض عليه ليل نهار.. وممارساته الشاذة منطلقة بين نساء كثير..؟! هل يتزوج ليتحمل المسؤولية وتزيد نفقاته بدون معنى.. إنه يمكث مع امرأة جميلة تعجبه، في بيت واحد، يتقاسمان أجرته.. ويصرف كل منهما على نفسه، حتى إذا ملّ منها بحث عن واحدة أكثر جمالا وحيوية وشبابا..
ويأتي اليوم الذي يذهب فيه الشباب.. ويغيض الجمال.. فأين تقضي هذه المرأة بقية حياتها..؟ في مأوى العجزة مستسلمة للأمراض النفسية والجسدية التي لا ينقذها منها غير الانتحار..
كان المتوقع أن ترفض جمعيات حقوق الإنسان.. وجمعيات حقوق المرأة.. هذا الانحدار المرعب الذي وصلت إليه المرأة.. ولكننا -وللأسف الشديد- لم نسمع غير أصوات قليلة لا تتناسب مع حجم الجريمة.. ترتفع لتقول.. (لقد عادت المرأة إلى عهد الحريم.. حاولت الحضارة الغربية إعطاء المرأة مكانتها.. فارتكست ورضيت بعرض مفاتن جسدها لمن يريد العبث أو التجارة..)! وهي لم ترض في الحقيقة ولكن شياطين الإنس وعلماء الجريمة زينوا لها ذلك فاستدرجوها.. واستغلوها.
الحضارة الحديثة تظلم المرأة
كنت أحاضر مرة في جامعة بودابست في المجر عن دور الشباب (الفتيان والفتيات) في إعادة بناء الأمة المسلمة.. وكانت القاعة تغص بالنساء المجريات المسلمات.. وطلبن بعد المحاضرة لقاء خاصا يسألن عن دور المرأة في الإسلام.. ومساواتها مع الرجل.. ودورها في البناء.. وتساءلتُ:
لم معظم المسلمين في هذه البلاد من النساء..؟ فأجبن بصوت واحد: لأنهن الطبقة التي ظلمت.. فهي محظية في شبابها.. وخادمة في مقهى أو ملهى عندما ينفض عنها المعجبون.. حتى إذا انتهت الرغبة فيها.. وجدت نفسها وحيدة لا زوج ولا ولد ولا أسرة.. شقاء ما بعده شقِاء.. ورأينا في الإسلام شيئا آخر فهرعنا إليه.. ولو علمت بنات جنسنا ما علمنا لأقبلن غير مترددات.
هذا من جانب..
أما في الجانب الآخر فقد دخلت قضية لباس المرأة دائرة الإفراط.. وظن الكثير من المسلمين أن صيانة المرأة لا تكون إلاّ في ردة فعل مقدارها مائة وثمانون درجة لما فعلته الحضارة المادية بالمرأة.
فإذا تعرّت هناك.. فالمطلوب هنا أن تتلفع بالسواد من أخمص قدميها إلى قمة رأسها.. لا يعرفها أحد.. ولا تكاد تبصر طريقها.
والإسلام يوم حرر المرأة التحرير الحقيقي.. أحاطها بالاعتدال، وأعطاها كافة الحقوق التي تتناسب مع طبيعتها، وأطلقها حرة كريمة للعمل في موكب الدعوة. ألبسها لباس التقوى.. واللباس الساتر السابغ الذي لا يصف المفاتن ولا يجسّدها.. وسمح لها ببعض الزينة المعتدلة في اللباس والوجه والكفين بما يتعارف عليه مجتمع المسلمين.. بدون إفراط ولا تفريط.
وطبيعة هذا البحث لا تسمح بالدخول في التفاصيل أو الآراء الفقهية المختلفة حول لباس المرأة وزينتها.. فلهذا الأمر كتب متخصصة أخرى(). ولكننا سنكتفي بذكر بعض الملامح حول هذه القضية.
المرأة في موكب الدعوة
كنت مرة في لندن أحاضر أخواتنا الطالبات حول قضية المرأة في موكب الدعوة.. وسألتني إحداهن في أعقاب المحاضرة عن النقاب الذي تلبسه.. هل تبقيه أم تكتفي بما تلبسه أخواتها من غطاء للرأس وستر للعنق وبقية البدن.. فقلت لها: أما النقاب فأنت التي تعرف متى تلبسه ومتى تخلعه.. الأمر الذي يطلبه منك الإسلام هو أن تنطلقي عاملة في موكب الدعوة.. كما انطلقت أخواتك من قبل.. وأنت التي تقدرين بعد ذلك هل يعيق النقاب عملك أم يسهله.. على قاعدة: الحاجات تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات.
لباس المرأة المسلمة
والسؤال الآن: هل فرض الإسلام على المرأة لباسا معينا..؟
الواضح أن الإسلام لم يفرض طرازا معينا أو لونا محددا للباس المرأة.. وبعض الألوان والطرز التي تصر المرأة على ارتدائها في بعض البلدان.. إنما هو من قبيل العادات التي تعارف عليها الناس هنا أوهناك.
ومع ذلك فقد حدد الإسلام مواصفات ينبغي أن تتوفر في لباس المرأة المسلمة.. تلتزم بها عند خروجها من بيتها. وهذه المواصفات هي:
أولا- أن يكون اللباس ساترا لجميع بدن المرأة
عدا الوجه والكفين والقدمين.
وهذا مفهوم من قوله تعالى: )يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين(().
والجلباب هو كل ما يُستر به: كالقميص وفي هذه الحالة إدناؤه إسباغه بحيث يغطي بدنها ورجليها.. وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب (المانطو) فإدناؤه تطويله وتوسيعه(1).
ولم يختلف أحد من فقهاء الأمة على ضرورة أن يكون لباس المرأة الذي تخرج به من بيتها واسعا سابغا ساترا لبدنها.. ولكن الخلاف وقع في ستر الوجه أو كشفه.. فهناك من فسر إدناء الجلباب بأنه ستر للوجه وبعضهم فسره بتغطية جزء من الوجه.. وبعضهم قال إن المعنى لا يحتمل هذه التفسيرات.. وإن الآثار التي تدل على كشف الوجه كثيرة ومعتمدة.
ثانيا- أن يكون مخالفا للباس الرجال
ومن المواصفات التي تِميّز لباس المرأة أن يكون مخالفا للباس الرجال. ففي الحديث عن ابن عباس قال:
لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال().
وعن أبي هريرة قال: لعن رسول الله الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل().
الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث ابن عباس قال: فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد فرب قوم لا يفترق زي نسائهم عن رجالهم في اللبس ولكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار.
ثالثا- أن يكون اللباس مما تعارف عليه مجتمع المسلمين
فلا يكون اللباس شاذا.. يطارد التقاليع التي تظهر هنا أو هناك، تبرز المفاتن وتطلب الشهرة.. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة)().
رأي الفقهاء في كشف الوجه
المذهب المالكي
جاء في الموطأ للإمام مالك: سئل مالك هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها..؟
فقال مالك: ليس بذلك بأس، إذا كان على وجه ما يعرف للمرأة، قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله. وقد ذكر الباجي صاحب المنتقى شرح الموطأ: أن ذلك يقتضي: أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها().
المذهب الشافعي
أما الشافعي فقِِد ذكر في كتابِِه الأم: يجزئ الرجل والمرأة كل واحد أن يصلي متواري العورة، وعورة الرجل ما دون سرته إلى ركبته، وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها().
المذهب الحنبلي
أما المذهب الحنبلي فقد ذكر ابن هبيرة في كتابه الإفصاح عن معاني الصحاح، قال: قال أحمد في إحدى روايتيه: المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها.. والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها().
ولقد ذهب ابن تيمية في هذه المسألة مذهب الحنابلة.
المذهب الحنفي
وقد ورد الأمر ذاته في المذهب الحنفي فقد جاء في الهداية للميرغيناني: بدن المرأة كله عورة إلا وجهها وكفيها().
كشف الوجه ضرورة من ضرورات التعامل
واعتبر بعض الفقهاء كشف الوجه ضروريا في التعامل.
· فقد ورد في المغني لابن قدامة (وهو من أعلام الحنابلة): وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها لتكون الشهادة واقعة على عينها. وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها فيرجع إليها بالدرك().
· وورد في المجموع للنووي - وهو من أعلام الشافعية-: ويجوز لكل واحد منهما (أي الرجل والمرأة) أن ينظر إلى وجه الآخر عند المعاملة لأنه يحتاج إليه للمطالبة بحقوق العقد والرجوع بالعهدة، ويجوز ذلك عند الشهادة للحاجة لمعرفتها في التحمل والأداء. وورد فيه أيضا: ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء فلم يجعل ذلك عورة().
فالمذاهب الأربعة الكبرى متفقة في هذه المسألة.. وقررت جميعا بأن وجه المرأة ليس بعورة.. وأن كشفه ضروري في البيع والشراء والشهادة وبقية المعاملات.
ومع ذلك فإن لبعض الفقهاء آراء أخرى نستعرضها باختصار:
آراء بعض من يقولون بأن وجه المرأة عورة
· بعض فقهاء الحنابلة المتأخرين فرق بين عورة الصلاة وعورة النظر.. وفي ذلك يقول ابن تيمية: ليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا().
وقال ابن القيم: فإن العورة عورتان: عورة في النظر وعورة في الصلاة().
فإذا صح كشف الوجه في الصلاة فلا يصح كشفه في بقية الأوقات.
ويستدل هؤلاء بقوله تعالى: )فاسألوهن من وراء حجاب(().
والعبرة عندهم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ويردّ عليهم من لا يرى رأيهم فيقول: إن الآية بدأت بِ )يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي( فهي إذن خاصة بنساء النبي لا بعموم النساء.
خوف الفتنة
وقال آخرون إن الوجه موطن الفتنة فلابد من ستره().
وقال المتولي الشافعي: إن كانت المرأة الأجنبية جميلة يُخاف الافتتان بها لم يشرع السلام لا ابتداء ولا جوابا.. وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز(). وعلق على هذا الرأي الحافظ ابن حجر فقال: إن الجمال مظنة الافتتان بخلاف مطلق الشابة().
ولقد ردّ فقهاء آخرون على ذلك فقالوا: وهل من سبيل إلى معرفة الشابة من العجوز والجميلة من غيرها بغير سفور الوجه؟
وفي الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قِال: أردف رسِِِِول الله الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عَجُزö راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئا، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي النبي، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده قد أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم.
وفي رواية أخرى: (فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه)().
ويتسائل الكثيرون حول هذا الحديث الصحيح.. فيقولون:
لöمَ لم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخثعمية الوضيئة أن تستر وجهها خشية الفتنة.. إذا كانت جميلة إلى هذا الحد..؟
(إن عادة ستر الوجه حذرا من أن يراه الرجال ودرءا للفتنة، تولّد في نفس المرأة حياء من لقاء الرجال، ومن ثم تحرص على البعد عن مجتمعاتهم مهما كان الهدف من اللقاء شريفا خيرا.. كما تولد في نفوس الرجال الشعور بالحرج من لقاء النساء، وبسبب ذلك ينعزل النساء وتشتد العزلة مع الزمن بدعوى فساد الزمان.
لقد كان السمت العام للمجتمع الإسلامي في العهد النبوي هو مشاركة المرأة ولقاؤها الرجال في مختلف المجالات.
لقد لقيت المرأة الرجال في الزيارة، وحسن الرعاية، والضيافة، وتبادل الهدايا، والعيادة، وعمل المعروف، وفي الاحتفالات، وعلى الطعام والشراب.. هذا فضلا عن اللقاء الدائم في المسجد وفي ساحات الجهاد وفي النشاط المهني والاجتماعي والسياسي)().
النقاب
والنقاب والجلباب والخمار لباس كانت تلبسه المرأة أيام الجاهلية.
أما الجلباب فقد أمر القرآن الحرائر بإدنائه لقوله تعالى:
)يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين(().
وأما الخمار.. فقد نزل القرآن بوجوب لبسه: قال تعالى: )وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن(().
أما النقاب: فلم يرد ذكره على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة حين قال: لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين(). وقال بعض الفقهاء: بكراهية النقاب وقت الصلاة.
وقياسا على الإحرام قال بعض فقهاء الحنابلة: بحظر النقاب فترة الإحداد تجنبا للترفه والتزين.
ولكن ما هو القول في الزينة..؟
وإذا جاز كشف الوجه.. فهل تجوز الزينة..؟
قال تعالى: )وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، ولا يضربن بأرجلهن ليُعلَمَ ما يخفين من زينتهن..(().
قال العلماء: إن الزينة فيها باطن كالسوار للذراع والدملج للعضد، والقرط للأذن والقلادة للنحر والخلخال للساق، ومنها ظاهر كالكحل للعين والخضاب والخاتم للكف وشيء من الطيِب في الخِدين. ولما قال: ولا يبديِن زينتهن، عممّ اللفظ الباطنة والظاهرة.. ولما قال: إلا ما ظهر منها خصّ الظاهرة فجاز إبداؤها وبقيت الباطنة على المنع.
ولم يمنع الشارع المرأة من الالتزام بقدر معتدل من الزينة إلا في حال الحداد على الميت. وهي ثلاثة أيام، لا تزيد اللهم إلا على زوج أو حتى تضع المرأة إن كانت حاملا.
قال ابن القيم: فيحرم على المرأة الحادّة الخضاب والنقش والتطريف والاسفيداج (مسحوق أبيض تبيض به المرأة وجهها)().
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه().
ورد في فتح الباري: طيب الرجال لا يجعل في الوجه بخلاف طيب النساء لأنهن يطيبن وجوههن ويتزين بذلك().
والزينة من الفطرة. )قل من حرم زينة الله(.
والجمال مطلوب.. (إن الله جميل يحب الجمال)().
والثياب جزء من الزينة.
عن أنس بن مالك أنه رأى على أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم بردَ حرير سöيَرَاء().
وكل أنواع الزينة للنساء والرجال تحددها تعاليم الإسلام وأْعراف المسلمين.
عن سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة.. فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب فاكتحلت واختضبت وتهيأت، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: مالي أراك تجملت للخطاب؟ ترجين النكاح؟ فإنك والله ما أنت بناكح حتى تِمرّ عليك أربعةُ أشهر وعشر. قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي وأتيت رسول الله فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي().
وعن زينب بنت أبي سلمة قالت: لما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعت أم حبيبة رضي الله عنها بصفرة (طيب مخلوط بزعفران أصفر اللون) في اليوم الثالث فمسحت عارضيها (جانب الوجه وصفحة الخد) وذراعيها وقالت: إني كنت عن هذا لغنية لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا)().
وعن أبي موسى الأشعري قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: مالك؟ ما في قريش رجل أغنى من بعلك! قالت: مالنا فيه من شيء، أما نهاره فصائم وأما ليله فقائم.فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فذكرن ذلك له، فلقيه فقال: يا عثمان أمالك فيّ أسوة.. فأتتهم المرأة بعد ذلك عطرة كأنها عروس فقلن لها: مَهْ قالت: أصابنا ما أصاب الناس().
وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا...().
ويبلغ الأمر الشرعي بوجوب قدر من الزينة أقصى درجات الوضوح حين ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة اجتنابها الخضاب. عن عائشة قالت: إن امرأة مدت يدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فقبض يده، فقالت: يا رسول الله، مددت يدي إليك بكتاب فلم تأخذه، فقال، إني لم أدر أيد امرأة هي أو رجل. قالت: بل يد امرأة. قال: لو كنت امرأة لغيرت أظافرك بالحناء().
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أنفّقه().
وهنا سؤال يفرض نفسه: وما حكم النظر إلى المرأة؟
الأصل في المسألة هو غض البصر.
قال تعالى: )قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما تصنعون.. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن(().
والآية تشير إلى أنه كان هناك شيء يُرى من المرأة عادة ويقتضي من الرجل غضّ البصر عنه. ولو أن الشرع أمر بستر وجه المرأة ما كانت هناك حاجة لأمر الرجال بغض البصر.
ومع ذلك فأكثر أهل العلم يقولون: بجواز النظر إلى وجه المرأة وكفيها بغير ريبة ولا مكروه.. وأما النظرة للشهوة، فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة، فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة().
وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة().
ولا نعتقد أن الحياة الاجتماعية في المجتمع المسلم يمكنها أن تستقيم بدون هذا النظر البريء الذي تترتب عليه كل النتائج الايجابية في بناء الحياة..
اختيار الزوجة
· كيف سيختار الرجل زوجته ويتأكد من جمالها وحسنها.. وقد أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من مزايا المرأة الصالحة الناجحة بأن يُسرّ إذا نظر إليها..؟
هل يرسل أمه أم الخاطبة.. وهل تكفي نظرتهما.. أليس الجمال قضية نسبية..؟ وما يعجب شخص قد لا يعجب الآخر..؟
ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد على صحابي أراد أن يتزوج من أنصارية فقال له: أنظرت إليها..؟ قال لا. قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا().. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل().
وفي رواية: وإن كانت لا تعلم.. وقال الأوزاعي: الأولى عدم علمها لأنها قد تتزين له بما يغره()...
وكيف يتأكد من جمالها بدون علمها إن كانت ساترة وجهها بنقاب أو غيره...؟
وأين يتمكن الرجل من رؤية زوجة المستقبل.. هل يرسل لها رسالة غرام ويواعدها سرا ويتناجيان كما يفعل العشاق.. ولكنه أمر لا يليق بمجتمع نظيف.. فالنتائج مرة في مثل هذه المواعيد..
إنه يراها في المسجد داخلة أو خارجة منه.. فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين من أن يمنعوا إماء الله من بيوت الله..
أو يراها في المعركة.. وأيام الإسلام كلها معارك..
معارك اجتماعية لبناء الحياة الأفضل..
ومعارك سياسية.. تهتم بأمور المسلمين.. وتتخذ السبيل الأقوام لنهضتهم.
وأخيرا معارك تسترد الأرض وتحمي العرض وتحرر الإنسان.
أو يراها في موكب الدعوة تدعو إلى الله في كل مجالات الحياة.. حتى إذا وقعت في نفسه ووقع في نفسها كانت زوجة المستقبل.
كنت في زيارة لأمريكا ألقي محاضرة في اتحاد الطلبة المسلمين.. وكانت الشكوى المِرّة أن المسلِم يعيِش في المجتمع الغربي غريبا، وقد يكون هو وأسرته وحدهما في مدينة.. ولا يلتقي بالأسر المسلمة الأخرى إلا مرة أو مرتين في السنة.. فكيف تتزوج الفتاة المسلمة.. أو كيف يجد الشاب المسلم شريكة حياته.. ولاسيما أن برامج المؤتِمرات تخصص جناحا للرجال وآخر للنساء.. أناشد المسؤولين عن مثل هذه المؤتِمرات أن يمكّنوا الشباب من رؤية الشابات في مجتمع نظيف تحت سمع الأسرة وبصرها.. فيساهمون في بناء أسرة كريمة وبالتالي في بناء المجتمع المسلم..
تحذير مطلوب..
والنظرة الشهوانية سهم مسموم.. لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "النظرة سهم مسموم من سهام أبليس من تركها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه".
وإتباع النظرة النظرة .. خطوة في الطريق الخطر.
والرجل يميل بطبعه للمرأة.. وإن النظرة الخاطفة قد تترك في نفس صاحبها أثرا يتفاعل مع كل ذرة من ذرات جسمه وعقله.. ومع ذلك فلم يمنعها الإسلام بل عالج آثارها.
عن أبي كبشة الأنماري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه فدخل ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول الله قد كان شيء؟ قال: أجل مرّت بي فلانة فوقع في قلبي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها.. فكذلك فافعلوا فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال().
كان رسول الله غنيا عن هذا البيان .. ولكنه يرشدهم للعلاج عندما يرى أحدهم امرأة جميلة وتقع في قلبه شهوة النساء.
وتحذير آخر..
ولباس المرأة الذي يغطي جميع بدنها باستثناء الوجه والكفين، والمخالف للباس الرجال، والذي تعارف عليه المسلمون، هو غير الدعوة إلى السفور التي شاعت في بِلاد المسلمين.. الدعوة التي نادى بها (مرقص فهمي) في مصر ودعا إلى تحرير المرأة من الحجاب.. أو الدعوة التي حمل وزرها قاسم أمين.. أو تصرف سعد زغلول الذي نزع حجاب هدى شعراوي.. فصفقت له هدى وصفقت له النساء لهذا الهتك المشين.. أو ما فعله أتاتورك يوم حرّم على المرأة المسلمة أن تلبس الحجاب.. أو ما فعله رضا بهلوي في إيران ومحمد أمان خان في أفغانستان().. الأول لباس شرعي تصون به المرأة المسلمة شرفها وترضي ربها.. وتمارس بقوة أمور دعوتها..
والأمر الثاني.. هتك للستر.. وإشباع للغريزة الجامحة التي لا تعرف الحدود.. وإرضاء لما يريده أعداء الإسلام.