ولابد من استحضار النية من تجريدها من كل الشوائب والرغبات الذاتية والدنيوية، وإخلاصها لله تعالى في كل عمل من أعمال الآخرة، حتى يجوز القبول عند الله.
ذلك أن لكل عمل صالح ركنين لا يقبل عند الله إلا بهما:
أولهما: الإخلاص وتصحيح النية.
وثانيهما: موافقة السنة ومنهاج الشرع.
وبالركن الأول تتحقق صحة الباطن، وبالثاني تتحقق صحة الظاهر، وقد جاء في الركن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، فهذا هو ميزان الباطن.
وجاء في الركن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود على صاحبه، وهذا ميزان الظاهر.
وقد جمع الله الركنين في أكثر من آية في كتابه، فقال تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن).
وإسلام الوجه لله: إخلاص القصد والعمل له.. والإحسان فيه: أداؤه على الصورة المرضية شرعا، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.
وقد مر بنا قول الفضيل بن عياض: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا وصوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة .. ثم قرأ الفضيل قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد).
ومما روى عن ابن مسعود: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا مما وافق السنة.
وقال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة (يعني: أن يؤدي على وجه الصواب شرعا).
نعلم مما تقدم أن إخلاص النية لا يكفي وحده لقبول العمل، ما لم يكن موافقا لما جاء به الشرع وصحت به السنة، كما أن ورود الشرع بالعمل لا يرقى به إلى درجة القبول ما لم يتحقق فيه الإخلاص، وتجريد النية لله عز وجل، وأي عمل من أعمال الآخرة فقد الإخلاص، فلا قيمة له في ميزان الحق، يقول ابن عطاء الله: الأعمال صور قائمة (كالتماثيل) وروحها وجود سر الإخلاص فيها.
بدون الإخلاص إذن لا يقبل عمل مهما يكن ظاهره الخير والصلاح.
بناء المسجد لغرض فاسد
وأضرب لذلك مثلين:
الأول: هو بناء مسجد.
فلا ريب أن للمسجد مكانته وأثره في الحياة الإسلامية، فهو دار للعبادة، ومدرسة للدعوة، ومنتدى للتعارف، ولهذا حث الإسلام على إنشاء المساجد وعمارتها، والعناية بها، ووعد على ذلك بأجزل المثوبة عند الله، حتى جاء في الحديث: "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة".
ولكن الحديث النبوي الشريف ينبهنا على أن هذا الثواب لمن بنى مسجدا "يبتغي به وجه الله" لا لكل من بنى مسجدا.. فإذا كان بناء المسجد لغرض فاسد، وقصد سيئ، فإنه يكون وبالا على من أقامه وأسسه، إن النية الخبيثة تنضح على هذا العمل الطيب فتنحرف به، وتحيل خيره شرا، وأجره وزرا.
وفي هذا الأمر جاءت قصة "مسجد الضرار" التي نزل فيها قرآن يتلى، ليبين للناس أن "النوايا الشريرة" تفسد المؤسسات الصالحة، وتذهب بكل ما فيها من خير، ونعني بالمؤسسات الصالحة: التي تتخذ الصلاح عنوانا لها ومظهرا، أو التي يفترض فيها الصلاح والخير والتقوى، قال تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).
الجهاد لغرض دنيوي
والمثل الثاني: هو الجهاد.
وهو أفضل عبادة يتطوع بها مسلم ويتقرب إلى ربه بها، ومع هذا لا يقبله الله حتى يخلص من كل الشوائب الدنيوية، مثل مراءاة الناس، أو إظهار الشجاعة، أو الحمية للعشيرة أو الأرض أو نحو ذلك.
وإن المرء قد يلبس لبوس المجاهدين، ويقاتل في صفوفهم، حتى يقتل على أيدي الكفار ثم لا يعد عند الله شهيدا، وما ذلك إلا لأن نيته لم تتجرد لإعلاء كلمة الله، وداخلتها مقاصد وبواعث أخرى.
وقد جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ومفهوم هذا: أن كل قتال آخر ليس في سبيل الله.