(3)
فلسطين في ظل الحروب الصليبية
الحديث عن فلسطين وتاريخها يقتضي أن نعطي لمحة عن الحروب الصليبية. تلك الحروب التي غزت -بتحريض مباشر من البابا- الشرق الإسلامي، وقذفته بتسع حملات صليبية شرسة، قادها ملوك أوروبا وفرسانها، بهدف القضاء على المسلمين.. وجعلوا على رأس أهدافهم أن تكون فلسطين وبيت المقدس بالذات مركز دولتهم الصليبية.
الحملة الصليبية الأولى 1099م
ابتداء من عام 970م بدأ النصارى في أسبانيا حربا مسلحة نشطة ضد المسلمين.. انتهت بسقوط الدولة الأموية في الأندلس في السنين الأولى من القرن الحادي عشر الميلادي. ولقد شجع هذا السقوط الكنيسة والأمراء الأوروبيين بتحريض مباشر من البابا (بينيدكت الثامن) على غزو جزر صقلية وسردينيا.
أما الحملة الصليبية الأولى التي خرجت من أوروبا.. قاصدة بيت المقدس، فقد كانت بقيادة جودفري أوف بويلون. واستطاعت هذه الحملة التي بلغ عدد المشتركين فيها 600 ألف مقاتل أن تستولي على القدس في يوليو (تموز) 1099م، وأصبح بذلك جودفري أول حاكم صليبي لبيت المقدس.
الحملة الصليبية الثانية - 1147م
جاءت الحملة الصليبية الثانية عام 1147م بقيادة ملك فرنسا (لويس الرابع) وامبراطور ألمانيا (كونراد الثالث)، توجهت إلى دمشق.. وإذ استعصت دمشق على الفتح.. عاد الصليبيون أدراجهم مسجلين أول فشل ذريع في هذه الحروب العدوانية..
ولقد شجع فشل الحملة الصليبية الثانية القيادة الإسلامية الناشئة على متابعة طريق الوحدة والقوة.. فلقد نجح (نور الدين محمود) في إلحاق هزيمة بالفرنج في عسقلان سنة 1164م، ثم فتح مصر سنة 1169م وأقام نائبه (أسد الدين شيركوه) واليا هناك الذي خلفه بعد موته صلاح الدين الأيوبي عام 1171م. وعندما مات نور الدين سنة 1174م، وحدّ صلاح الدين الأيوبي جميع هذه البلدان تحت قيادته .
كان ملك القدس الصليبي آنذاك هو بالدوين الرابع، وقد هزمه صلاح الدين في معركة بانياس، واضطر الفرنجة عندها إلى عقد صلح مع المسلمين، إلا أن الفرنجة سرعان ما نقضوا العهد كعادتهم.. وفي هذه الأثناء تولى الحكم أخوه الملك بالدوين الخامس.. الذي دسّ الفرنجة له السم.. وتولى بعده الحكم الملك (غاي دي لوزيجنان).
معركة حطين الخالدة
كان واضحا من سياسات البطل نور الدين محمود والبطل صلاح الدين الأيوبي من بعده أنهما كانا يتخذان الأسباب المناسبة لتحرير بيت المقدس الذي يرزح تحت وطأة الاحتلال الصليبي المهين..
وجاءت الفرصة.. (عندما اعتدى أمير الكرك الصليبي على قافلة حجاج تابعة للدولة الإسلامية عام 582هِ، وإمارة الكرك هذه واقعة بين البلاد الشامية، والبلاد المصرية، وكان بين صلاح الدين وبين هذه الإمارة هدنة ومسالمة، وكان من بنود الهدنة السماح للقوافل الإسلامية بالانتقال من مصر إلى الشام وبالعكس في سلامة وأمان)..
وأعلن البطل الجهاد المقدس.. وخرج من دمشق بعد صلاة الجمعة يوم 17 ربيع الآخر سنة 583هِ بين تهليل المسلمين وتكبيرهم وابتهالهم ودعائهم بالنصر للإسلام وقيادة المسلمين.. وكانت المعركة الفاصلة بين الفريقين عند (طبرية) في مكان اسمه (حطين).. وهجم المسلمون يقتلون ويأسرون، فانهزم الصليبيون هزيمة منكرة. وأُسر ملك بيت المقدس وأمير الكرك الذي قتله صلاح الدين جزاء على شتمه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واعتدائه على المسلمين. أما ملك القدس وبقية الأسرى فقد أرسلهم صلاح الدين إلى الشام.
ثم حرر صلاح الدين عكا ومدن صور وصيدا وجبيل وبيروت وبقية مدن الساحل ليحول دون وصول الامدادات الصليبية إلى القدس عن طريق البحر. ولم يكن يرغب بدخول بيت المقدس حربا.. فأرسل إلى أهلها يطلب منهم التسليم على شروط وصفها قائلا لهم: (اني على اعتقاد تام بأن القدس هي بيت الله المقدس كما تعتقدون، وليس في عزمي أن أتعرض لبيت الله بأذى الحصار أو ضرر الهجوم..) وأبى الفرنجة الصلح.. وركبوا رؤوسهم.. فحطم صلاح الدين تلك الرؤوس المتغطرسة المعتدية.. وبعد أسبوع من القتال المرير استسلم هؤلاء أذلاء.. وقبلوا بشروط القائد الفاتح.
الحملة الصليبية الثالثة
غضبت أوروبا أشد الغضب لعودة القدس إلى المسلمين، فأرسلوا حملة جديدة على رأسها: الإمبراطور فردريك الأول الألماني، وفيليب أغسطس الفرنسي، وريتشارد قلب الأسد الإنكليزي.
كان لكل من هؤلاء القادة أحلامه وأطماعه.. أما إمبراطور ألمانيا فقد غرق في الطريق وتشتتت حملته.. وأما الجيش الفرنسي والإنكليزي فقد وصلا عن طريق البحر إلى عكا التي كان يحاصرها منذ سنتين ملك بيت المقدس الذي كان أطلقه صلاح الدين من الأسر على أن لا يعود إلى قتال المسلمين.. وانتهت هذه الحملة بعقد صلح مع صلاح الدين سنة 588هِ (3 سبتمبر 1192هِ). ينص على أن يستقر الصليبيون في الشريط الساحلي الممتد من صور إلى يافا، وأن يسمح للنصارى بزيارة بيت المقدس الذي بقي تحت الحكم الإسلامي. وبعد هذه الهدنة بسنة واحدة توفي صلاح الدين فانزاح عن صدر أوروبا كابوس ثقيل طالما خيب آمالها وأودى بفرسانها.. واقتلع من أرض المسلمين طغيانها وعدوانها.
الحملة الصليبية الرابعة
وقد استمرت من عام 1202م وحتى عام 1204م.. وضمت أكثر من خمسين ألفا من الشبان المهووسين الراغبين في القضاء على المسلمين واحتلال ديارهم.. وقد غرق أكثر هؤلاء في البحر.. وقُتل قسم آخرمنهم.. وأقلهم تمكن من العودة.. دون أن يحققوا شيئا.
الحملة الصليبية الخامسة
تبناها البابا (إنوّسنت) سنة 1215م. وقد خرجت لاحتلال مصر، وبعد احتلال دمياط تخاذل الملك العادل (شقيق صلاح الدين الذي خلفه في رئاسة الدولة) وأحب أن يصالح الصليبيين بالتنازل عن جزء من مملكة القدس.. ولكن نشوة النصر أبطرت الصليبيين وجعلتهم يطالبون بالتعويضات أيضا.. فما كان من العادل إلا أن رفض ذلك وحاربهم وانتزع منهم دمياط.
الحملة الصليبية السادسة
كانت أوروبا تراقب أوضاع المسلمين بعد وفاة القائد العظيم صلاح الدين، الأمر الذي دفع فريدريك الثاني امبراطور ألمانيا لتبني حملة جديدة لاحتلال فلسطين عام 1229م.. واستطاع بمساعدة بعض الدويلات الإسلامية أن يجبر السلطان المصري على قبول شروطه التي تنص على أن يتنازل له عن القدس والناصرة وبيت لحم مع شريط ساحلي لمدة عشرة سنين هذا بالإضافة إلى المدن الساحلية الأخرى التي كانت بأيديهم أصلا.
الحملة الصليبية السابعة
عند نهاية السنوات العشر للهدنة بين فريدريك والمسلمين، تزعّم ثيوبالد الحملة الصليبية السابعة عام 1239م.. وقد فشلت هذه الحملة فشلا ذريعا وأسر المسلمون منهم أعدادا كبيرة.
الحملة الصليبية الثامنة
في هذه الأثناء غزا المغول بلدان العالم الإسلامي.. وعقدوا حلفا مع المصريين عام 1240م، وهاجموا سوريا والقدس عام 1244م فهدموا كنائسها وقتلوا سكانها وعندما انسحبوا بقيت القدس تحت حكم المماليك في مصر.
في أعقاب ذلك بدأ البابا ينادي بحملة صليبية جديدة للاستيلاء على فلسطين.. وقد تحمس ملك فرنسا لويس التاسع لهذه الحملة.. وهاجم مصر بدلا من فلسطين.. لكنه أسر فيها..
الحملة الصليبية التاسعة
وكانت هذه الحملة متعددة الأهداف.. فكان الملك الفرنسي سانت لويس يطمح إلى احتلال تونس وحمل (الباي) على قبول المسيحية.. ولكنه مات ولم يحقق هدفه. وقاد الملك أدوارد ملك بريطانيا حملة أخرى عام 1271م واستطاع احتلال عكا.. ولكنه لم يستطع بعد ذلك أن يتقدم خطوة نحو فلسطين. وكانت هذه الحملة نهاية الحملات الصليبية الرسمية .. التي حملت الحقد والتعصب والخراب ضد بلاد المسلمين..
وكانت فلسطين وبيت المقدس بالذات أحد أهم أسباب هذه الحروب.