(4)
الفاتح صلاح الدين الأيوبي
قبل أن نغادر الحروب الصليبية الرسمية، نحب أن نلتقي مع بطل التحرير القائد صلاح الدين الأيوبي الذي ردّ كيد الأعداء، ووحّد كلمة المسلمين.. نسترشد بخطواته.. ونتعلم دروسا من قيادته.. فالتاريخ يعيد نفسه.. والصليبية مستمرة، بل وتعددت وجوهها.. ونحن أحوج ما نكون إلى صلاح الدين جديد..
لقد حدد صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه هدفه بكل دقة، وهو تحرير البلدان الإسلامية عامة، وفلسطين وبيت مقدسها خاصة، من رجس الغزاة المعتدين، واتخذ الأسباب السليمة التي توصله لهذه الأهداف.
فعلى الصعيد الشخصي.. يذكر مرافقه القاضي بهاء الدين: (أنه كان خاشع القلب، غزير الدمعة، إذا سمع القرآن خشع قلبه، ودمعت عيناه.. وكان كثير التعظيم لشعائر الدين، لا يؤخر صلاة ساعة إلى ساعة.. وعندما مرض أوصى ابنه الظاهر فقال: أوصيك بتقوى الله، فهي رأس كل خير، وآمرك بما أمر الله به، فإنه سبب نجاتك، واحذر من الدماء والدخول فيها والتقلد بها، فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالها فأنت أميني وأمين الله عليهم).
وعلى صعيد الوعي السياسي.. فقد كان يدرك أن الأمة المتفرقة لا تملك أسباب النصر.
(انطلاقا من هذه الأفكار والمبادئ، جمع صلاح الدين الكردي جموع المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم تحت لواء الوحدة الإسلامية ليقفوا وقفة صامدة أمام الصليبية الحاقدة، والاستعمار اللئيم) .
لقد كان عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال.. كان كالوالدة الثكلى، يجول بفرسه من طلب إلى طلب، يحث الناس على الجهاد، ويطوف بين الصفوف وينادي: يا للإسلام، وعيناه تذرفان بالدموع، وكلما نظر إلى عكا وما حلّ بها من البلاء، وما يجرى على ساكنيها من المصاب العظيم اشتد في الزحف والحث على القتال.. وكان يقول: وكيف أضحك وبيت المقدس مأسور في يد الصليبيين.