(16)
حركة عز الدين القسام
في 13 يونيو 1921م كتب صموئيل المندوب السامي الصهيوني إلى وزير المستعمرات تشرشل يحذره بقوله: إن مشايخ وعلماء المسلمين ظلوا حتى الآن في موقف المتفرج، ولكنهم سيأخذون زمام المبادرة والحلول محل السياسيين في قيادة التحريض والثورة.
وبالفعل فقد ظهرت العديد من التنظيمات السرية والجهادية مثل جماعة الكف الأخضر في شمال فلسطين أوائل 1929م والجهاد المقدس برعاية المفتي ورئاسة عبد القادر الحسيني، وكانت أقواها وأدقها تنظيما وأعظمها تأثيرا حركة الإخوان المسلمين وجمعية الشبان المسلمين بقيادة الشيخ عز الدين القسام.
عز الدين القسام
عندما نتكلم عن النماذج المختلفة التي أغنت العمل الإسلامي بفكرها وتجربتها وجهادها، لا نستطيِع تجاهل شخصية عز الدين القسام، فهو عالم مجاهد، ورائد من رواح الكفاح ضد الاستعمار.
ولد في سوريا عام 1871م، ودرس في مصر، وقاتل الفرنسيين في سوريا، وعندما حكموا عليه بالإعدام فر إلى فلسطين وقاتل الانكليز واليهود هناك.
وفي فلسطين استقر في قرية الياجور قرب حيفا وكان ذلك في فبراير عام 1922م.
جاء القسام إلى فلسطين مجاهدا، فلقد كان واضحا له المخطط الذي رسمته اليهودية العالمية في بال في سويسرا، والذي قرر إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان يرى التآمر العالمي المدعوم بالقوة الاستعمارية عامة والبريطانية خاصة لتطبيق هذا المخطط الرهيب.
كان يرى الهجرة اليهودية.. والشبان اليهود المسلحين القادمين من أطراف العالم يستولون على الأرض بالإغراء أو الإرهاب.. وفي كل يوم كانت تزداد مساحة حي التنك الذي يقطنه.. وكانت بالنسبة إليه المؤشر على فداحة الخطب، وتزايد عدد المشردين من أبناء وطنه.
من أجل ذلك ولمدة سبع سنين بقي القسام يتصل بالناس ويتعرف على نوعياتهم، ويربيهم، وينظمهم ، ويدربهم، ويعدهم للساعة الحاسمة.. عمل مدرسا في مسجد النصر في حيفا، ثم انضم إلى جمعية الشبان المسلمين عام 1926م وانتخب رئيسا لها عام 1928م، ثم عمل خطيبا في مسجد الاستقلال أكبر مساجد المدينة، وفي عام 1929م تقدم بطلب لتعيينه في وظيفة مأذون شرعي، وهكذا استطاع الشيخ خلال سبع سنوات أن يضمن لنفسه شرعية الاتصال بطبقات الأمة كافة.
حاكم لواء حيفا الإنكليزي قال له:
(يا شيخ إنك متحرك وذو نشاط مناوئ لنا، فرد عليه الشيخ -بعد أن أخرج المصحف الشريف من جيبه- قائلا: هذا الكتاب العظيم يأمرنا بالجهاد ولا نخالفه).
ولقد انتشرت دعوته ليس في شمال فلسطين فحسب بل وشملت وسط فلسطين ووصلت حتى غزة في الجنوب.
الجهادية
في عام 1925م وبعد ثلاث سنوات من الإعداد المحكم الدقيق بدأ القسام بتكوين منظمته الجهادية.
· عام 1929م حاول اليهود احتلال حائط البراق والمسجد المجاور له بتشجيع ومساندة قوات الاحتلال البريطاني، فتصدى لهم سكان القدس وقراها بشجاعة نادرة سقط خلالها أكثر من 600 مواطن بين شهيد وجريح.
ومع تصاعد الهيجان الشعبي.. رأت مجموعة من منظمة القسام .. أن الوقت قد حان لإعلان الثورة. ولكن القسام قال: لن تعلن الثورة حتى تكتمل.
· ولقد هيأت أحداث 1933-1935 المناخ العام للثورة. المهاجرون اليهود يتدفقون، والمحتلون الإنكليز يزداد حقدهم على الوطنيين، والأسلحة تتدفق على اليهود تحت مختلف الأسباب.. وفي الجانب الآخر فقد نمت كوادر الحركة وأصبحت بالآلاف.. وفي أواخر شهر أكتوبر من عام 1935 دعا القائد القسام رجال قيادته وتدارسوا الموقف ثم كان قرار بدء الثورة.
وكانت الخطة كما يلي:
· يغادر جميع أفراد التنظيم أماكنهم فورا ويتجهون إلى أرض المعركة في جبال جنين القريبة من حيفا.
· وفي قرية كفروان الجبلية وزع القائد رفاقه على قرى: يعبد وفقوعه، وصندلة وقباطية للاتصال بأهاليها وليشرحوا لسكانها أهداف الثورة، حتى يضموا إليهم أكبر عدد من المناضلين، فإذا اكتمل العدد الذي يريد، هاجم مدينة حيفا واحتل دوائر الحكومة ومراكز الشرطة والميناء، وبعد أن يستتب له الأمر يعلن قيام الحكومة الوطنية، ويكون أعوانه في المدن الأخرى قد قاموا بنفس العملية.
في الجبال اتخذ رجال (الجهادية) مراكز لهم، نهارهم اتصال بالآخرين في القرى المجاورة.. وليلهم عبادة وتهجد وتدريب على السلاح. وكان القائد محمود سالم المخزومي يقوم بالحراسة قرب قرية فقوعة فشاهد دورية بوليس من الفرسان يقودهم شاويش يهودي.. فِدب الحمِاس فِي المناضل الحارس فأطلق النار على الشاويش اليهودي فقتله إلا أن زميله استطاع الهرب..
وفي اليوم التالي صباح يوم 15 نوفمبر 1935 قامت قوات كبيرة إنكليزية بتطويق القرى المجاورة.. ثم تطورت الأمور فعقد اجتماع في مكتب المندوب السامي الإنكليزي وتقرر فيه ضرورة القضاء على هذه الثورة.. مهما كلف الأمر قبل استفحال خطرها..
وأرسلت نجدات من رجال البوليس الإنكليزي من كافة المدن الفلسطينية إلى حيفا، تساندهم الطائرات، وزحفت القوات إلى جبال جنين وطوقت منذ طلوع الفجر قرى يعبد واليامون ويرقين وكفروان وفقوعة. كان الشيخ القسام مع أحد عشر مناضلا في أحراش يعبد في خربة الطرم في الجهة الشمالية الشرقية من يعبد..
وحين طلب إليه أن يستسلم أجاب إننا لن نستسلم.. والتفت إلى زملائه قائلا: موتوا شهداء.
واستشهد القائد الكبير عز الدين القسام يوم 20 نوفمبر 1935م.. ولطالما كان يتوق للشهادة.. ولكأنما أراد القدر أن يؤكد له ما كان يصر عليه أن التصرف الخاطئ المتسرع المخالف للخطة مهما بدا جميلا.. ففيه الضرر الكبير..
بداية أم نهاية
هل كان استشهاد قائد الثورة ورائد النضال والكفاح عز الدين القسام نهاية لمنظمته الجهادية.. أم بداية حقيقية للوعي الشعبي.. والتحرك الثوري في أرجاء فلسطين.
قال اليهود: لقد كانت أحلام درويش متعصب.. انتهى وانتهت معه أحلامه..
وقال الإنكليز في أحد بلاغاتهم: لقد قضينا على بعض الأشقياء، الشيخ القسام وبعض رفاقه.. ذلك بزعمهم، أما الحقيقة فلقد تحول الأمر من رجل إلى قضية، ومن بطل إلى أمة.. ومن شعلة ارتفعت لتعم أرض فلسطين كلها..
لقد أدرك رفاق القسام، حتى أولئك الذين كانوا يخالفونه في بعض التفاصيل، انه أبعد منهم نظرا وأكثر منهم حكمة، وأن العبء الثقيل قد حط على كاهلهم فاجتمعوا وتعاهدوا. ومنذ اليوم التالي لاستشهاد القائد كان رفيقه الشيخ فرحان السعدي يأخذ زمام المبادرة ويرابط في جبال صفد يكمل المسيرة.
لم تمض إلا شهور قليلة حتى كانت الشرارة الأولى لثورة عام 1936م. وفي يافا تكون الشرارة الثانية في 19 أبريل 1936، ومن يافا تنتقل شرارة الثورة المسلحة لتشمل كل فلسطين، فتكون الكوادر القسامية طلائع الثورة، وقادة معاركها.
فلم تكن إذن النهاية.. بل البداية التي أيقظت الشعب المسلم في فلسطين وأقامت له معالم الطريق.. وقدمت النموذة الرائع في الشهادة والقيادة.
كِِان دم القسِِِام ورفِِِاقِِِه وقِِِودا جِِديِِدا للمعِِِركِِِِِة، ومشِِعِِِِِِِِِلا أضِِِِِِِاء الطِِِِريق، وصِِِِِرخِِِِِِة مِِِدويِِِِِِِِِة أيقظِِِِِت الغِِِِافلِِيِِِِِِِِِن.