وضعف الضعيف يكون من بدعة كما يكون من ذنب، هذا ما تعارف عليه العلماء منذ القدم، حتى إنهم كانوا ليهجرون الأخ الشقيق إذا اعتقد ببدعة، مثل علي بن حرب بن محمد الموصلي، هجر أخاه أحمد بسبب قوله أن لفظه بالقرآن مخلوق، مع ثقته وصدقه،() ومع سلامة قوله هذا، واشتهاره عن البخاري أيضًا، ولكنه أنكر عليه لقرب العهد من بدعة خلق القرآن، وأرادوا أن لا يدندن أحد بما يقرب من ألفاظ المعتزلة ويزيد حيرة العامة.
ولكن أدعياء وحدة الأمة في هذا العصر يدعون إلى التجاوز عن معاني البدعة، وسري هذا الوهم الدعاة، واسقطوا أمر البدعة كعامل من عوامل التمييز، فوقعوا في الخطأ.
إنه خلق جميل أن تعطف على المبتدع، وأن تنصره على كافر، وترفع الظلم عنه، وتقف معه في وجه من هو أكثر بدعة منه، لكنه أمر خطر أن تفتح له صفوف الدعوة قبل توبته، وأن تؤمره قبل سلامته، وأن تحبه قبل غسله الأدران التي علقت بعقيدته، فإنه ما أوهى أمر الأمة إلا البدع، كما قال الفضيل بن عياض:
(من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام).
وقال: (من أحب صاحب بدعة: أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه).
إن الدعة للأخذ بيد المذنب والعاصي في تصرفاته السلوكية، إذا كان أصل الإيمان في نفسه: أهون بكثير من التعاون مع المبتدعة حال تمسكهم ببدعهم، والمذنب أقل ضررًا من المبتدع من وجوه، منها:
(أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على الناس.
وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة.
والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب ليس كذلك.
والمبتدع قادح في أوصاف الرب وكما له، والمذنب ليس كذلك.
والمبتدع مناقض لما جاء به -صلى الله عليه وسلم- والعاصي ليس كذلك.
والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير) ().