|
|
|
|
الموسوعة الحركية
-
عرض حسب اسم الكتاب
-
-
عرض حسب اسم المؤلف -
- عرض حسب التصنيف
-
| الكتاب: | المُنطلق | | المؤلف: | محمد الراشد | | التصنيف: | طلابي |
كسوف لا غروب آية الحق وجود المسلم ويرفض الداعية أن ينصاع للخداع.
ويستعلي أن تمر خطة الكيد.
فيقف يؤذن في الناس.
ولكن أكثر الناس نيام.
ويرى جلد أصحاب الباطل وأهل الريبة وتفانيهم لتمرير خطتهم، فإذا التفت رأي المسلم سادرًا غافلا، إلا الذين رحمهم ربهم، وقليل ما هم.
ويعود ليفرغ حزنه، في خطاب مع نفسه.....
تبلد في الناس حس الكفاح
ومالوا لكسب وعيش رتيب
يكاد يزعزع من همتي
سدور الأمين، وعزم المريب()
ويتهم نفسه أنه لم يكن بليغًا في ندائه، ولكن سرعان ما يحس أنه قد حاز البلاغة من إقطارها، فيعود يسلي نفسه ويجمل عزاءه....
ومن حر شدوي يري في الخريف
طروبا بصحبتي العندليب
ولكن خلقت بأرض بها
نفوس العبيد برق تطيب()
لقد تبدلت موازين البلاغة، وافتقد الجيل الأعمال الكبيرة التي يتمجد بها، فصار- كما يقول الرافعي-:
(تخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها)().
ورغم الفساد، فإن الداعية المسلم لن يتخلى عن محاولة انتشال العباد، وإن كل وساوس اليأس من الإصلاح لن تلبث أن تتبدد أمام لحظة انتباه إيماني تريه مكانته المتوسطة لموكب الإيمان السائر. أخذ عن السلف، ولا بد أن يسوق له قدر الله خلفا يتسلم الأمانة منه.
وإنه لموكب لن ينقطع أبدًا، مضى به القول على لسان النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ حين قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك().
بل إن وجود العصبة المسلمة في الأرض، الكاملة الدينونة لله، التي لم تتلوث بانحراف عن نهجه، ولا توان عن قصده، هي من سنن الله الكونية التي كمل بها الله سبحانه ميزان ما خلق. ولو افتقدت هذه العصبة لثقل الميزان في جانب، وخف في جانب، واضطرب الكون كله.
لذلك كان وجود الدعوة الربانية في هذه الأرض حتما مقضيا، لن تزول لرغبة طاغية أو اضطهاد من زبانية.
أرأيت لو زالت الشمس من هذا الكون، أو زالت الجاذبية، كم يكون الاضطراب؟
فكذلك وجود دعوة الحق، فإنها الشمس والقمر والجاذبية والماء والهواء من سنن الكون التي يتحتم وجودها، وإلا فتقوم ساعة القيامة، لكنها سنة لا يراها إلا صاحب قلب سليم، كما لا يرى الجاذبية إلا صاحب درس عليم.
وهذا مصدر إصرار المسلم على المضي في الطريق، يتعرض لقدر الخير هذا من أقدار الله، يرجو أن يتجلى فيه، فيكون من الفائزين. وأما من أعرض فإن السنة ماضية لن تقف لإعراضه، ويهدي الله لتجلية قدره وسنته قوما آخرين.
وقد أجمل الأستاذ المرشد حسن الهضيبي رحمه الله هذا المعنى، فقال:
(إن أحداث الزمان يجب أن تخضع لكتاب الله وسنة رسوله، مهما تراءى للناس أن الدنيا لا تحتمل هذا الإخضاع، فالدين هو السنة التي وضعها الله للناس كما وضع السنن الكونية الأخرى للشمس والقمر والحيوان والنبات، وكل ما في السماء وما في الأرض وما عليها)().
إن يقول: كما أن للشمس ثباتًا وجاذبية وللأرض مدارًا ودورانًا، فإن للبشر هذا الدين، إن فقده اختل ميزانه، والناظر يرى أبعد من ذلك، ويبصر أن للكون هندسة بديعة، هذا الدين جزء منها، فلا بد أن تمثله جماعة في كل وقت.
وأدرك عبد الوهاب عزام رحمه الله هذه السنة الكونية أيضًا، سنة من لا يبتئس لصولة الباطل، ولا يرده تساقط الشهداء، أو غثاء المتخلفين، فقال:
سنن الله في الخلائق تمضي
لا تني ساعة، وليست تحول
وخلال الأحرار منها، فليست
عن جهاد عن الحق يومًا تزول()
وبإدراك عزام لهذه الحقيقية تبين فقهه ووعيه رحمه الله.
إن إسلامنا نبأ عظيم، وهو من مكملات الناموس الكوني الذي يختل بدونه، فلا بد إذن أن يوجد في الواقع، وتمحى الجاهلية ليتم الناموس من غير اضطراب.
(قل: هو نبأ عظيم، أنتم عنه معرضون).
(وإنه لأمر أعظم بكثير من ظاهرة القريب، إنه أمر من أمر الله في هذا الوجود كله وشأن من شؤون هذا الكون بكامله. إنه قدر من قدر الله في نظام هذا الوجود، ليس منفصلا ولا بعيدًا عن شأن السماوات والأرض، وشأن الماضي السحيق والمستقبل البعيد.
ولقد جاء هذا النبأ العظيم ليتجاوز قريشا في مكة، والعرب في الجزيرة، والجيل الذي عاصر الدعوة في الأرض، ليتجاوز هذا المدى المحدود من المكان والزمان، ويؤثر في مستقبل البشرية كلها في جميع إعصارها وأقطارها، ويكيف مصائرها منذ نزوله إلى الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد نزل في أوانه المقدر له في نظام هذا الكون كله، ليؤدي دوره هذا في الوقت الذي قدره الله له.
ولقد حول خط سير البشرية إلى الطريق الذي خطته يد القدر بهذا النبأ العظيم، سواء في ذلك من آمن به ومن صد عنه، ومن جاهد معه ومن قاومه، في جيله وفي الأجيال التي تلته، ولم يمر بالبشرية في تاريخها كله حادث أو نبأ ترك فيها من الآثار ما تركه هذا النبأ العظيم.
ولقد أنشأ من القيم والتصورات، وأرسى من القواعد والنظم في هذه الأرض كلها، وفي أجيال البشرية جميعها، ما لم يكن العرب يتصورونه ولو في الخيال.
وما كانوا يدركون في ذلك الزمان أن هذا النبأ إنما جاء ليغير وجه الأرض، ويوجه سير التاريخ، ويحقق قدر الله في مصير هذه الحياة، ويؤثر في ضمير هذه البشرية وفي واقعها، ويصل هذا كله بخط سير الوجود كله، وبالحق الكامن في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأنه ماض كذلك إلى يوم القيامة، ويؤدي دوره في توجيه أقدار الناس وأقدار الحياة.
والمسلمون اليوم يقفون من هذا النبأ كما وقف منه العرب أول الأمر، لا يدركون طبيعته وارتباطه بطبيعة الوجود، ولا يتدبرون الحق الكامن فيه ليعلموا أنه طرف من الحق الكامن في بناء الوجود، ولا يستعرضون آثاره في تاريخ البشرية وفي خط سيرها الطويل استعراضًا واقعيًا، يعتمدون فيه على نظرة مستقلة غير مستمدة من أعداء هذا النبأ، الذين يهمهم دائما أن يصغروا من شأنه في تكييف حياة البشرية وفي تحديد خط التاريخ، ومن ثم فإن المسلمين لا يدركون حقيقة دورهم سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وأنه دور ماض في هذه الأرض إلى آخر الزمان)().
ولكن إن لم يدركه ضحايا خطط الترويض من الظباء الجفولة وأسراب الحجل الوديع، فإن ليوثا من دعاة الإسلام قد أدركوه، وها نحن نسمع نشيدهم المتعالي في سيرهم الميمون
نحن وراث هداة للبشر
نحن عند الحق سر مدخر
لا تزال الشمس تبدي نورنا
غيمنا فيه بروق وسنا
ذاتنا المرآة للحق، أعلم
آية الحق: وجود المسلم()
وكذلك الفقه والوعي حين يكون...
آية الحق وجود المسلم.
ووجود المسلم حتمية من حتميات التاريخ الماضي والحاضر، وإنها لحتمية ماضية إلى يوم القيامة.
(والحق هو قوام هذا الوجود، فإذا حاد عنه: فسد وهلك (وَلَوö اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتö السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فöيهöنَّ)، ومن ثم فلا بد للحق أن يظهر، ولا بد للباطل أن يزهق، ومهما تكن الظواهر غير هذا فإن مصيرها إلى تكشف صريح (بَلْ نَقْذöفُ بöالْحَقّö عَلَى الْبَاطöلö فَيَدْمَغُهُ فَإöذَا هُوَ زَاهöقñ)().
ولئن رأى الحاضر من البشرية إقصاء الإسلام عن الحياة فما ذاك إلا كما تكسف الشمس. والذي حصل من الاضطراب والظلم والفساد بإقصائه لدليل لأولى الأبصار يميزون به صواب ما نقول من كون الإسلام جزئية لابد منها في نظام الكون البديع يختل بدونه.
وكما تأوى الطيور إلى أعشاشها حين تكسف الشمس ظهرًا، وتعرف بفطرتها إن ثمة شذوذا قد حصل، وأن الغروب لا يزال بعيدًا، ويكون لها الشعاع الضئيل الباقي مصدرًا أمل لعودة سريعة لنور الحياة، وتظل تنتظر لا تنام، فكذلك أولو القلوب الحية، يدركون بفطرتهم أن تنحية الإسلام عن الحكم كانت حدثا هائلا غريبًا، لكنه ليس الغروب، وإنما هو حدث شاذ، وما استمرار وجود عصبة للحق باقية –مهما كانت ضئيلة- إلا مصدر أمل لعودة الإسلام إلى الحياة، بل دلالة أكيدة على أنه سيعود إلى الحياة، ويرجع من أبق وتمرد من البشر إلى الرب الرحيم، ويستفيق ضحايا تربية الترويض، فإذا هم مستمسكون بالنهج القويم.
(لقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرًا في كل ما ألم بها من نكبات.
لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض، وأسنت الحياة، وتعفنت القيادات، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة، و(ظَهَرَ الْفَسَادُ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö بöمَا كَسَبَتْ أَيْدöي النَّاسö).
تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور، فكان ذلك مولدًا جديدًا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته، لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورًا جديدًا عن الوجود والقيم والنظم، كما حقق لها واقعًا اجتماعيًا فريدًا، كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور، قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء.
نعم! لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال، والعظمة والارتفاع، والبساطة واليسر، والواقعية الإيجابية، والتوازن والتناسق، بحيث لا يخطر للبشرية على بال، لولا أن الله أراده لها، وحققه في حياتها، في ظلال القرآن، ومنهج القرآن وشريعة القرآن.
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة، ونحي الإسلام عن القيادة، نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة، صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان)().
لكنها تنحية لن يسكت عنها دعاة الإسلام.
والطفل يجب أن نفتح له ذهنه ونريه حقائق الناموس الكوني.
إن المسلم أعز من أن يعتقد أن لصيق الأرض بإمكانه النطق بالصواب.
وإنما الصواب عنده ما نزل من السماء.
ولن يعدو هذا التنزيل، ولا يتجاوزه، بعد إذ قال رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ : (لا أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل)().
رفعت الأقلام وجفت الصحف.
كل شيء ما خلا الله باطل.
لا منهج إلا منهج الله، وكل عبادة لسواه باطلة.
وهذا هو الذي عناه ربعي بن عامر حين قال لرستم:
(الله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله)().
فإن (الإسلام هو منهج الحياة الوحيد، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر)()، (فإذا أحنوا رؤوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده، وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده، ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد، حين يصبحون كلهم عبيدًا لله بلا شريك)().
الكتب الخاصة بنفس الكاتب
موسوعة الكتب الحركية
Book Select
Book Select
Book Select
|
|
|
|
|
|