وأما الفضيل بن عياض فعالي المكانة، وخصه كتاب التهذيب بترجمة رائعة().
وأول من يوثقه: صاحبه أمير المحدثين عبد الله بن المبارك، إذ قال: (وأما أورع الناس: ففضيل).
وقال: (ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من فضيل).
وقال: (إذا نظرت إلى فضيل: جدد لي الحزن، ومقت نفسي).
وظاهر أن توثيقه هذا لا يشمل الرواية فقط، بل هو يقر بالأفضلية العامة، ولا يكون أفضل الناس من هو مبتدع، وقد روى ابن المبارك عن الفضيل تأكيدًا لقوله فيه.
ووثقه أيضًا إمام العراق عبد الرحمن بن مهدي، فقال:
(فضيل بن عياض رجل صالح ولم يكن بحافظ).
وروى عنه، وهو لا يروي إلا عن ثقة.
وكذلك سفيان بن عيينة إمام مكة، قال: (فضيل ثقة) وروى عنه.
وقال شريك القاضي نموذج العدل: (لم يزل لكل قوم حجة في زمانهم، وإن فضيل بن عياض حجة لأهل زمانه).
وقال أبو حاتم: (صدوق).
وقال الدارقطني إمام بغداد: (ثقة).
وأما النسائي فقال: (ثقة مأمون رجل صالح).
ورأى شيخ البخاري الحسين بن حريث حديث الفضيل حجة، وروى عنه.
عده القواريري شيخ البخاري ثاني أفضل المشايخ الذين رآهم، وروى عنه.
ووصفه عثمان بن أبي شيبة الكوفي، شيخ البخاري ومسلم بأنه: (كان ثقة صدوقا، وليس بحجة)، أي يطلب لحديثه متابعًا.
وقال العجلي: (كوفي ثقة، متعبد، رجل صالح).
وقال ابن سعد صاحب الطبقات: (كان ثقة نبيلا فاضلا عابدًا ورعًا كثير الحديث).
وذكره ابن حبان في الثقات، ووصفه بالورع الدائم، والخوف الوافر، والبكاء الكثير.
ومن القرائن الدالة على حسن حاله: رواية رهط آخر من الثقات عنه، فقد روى عنه الإمام الشافعي، ويحيي بن سعيد القطان إمام البصرة، وشيخا البخاري ومسلم: يحيي بن يحيي التميمي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وهما من أصحاب مالك الكبار، وشيخ البخاري: أحمد بن عبد الله بن يونس، أحد رؤوس العلم في الكوفة، ومسدد بن مسرهد الذي قال فيه البخاري خلال صحيحه: هو مسدد كاسمه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، ثالث المزني والبويطي في صحبة الشافعي، وإمام خراسان: قتيبة بن سعيد، وهما نم شيوخ البخاري ومسلم.
وحديث الفضيل نفسه تجده في الصحيحين.
ولم يضعفه إلا قطبه بن العلاء، إذ اتهمه بأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان رضي الله عنه، فقال: ابن حجر: (لم يلتفت أحد إلى قطبة في هذا)، وأورد عن الفضيل ما يدل على توفيره لعثمان، عكس ما ادعاه قطبة.
وأما ابن تيمية فقد أكثر من مدحه، فسماه في موضع: (سيد المسمين في وقت) ()
وعده من "المؤمنين"، وسلف الأمة، وأكابر المشايخ().
وأسلفنا أنه عده في المستقيمين من السالكين.
وعده في الفتوى الحموية من الأئمة، وذكر عنه عقيدة صحيحة.
معلم الزهد
وأما بشر بن الحارث الحافي فقد قلده أبو حاتم وسامه، مع تشدده البالغ، فقال (ثقة، مرضى) ().
وقيل لأحمد بن حنبل: مات بشر، فقال: (مات رحمه الله وما له نظير في هذه الأمة إلا عامر بن عبد قيس)، وعامر هذا تابعي ناسك من أقران أويس.
وقال الإمام إبراهيم الحربي: (ما أخرجت بغداد أتم عقلا ولا أحفظ للسانه من بشر).
وقال ابن حبان في الثقات: (أخباره وشمائله في التقشف، وخفي الزهد، والورع، أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها).
وقال الدارقطني: ثقة، زاهد.
وقال الخطيب البغدادي، (كان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد، وتفرد بوفور العقل، وأنواع الفضل، وحسن الطريقة، واستقامة المذهب، وعزوف النفس).
وقال مسلمة بن قاسم الأندلسي: (ثقة فاضل).
كل ذلك في ترجمته في تهذيب التهذيب().
وأخباره في الانتصار للإمام أحمد خلال محنة خلق القرآن مبسوطة في كتاب ابن الجوزي حول مناقب أحمد، ولا أعلم أحدًا ضعفه.
وأما تركه التكسب، واعتماده على ربح أخته من بيعها الصوف المغزول، فليس بعيب، إذ كانوا يرون أنفسهم معلمين للأمة يجب تفرغهم، وكان شعبة بن الحجاج، رأس أهل جيله من المحدثين، متفرغًا للحديث، يعيش على مال أخيه الكادح، ولم يعبه أحد بذلك.
الجنيد من أئمة الهدى
أما الجنيد فلنا فيه توثيق ابن تيمية.
قال: (كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى).
وكررها بعد، فقال: (والجنيد وأمثاله: أئمة هدى) ().
وقال: (كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليمًا وتأديبًا وتقويمًا) ().
ولما بين الفرق بين الإرادة الكونية القدرية، والإرادة الدينية، قال: (وكانت هذه المسألة قد اشتبهت على طائفة من الصوفية، فبينها الجنيد رحمه الله لهم، من اتبع الجنيد فيها كان على السداد، ومن خالفه ضل) ().
وعدة في أخرى ضمن المشايخ الموثوق بهم().
ووصفه أيضًا بأنه شيخ عارف مستقيم().
وأثنى ابن القيم عليه كذلك، في مواضع من المدارج().