ويبدو من تجاربنا، أن الأكثرين ممن نخاطبهم اليوم ينقصهم الوعي السياسي، والمنهج الفقهي، ولم تتوهج فيهم بعد روح الجهاد.
ولكن الجانب الخيري هو الذي مازال يحتل شطرا واسعا في تفكيرهم، وإن نقصت الأموال التي بأيديهم –في الحقيقة- عن مجاراة هذه السعة في التفكير، ولذلك فإنهم بحاجة إلى مزيد خطاب يفهمهم تكامل الدعوة وامتيازها عن أساليب الجمعيات الخيرية.
ولا شك أن مما يساعد على ترجيح هذا التفكير عندهم: تلك القلوب الرقيقة التي يملكونها، المفعمة بالإيمان الفطري، والتي مازال يؤجج تركيز الوعظ على معاني البر ومكارم الأخلاق حماستها للمساهمة في كفالة الأيتام، وبناء المدارس ورفع المساجد.
ووالله ما نطق واعظ بغير الحق، ولا كذبت أحاديث الفضائل، ولا غفلنا عن أثر ذلك في ترويج الدعوة بالتربية الميدانية التي تحطم الحواجز ويعامل الدعاة المربون خلالها عموم الناس مباشرة إذ الناس في جوانب حياتهم منغمسون.
ولكن داعية الإسلام قد رصدته صفته لأهم من مجرد ذلك وأجل، وعليه أن يسد ثغرات ما نرى في الأمة من يسدها إلا هو، ليس أجرها بأقل من أجر أبواب الخير، إن لم يكن أضعافها.
إن إمام الداعية تنفيذ هذا الواجب التجميعي التربوي الثقافي الإعلامي السياسي الجاهدي الخيري، في شموله الواسع وتكامله المترابط.
وهم التميز الثاني، من بعد التميز الأول عن عامة المسلمين بواسطة الجماعية في العمل.
وهو تميز قديم لا نبتدع القول به، أمر به إمام دعاة زمانه أحمد بن حنبل رحمه الله.
وذلك لما سأله تلميذه زهير بن أبي زهير، فقال:
(إن فلانا ربما سعى في الأمور، مثل المصانع، والمساجد، والآبار؟
قال: فقال لي أحمد:
لا، نفسه أولى به.
وكره أن يبذل الرجل نفسه ووجهه)().
فها هنا مسألتان كشف عنهما الإمام أحمد:
الأولى: كشفتها ألفاظ هذه الحروف، وهي أن لا يبذل الداعية وجهه، بالتعرض إلى جمع المال من الأغنياء، ولو لمصلحة عامة، فقد يحبس هذا النشاط لسان الداعية عن قول الحق.. أمرًا أو نهيًا.
والثانية: يكشفها مجمل قصده من حفظ الوجه، وهو التفرغ، بهيبة كافية، لقيادة جمهور المسلمين، ومصاولة الابتداع وأعداء الإسلام، والأمر بالمعروف، ونشر العلم، مما تفصح سيرته هو عن مثل ذلك.
وهذا الإفتاء قريب مما ذكره فقهاء الأحكام السلطانية، حين أوجبوا على الخليفة أن لا يتشاغل عن سياسة الدولة وتدبير الجيوش بالعبادة وأعمال البر الشخصية، كما قال الماوردي، حين جعل من واجبات الخليفة:
(أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح وقد قال الله تعالى: (يَا دَاوُدُ إöنَّا جَعَلْنَاكَ خَلöيفَةً فöي الأَرْضö فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسö بöالْحَقّö وَلاَ تَتَّبöعö الْهَوَى فَيُضöلَّكَ عَن سَبöيلö اللهö إöنَّ الَّذöينَ يَضöلُّونَ عَن سَبöيلö اللهö).
فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال.
وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترع.
قال النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"().
وإنها لرعاية حقا، ومسؤولية صدقا.
معهما يلمس المرء تماما البعد الشاسع بين جهدين:
جهد السعي المجرد في مصالح الناس، مهما أتعب البدن.
وجهد مواكبة الدعوة في شمولها، مواكبة تستهلك البدن، وترهق الفكر، وتمتص رحيق الروح.
ولذلك كانت حالة الشمول سموا، لا يقوى عليها إلا أشداء المؤمنين.