وهو المنكر الأكبر يعنونه في كلامهم.
منكر الحكم بغير الإسلام.
(إن الأمر بالمعروف يجب أن يتجه أولا إلى الأمر بالمعروف الأكبر، وهو تقرير ألوهية الله وحده سبحانه، وتحقيق قيام المجتمع المسلم.
والنهي عن المنكر يجب أن يتجه أولا إلى النهي عن المنكر الأكبر، وهو حكم الطاغوت وتعبيد الناس عن طريق حكمهم بغير شريعة الله. والذين آمنوا بمحمد ِ صلى الله عليه وسلم ِ هاجروا وجاهدا ابتداء لإقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة الله، وإقامة المجتمع المسلم المحكوم بهذه الشريعة، فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر في الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي، ولم ينفقوا قط جهدهم، قبل قيام الدولة المسلمة، والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي لا تنشأ إلا بعد قيام الأصل الأصيل! ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع، فلا يبدأ بالمعروف الفرعي والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر والمنكر الأكبر، كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم)().
لا يعني ذلك أن يمتنع الدعاة عن تعليم أنفسهم وتعليم من معهم آداب الإسلام وأحكام العبادات، ولا النهي عن منكر فرعي يمكن إزالته بهذا النهي، لكنها دعوة واضحة لعدم خداع النفس وتلهيتها بالاكتفاء بالنهي عن المنكرات الصغيرة والعزوف عن منكر الحكم بغير الإسلام، والقناعة برتبة الوعظ في مباحث إزالة النجاسة وسجود السهو دون الجهر بالحق، والإشارة إلى الطاغوت، وتجميع المسلمين، وتربيتهم، وتنسيق جهودهم وتوجيهها للنهضة الشاملة.
لقد أرسل الله تعالى نبيه ِ صلى الله عليه وسلم ِ ليحرر الناس (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)، وإنها أغلال أي أغلال، ثم أعاد اليهود هذه الإنسانية إلى عذابها وأغلالها مرة أخرى بهذه الأحزاب التي زرعوها في كل مكان. ولا بد أن تقوم نهضة إسلامية لتضع هذا الأغلال عن المغلولين، وترفع هذا الحرج والضيق الذي يرهق أبناء المسلمين.
(إنه الأمر الهائل العظيم، أمر رقاب الناس. أمر حياتهم ومماتهم. أمر سعادتهم وشقائهم. أمر ثوابهم وعقابهم. أمر هذه البشرية، التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة، وإما إلا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها، وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ.
فأما رسل الله عليهم الصلاة والسلام فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة، ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل، وهم لم يبلغوها دعوة باللسان، ولكن بلغوها –مع هذا- قدوة ممثلة في العمل، وجهادًا مضنيا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق، سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوة طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم، كما صنع رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ خاتم النبيين.
وبقي الواجب الثقيل على من بعده، على المؤمنين برسالته، فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجئ بعده ِ صلى الله عليه وسلم ِ وتبليغ هذه الأجيال منوط بعده بأتباعه، ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة –تبعة إقامة حجة الله على الناس، وتبعة استنفاذ الناس من عذاب الآخرة، وشقوة الدنيا- إلا بالتبليغ والأداء، على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ وأدى. فالرسالة هي الرسالة، والناس هم الناس، وهناك ضلالات، وأهواء وشبهات، وشهوات، وهناك قوى عاتية طاغية تقوى دون الناس، ودون الدعوة، وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل، وبالقوة.
الموقف هو الموقف، والعقبات هي العقبات، والناس هم الناس، ولا بد من بلاغ، ولا بد من أداء. بلاغ بالبيان، وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية واقعة مما يبلغون.
إنه الأمر المفروض الذي لا حيلة في النكوص عن حمله، وإلا فهي التبعة الثقيلة، تبعة ضلالة البشرية كلها، وشقوتها في هذه الدنيا، وعدم قيام حجة الله عليها في الآخرة، وحمل التبعة في هذا كله، وعدم النجاة نم النار.
فمن ذا الذي يستهين بهذه التبعية؟ وهي تبعة تقصم الظهر وترعد الفرائض وتهز المفاصل؟)().