شتان ما بين سلوك العقيدي وسلوك الفائر.
العقيدي له موازين محددة، يزن ويقيس ويمحص ويستنتج قبل أن يخطو.
والفائر يغضب ويندفع،ويسرع ويستعجل، فيتورط.
ولهذه الصفات الفردية أصداء وانعكاسات في المجموع، فالمجموع يندف اندفاعات عفوية بإلحاح من أعضائه، فتتبد القوى، ويكون الفشل.
إنه الاندفاع العفوي الذي يسير فيه المجموع بلا خطة، أو خطة لا تلائم الواقع وبلا هدف، أو بهدف غير مركز ولا واضح، وتتحمل الأماني والمثاليات والأحلام لجعله هدفا.
وهذا وصف مرعب في الحركات، يرغمها على التفتيش عن حلول تقي مصارع العفوية.
صعود الثقات رأس الوقاية
وأول الحلول يتمثل في تواصي قادة الحركة وجنودها بسمت من التشدد في تسليم مراكز التوجيه داخل الحركة، وتأمين صعود الثقات إليها، من أصحاب الإيمان والعلم والعمل.
كذلك فإن صعود الثقات إلى مراكز التوجيه هو الذي سيؤمن وضوح الأهداف البعيدة في أذهان المخلصين الفائرين من جنود الدعوة الجدد الذين لم تعركهم التجارب، وهو الذي سيؤمن تفسير السياسات المرحلية لهم وإيضاح مسوغاتها، وفي كل هذا مساهمة أكيدة في التأمين ضد الإندفاع المستعجل، وضد الاندفاع غير الهادف.
والداعية حين ينظر الحالة الراهنة للحركات الإسلامية المنبثة في العالم الإسلامي، وحين يرجع إلى تاريخها، تتجلى أمامه عظم رعاية الله سبحانه لها في اختيار قادتها، فيس فيهم إلا إمام له قدم راسخة في العلم والصدق والإخلاص، لكن قد تجد لهم نوع تساهل في اختيار الأعوان دفعوا ثمنا غاليا في انشقاقات وفتن، أو في مواقف لينة، وكأن ذلك من تمام العناية الربانية أيضًا، فإنهم من خلال التساهل تعلموا التشدد، ومن معاناة التعامل مع الضعفاء تعلموا الحرص على الانتقاء، وليس مثل العلم التجريبي مصدر وعي.
تجارب أبدلتني غير ما خلقي
وتوسع المرء إبدالا تجاربه()
ومنه نوع ما هو بتساهل، ولكنه ضرب من المجازفة في الاعتماد على السذج الذين ينقصهم أسلوب العصر ويعوزهم الوعي السياسي، حتى لكأن الدعوة تئن من كثرة أخطائهم، وتنادي:
* تطاول همي، فابغني ذا نباهة()*
وإنه لهم طويل، يعرفه ويميزه المنغمس في العمل اليومي الحركي، فإن تعقد المجتمع الحاضر، وتعدد الأحزاب ونشاطها، والتخطيط اليهودي والماسوني داخل أقطار العالم الإسلامي، كل ذلك يتطلب نوعا من الدعاة المسلمين يزيدون على إيمانهم وإخلاصهم وعلمهم الشرعي نوعا من الوعي السياسي، والخبرة بالأساليب التنظيمية، والمهارة في التخطيط المتزن الملائم للواقع الذي نعيشه والمناسب للقوة التي نملكها، وهؤلاء هم وحدهم أصحاب النباهة الذين يبددون هموم الدعوة.