وتضيق الأرض بمتحمسة الدعاة حين نلح في بيان اتزان التوسع في وقت طال فيه المسير، ويرون أن هناك ثمة فشلا يصيب الدعوة إن تخلت عن سباق العدد.
ولا ننكر أن أخطاء الماضي قد حرمت الدعوة في أماكن متعددة من العالم الإسلامي من فرص توسع وانبثات مأمون في محيط مستعد لتقبل الكلمة، وأن أحزاب الضلال قد استغلت برود دعاة الإسلام فتقدمت بمراحل عليهم، ولكن الخطأ لا يستدرك بمثله، وتقييم فشل الدعوة ونجاحها في حقبة معينة لا يعتمد على إحصاء من استطاعت نقلهم من آلاف من الشباب وعصمتم من الفجور والزيع وإن لم يدخلوا صفوفها، لأسباب مختلفة، وهذا في ميزان الإسلام عظيم.
وطالما كانت الدعوة كالواحة في وسط الصحراء الموحشة المقفرة حين تأوي إليها جموع المسافرين فينعمون بظلها، ومائها ويأنسون بأهلها، وكثير عدد أولئك الشباب الذين احتضنتهم الدعوة في مراهقتهم، واجتازت بهم فترة الشباب بسلام، ورفلوا في ظلها، وأنسوا بأهلها، وإن أقعدهم الترغيب والترهيب عن مواصلة السير معها.
وكم نقلت الدعوة شاكًا إلى اليقين، ومؤمنا جاهلا إلى العلم، وهذا في الميزان الشرعي عظيم.
وكم أوضحت الدعوة من شك، وردت من تهمة، وأشادت بمناقب مظلوم، وكل ذلك في الميزان عظيم.
وإذن، فإننا يجب أن لا بالمنظار القاتم الذي يولد اليأس في نفوس العاملين، فإن الدعوة لم تفشل، وينتظر من عمل فيها أجر مدخر كبير إن شاء الله مثلما ينتظرهم جني ثمار كثيرة زرعوا بذورها بالأمس.
إن أناسًا كثيرين، بتأثير عمل الدعاة الماضي والحاضر، تحتدم في نفوسهم معاني الإيمان والجاهلية، هم الآن في صراع نفسي داخلي عنيف غير منظور، أيؤمنون ويقرون بما يقول دعاة الإسلام أم يبقون على ما هم عليه؟. وهؤلاء مصيرهم إلى الإيمان حتما حين يتضح الحق أمامهم اتضاحا كافيا، في حادثة تهزهم هزا، وتخضهم خضا، فيتمحضون، وينخرق حجاب الران عن القلب، فيصل إليه النور، تماما كالإسلام المفاجئ المأثور عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، كعمر حين دنا من الصفا، فسمع أخته تتلو القرآن، فصفا، أو حمزة حين رجع من الصيد، فسمع كلام المؤامرة على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فآمن وكسر القيد.
هل يقال إن كل أسباب إيمانهم جاءتهم في لحظة واحدة؟
كلا، فإن معاني الإيمان كانت تحتدم في نفوسهم، وكان هناك صراع نفقسي ظل يتنامي حتى فاض سيل الخير في تلك اللحظة.
ولئن حرصنا اليوم على عمق التربية، والاقتصار على الصفوة، واتزان التوسع، فللوفاء بحاجة جحافل أهل الاحتدام هؤلاء يكون هذا الحرص، وإنهم لفي سير إلينا، وعما قريب يكون الوصول، والحادثة الهازة الخاضة خبيئة عند الله، يرحم الله بها الصابرين، ومن لا يؤمن بمثلها فهو بحاجة إلى نظر في السيرة والتاريخ جديد...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.