مامن سنةٍ ولا فريضة تترك إلا ويترتب على تركها عقوبة فطرية، ومامن محرم يرتكب إلا وتترتب عليه عقوبة فطرية، فترك سنة السواك عقوبته تلف الأسنان، وعقوبة عدم الاعتدال في الطعام والشراب تلف الأجسام، وهكذا في كل مخالفة لدين الفطرة توجد عقوبة فطرية. والمسلم مكلف بالنسبة للطعام والشراب:
أولاً: بعدم الإسراف: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}.
ثانياً: بألا يأكل أو يشرب ما يضره وبالأخص المحرم.
ثالثاً: بأن يأكل ويشرب باعتدال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبته نفسه فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه".
رابعاً: ألا تظهر فيه السمنة، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلاً في معرض الإنكار فقال: "ويظهر في السّمن" فالمسلم مكلف في نفسه وفي أهل بيته أن يراعي هذه الأمور، وهذا يقتضي مراعاةً لما يدخل للبيت من طعام أو شرابٍ ويقتضي تنظيمها للأكل والشرب، ولنوعية الطعام والشراب، وتنظيماً لوجبات الطعام وكميتها. فالسمنة أثر عن أخذ الجسم طعاماً فيه حُريرات كثيرة.
ومن هاهنا فلابد أن يراعي في نوعية الطعام وكميته ألا تكون أكثر من حاجة الجسم، والعبرة للمحصلة النهائية لمقدار الحُرايرات. والاكتفاء بإقامة الصلب تقتضي أن يكون الطعام والشراب فيهما ماتمس حاجة الجسم إليه من أنواع البروتينات والفيتامينات وهذا يقتضي تخير نوع الطعام. ولابد أن يلاحظ في الطعام والشراب الأثمان المعقولة والمقدار المعتدل، وأن يكون طيب المنبت طيب المطعم فلا ضرر ديني ولا دنيوي. وهكذا فإن تنظيم الطعام والشراب يدخل في باب السياسات اليومية المهمة، ولابد من رعاية أهل البيت صغاراً وكباراً في هذا الموضوع المهم. ومما تجدر ملاحظته أن يبعد البيت وأهله عن الدخان فضلاً عن غيره من المأكولات أو المشروبات المحرمة، وأن تعالج قضية النهم، وأن يعوّد أهل البيت على مجاهدة النفس في الطعام والشراب بحيث لا يكون هناك إفراط ولا تفريط، ومع تنظيم الطعام والشراب في البيت لابد أن تنظم الرياضة، فهي المكملة لدور الطعام والشراب وهي التي يمكن أن تزيل الآثار الضارة للطعام والشراب. والرياضة طريق من طرق الوصول إلى القوة التي ندب إليها المسلم. ففي الحديث الصحيح: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف". وعلى هذا فينبغي أن تدخل الرياضة في البرنامج اليومي لأهل البيت، بحيث لا يمر يوم على أهل البيت إلا وللقادر فيه رياضته اليومية، وأبسط أنواع الرياضة رياضة المشي، وينبغي أن يُخص الأطفال بمزيد عناية في الرياضة، فقد جاء في الأثر "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل ومروهم أن يثبوا على الخيل وثباً". فالرشاقة وأنواع الرياضات التي توصل إلى القوة، كل ذلك مطلوب ويجب أن يربى أهل البيت عليه. إنه كما ينظم أهل البيت أورادهم في الذكر وتلاوة القرآن ينبغي أن ينظموا أوقات الرياضة، وينبغي على رب الأسرة أن يوجه أولاده نحو اكتساب المهارات في أنواع من الرياضة خاصة الرياضات التي تجعل الجسم رشيقاً وقوياً، وأن يختار لأولاده النوادي الأمينة على أجسادهم وأخلاقهم.
وقد جرت عادة بعض الناس أن يبدأوا يومهم بالصلاة وبالأوراد وتلاوة القرآن وبالمشي الطويل وتلك عادة حسنة أن يبدأ الإنسان يومه بما يفيد الروح والقلب والجسد. وكما يجب على المسلم أن يراعي عدم الإسراف في الطعام والشراب فإنه ينبغي أن يراعي ذلك في لباسه وفي كل معيشته، فتكديس اللباس والحاجيات غير الضرورية مَضيعةñ للمال، مَفسدة للنفس، فاللباس بقدر الحاجة، والأثاث بقدر الحاجة، وكل حاجة تشترى للبيت ينبغي أن يفكر فيها ما إذا كانت ضرورية أو لا. فكل ما يستغنى عنه ينبغي ألا يدخل البيت فالاقتصاد نصف المعيشة، ولا شك أن الاقتصاد شيء والشح شيء آخر. فالمسلم منهي عن البخل والشح، ولاشك أن ضرورات عصر تختلف عن ضرورات عصر آخر وضرورات بيت تختلف عن ضرورات آخر. والعبرة ألا يشتري شيء إلا وهو ضروري للاستعمال. وكما يلاحظ ما يدخل إلى البيت، فإنه يلاحظ الاستعمال داخل البيت، فلا يستعمل شيء إلا بقدر وبالضرورة، فلا تضاء الأنوار إلا لحاجة، ولا يسرف في استعمال الماء، ولا يُلقى الطعام إلا لحيوان. وينبغي أن يعتاد أهل البيت جميعاً أن يحاسب بعضهم بعضاً على كل ما هو إسراف ولكن بأدب ولطف.
وكما يلاحظ أهل البيت ما يستعملونه في البيت وما يدخلونه إليه، فإنهم يحافظون على مبدأ الاقتصاد خارج البيت وخاصةً ما له علاقة بشراء السيارات واستعمالاتها. ومما نلفت إليه النظر خاصةً ألا يتورط الإنسان بالدخان أو المسكر أو القمار إلى غير ذلك مما لا ينبغي للمسلم أن يقاربه. ومن جوانب الاقتصاد المهمة تعامل الإنسان مع أغراض البيت عامةً والقابلة للكسر خاصةً، فالتعامل الحسن مع الثياب والستائر يطيل أمد استعمالها وفي ذلك اقتصاد، وتجنب إسراف، والتعامل اللطيف مع أدوات المطبخ يطيل حياتها، والتعامل اللطيف مع الأواني الزجاجية يجنب الإنسان إسرافاً، وقد جرت عادة الكثيرين أن يتساهلوا فيضعوا الأواني الزجاجية بين يدي الأطفال فيكسرونها وهم يضحكون ويضحك الأهل، وذلك سوء أدب من الولد ومن الأهل، صحيح أننا لا نعاقب الطفل إذا كسر معه شيء بشكل اضطراري ولكنا نعاقبه لنجنبه تكرار مثل ذلك.