الصلاة ذكر قال تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} بل هي أرقى أنواع الذكر لأنها ذكر يرافقه تذكر ضمن هيئة تمثل أعلى درجات الخضوع لله تعالى، فهي الركن الأصيل لكل أنواع الذكر في الإسلام. وإقامة المطلوبات، وترك المنهيات ذكر ضمني لله تعالى، ومحلها في دين الله تحددها درجة الطلب. والقرآن ذكر قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر}. والدعوات ذكر وزيادة، وهناك أذكار المناسبات وهناك أذكار الصباح والمساء ودعواتهما، وهناك الأذكار المطلقة، وإقامة الذكر الذي هو حياة القلوب يدخل فيه ذلك كله. ومن هاهنا كان الكلام عن الذكر يدخل فيه كل ما يمكن أن يسمى غذاء العبودية، ولكن ذكرنا معه ثلاثة مغذيات أخرى لأهميتها. والذاكر على الحقيقة هو من أقام الصلاة فرائضها ونوافلها، وكان له حظه من أوراد الصلوات وتلاوة القرآن، وأذكار الصباح والمساء ودعواتهما، وكان له حظه من الأذكار المطلقة في كل وقت وحين، وأقام أوامر الله وترك نواهيه، فذلك هو الذاكر على الحقيقة. والتدرج للوصول إلى هذا المقام الأرقى سبيل هذا الدين، قال عليه الصلاة والسلام: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق". أخرجه الإمام أحمد وهو حديث حسن. ومن ههاهنا دأب أهل التربية أن يؤكدوا على إقامة الصلاة وعلى أوراد الصباح والمساء، وعلى إقامة الفرائض وترك المحرمات، وعلى الاعتياد على أذكار المناسبات، وعلى الاشتغال بالأذكار المطلقة، ليكون بعد ذلك انتقال من كمال إلى كمال في القلب والسلوك، ليكون الإنسان أكثر ذكراً وأكثر عبودية.
إن غذاء التوحيد وريّه هو ذكر الله عز وجل، انظر إلى الأذكار التي ندبنا إليها بشكل مطلق وانظر إلى آثارها في تعميق التوحيد، فكثرة تكرارنا لِ "لا إله إلا الله" تجديد للتوحيد وللإيمان في القلوب، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام "جددو إيمانكم" قيل وكيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله" وانظر إلى قولنا: سبحان الله فإنه تعريف على الله وتوحيد له، فسبحان الله تنزيه لله عما لا يليق بجلاله وعن أن يكون له شريك، وتنزيه له عن الظلم والهوى وغير ذلك من مظاهر النقص وفي ذلك كله غذاء للتوحيد ورياً له، وانظر إلى قولنا: الحمد لله فهي اعتراف بأن الله وراء كل نعمة حسية ومعنوية وشرعية وشكر لله على هذه النعمة فهي غذاء للتوحيد وريّ له، وانظر إلى قولنا: الله أكبر فهي تعظيم لله أن يكون أعظم منه، في التشريع وفي غيره وذلك تخليص للقلب من أن يكون هناك أعظم من الله عنده فلا شخص ولا شعب ولا بشر ولا خلق أعظم في قلب المؤمن وذلك غذاءñ للتوحيد وريّ له، وانظر إلى قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله فلا حول عن معصية الله إلا بالله ولا قوة على طاعته إلا به، بل لا حول مطلقاً ولا قوة إلا بالله فذلك معرفة الله وتوحيد له فهي تغذية للتوحيد وريّñ له. وانظر إلى قولنا: استغفر الله، فذلك يفيد أن الله قد كلفنا وأننا قصرنا ولذلك نطلب غفرانه فذلك تغذية للتوحيد وتعميق له، وانظر إلى قولنا: اللهم صلي على محمد وآله وسلم: فذلك اعتراف منا بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا وعلى الناس واعتراف بأن ما أكرمنا الله به بواسطة رسوله أجل من أن يجازيه عليه إلا الله، فكل ذكر من هذه الأذكار المطلقة يغذي الإيمان ويسقي التوحيد ومن هاهنا فإننا نطالب أحبابنا بأن يقبلوا على ما ندبهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإكثار من ذكر الله تعالى بهذه الأذكار، وليبدأ المسلم والمسلمة بالإكثار من هذه الأذكار على أي شاكلة فسواء ذكر كلاً منها على انفراد أو ذكر بعضها مجتمعة وبعضها على انفراد أو جمعها كلها كأن يقول "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل أستغفر الله، اللهم صلي على سيدنا محمد وآله وسلم" فإنه سيجد بركة ذلك، وقد جرت عادتنا أن نوصي أحبابنا بأن يبدءوا سيرهم من الغفلة بأن يذكروا الله بهذه الأذكار حوالي سبعة آلاف مرة فإنهم سيجدون بركة ذلك إن شاء الله ونوصيهم أن يكرروا ذلك مرات في حياتهم، فأن يلزم الإنسان نفسه بعدد معين من الأذكار فذلك لا حرج فيه على ألا يعتبره سنة وإنما هو تحديد مباح لمطلق مندوب إليه بقدر الطاقة، واجتهاد في تحقيق الإكثار من الذكر بما يترك أثره في القلب دلت عليه التجربة، وانظر إلى الصلاة التي هي ذكر وزيادة فإنك تجدها تغذية للتوحيد ورياً له. سواء في ذلك أذكارها أو تلاوتها أو الأذكار المأثورة بعدها ومن ثم فإننا نوصي أحبابنا أن يلازموا صلاة الجماعة وأن يكثروا من النوافل فذلك هو أساس تغذية التوحيد وإروائه. وانظر إلى تلاوة القرآن فإنها ذكر وهي تعمق التوحيد وتغذية ألا ترى إلى قوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} وإلى قوله تعالى: {والقرآن ذي الذكر} وإلى قوله تعالى: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب} ولذلك فإننا نوصي أحبابنا بتلاوة القرآن والإكثار من تلاوته وحفظه وأن يلزموا أنفسهم بجد أدنى من التلاوة يومياً لا يتركونه وإذا قصروا فيه قضوا ذلك.
والحقيقة أن كل عبادات الإسلام ذكر إن لم يكن بشكل مباشر، فبشكل غير مباشر وأن كل تكاليف الإسلام ذكر بشكل مباشر وغير مباشر وخاصة إذا رافق القيام بالتكليف نية وإخلاص، لذلك نوصي أحبابنا بأن تكون لهم نية صالحة في تحقيق الأمر أو ترك النهي بل نوصيهم أن تكون لهم نيات متعددة في العمل الواحد فذلك يغذي التوحيد ويسقيه.
أذكار الصباح والمساء وأذكار المناسبات:
كثرت النصوص التي تندب إلى أذكار الصباح أو أذكار المساء، أو أذكار الصباح والمساء وقد وردت نصوص تندب إلى الذكر بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر وبعد صلاة المغرب. فالنصوص في هذا كثيرة ولذلك فإن العلماء استحبوا أن يكون للإنسان ورد في الصباح وورد في المساء واستحبوا أن يكون ورد الصباح بعد صلاة الفجر لقوله عليه الصلاة والسلام: "من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له كأجر حجّة وعمرة تامة تامة تامة"، واستحبوا أن يكون ورد المساء ما بين صلاة المغرب وصلاة العشاء لأن بعضهم فسر قوله تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً} بأن المراد بالناشئة ما بين صلاة المغرب والعشاء وكل ذكر يختاره الإنسان لورد الصباح أو المساء طيب والمأثور في ذلك أطيب، وقد جمع الأستاذ البنا بعض ما ورد في أذكار الصباح والمساء في وظيفته التي أمر بها إخوانه فهي خير ما يحافظ عليه المسلم في صباحه ومساءه وقد كان شيوخنا يأمروننا بأن يكون وردنا في الصباح وفي المساء: استغفار مئة مرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مئة مرة والتهليل مئة مرة وسورة الإخلاص ثلاث مرات. وكانوا يعتبرون أو ورد الصباح يساعد على قضاء النهار بالذكر وورد المساء يساعد على قضاء الليل بالذكر ومن فاته ورد الصباح قضاه بالليل ومن فاته ورد الليل قضاه بالنهار قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً} وإنما اختار بعض المشايخ الاستغفار والصلاة على النبي والتهليل كأساس في الذكر لأن الحاجة إليها كثيرة فالمؤمن لا يخلو من ذنب وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى تأكيد والإيمان يحتاج إلى تجديد وتجديده بِ "لا إله إلا الله".
ومع أوراد الصباح والمساء فهناك أذكار المناسبات والأذكار المتعلقة بحال أو وقت أو مناسبة وقد جمع النووي في كتابه الأذكار أهم ما ورد في ذلك ولفت الأستاذ البنا في رسالة المأثورات النظر إلى أهم أذكار المناسبات مما لا يستغني عنه المسلم أو المسلمة، فإذا ما أقام المسلم أذكار المناسبات وأقام الصلاة وكان له ورد في الصباح وفي المساء وكان له شغل بالأوراد المطلقة أو بواحد منها وكان له حظ في تلاوة القرآن حفظاً أو قراءة فإنه إن شاء الله على الطريق الأقوم والله تعالى قال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} وقال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} تأمل قوله تعالى: {وذكر الله كثيراً} لتعلم أن طريق الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذكر الكثير.
ذكر الله باسمه المفرد هو الغذاء المركز للقلب:
إن ذكر الله تعالى بأي صيغة هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى طمأنينة القلب قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فبدء الآية بِ {ألا} وتقدم الجار والمجرور على الفعل كل ذلك يفيد أنه لا طمأنينة قلب بالإيمان واليقين إلا بالذكر فإذا ما علمنا أن طمأنينة القلب هي الطريق لرضوان الله قال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} إذا ما علمنا أن طمأنينة القلب هي الطريق لرضوان الله وأنه لا طمأنينة إلا بذكر أدركنا محل الذكر وقيمته في دين الله تعالى وكل ذكر له آثاره في القلب، وتأثير الأذكار في القلب يختلف باختلاف نوع الذكر وإن كان كل الأذكار لها آثارها المباركة وأعظم الأذكار تأثيراً في القلب هو ذكر الاسم المفرد "الله" فلعظم تأثيره لا يأمر به بعض الشيوخ إلا في مرحلة متقدمة من الذكر ويشترطون أن يكون الذكر به بإشراف شيخ عارف بالله عارف بتأثيرات الأذكار على القلوب وإنما اعتمد الأشياخ هذا النوع من الذكر لكثرة الغفلة ولموت القلوب ولأنه ثبت من خلال التجربة أن هذا الذكر له تأثيره على القلب وعلى المعرفة الذوقية بالله أكثر من أي ذكر آخر، ونحن نرى أن الحجة قائمة على من عارض في جواز ذكر الله باسمه المفرد قال تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} وقال تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}.
ومع أننا نرى إيجابيات ذكر الله باسمه المفرد إلا أننا لا نشترطه، فإذا ما اطمأن قلب الإنسان إلى ذكر مأثور وشعر بفائدة ذلك فليلازم ذلك الذكر على أنه من خلال التجربة تبين أنه ينوب مناب ذكر الاسم المفرد على الكمال والتمام إلا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك فإن بعض أشياخنا كانوا يعتبرون الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تنوب مناب المرشد الكامل ولذلك كانوا يوصون تلاميذتهم أن يكون لهم ورد يومياً بما لا يقل عن ألف مرة في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو بأقل صيغة كأن يقول الذاكر "اللهم صلّي على محمد وآله وسلم".
تلقين الذكر وأخذ العهد
لقد أخذ الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن كله تلقيناً وكذلك السنة القولية ومنها الأذكار والدعوات، ولا زالت الأمة بفضل الله تأخذ كثيراً من النصوص والعلوم تلقيناً فسنة الذكر التلقيني متوارثة في الأمة بشكل "ما" ولذلك آثاره المباركة إلا أن مشايخ التربية استحبوا أن يلقن الذكر إنسان ذو قلب ذاكر يقظ ومن ههنا وجد تلقين الذكر في كثير من الدوائر. فالتلقين له آثاره وخصوصياته وقد دلت على أن ملقن الذكر كلما كان أقوى حالاً وصلاحاً واستقامة كان لتلقينه أثر أكبر في قلب الآخرين، وقد خص بعضهم الاستغفار والتهليل بالتلقين لحاجة كل إنسان إلى استغفار وتجديد إيمان وقد ورد في بعض النصوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقن الإمام علياً كلمة التوحيد. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ العهد على أصحابه إذا دخلوا في الإسلام ويأخذ العهد على بعضهم لبعض الأعمال ومن ههنا توارثت الأمة فكرة البيعة، ووجد نوعان من البيعة. بيعة لذوي السلطان على الطاعة وبيعة للشيوخ على التقوى، وقد خلط كثيرñ من الناس ما بين البيعة التي تعطى لشيخ وبين البيعة التي تعطى لسطان ومن ههنا نرى أن يفرق بين بيعة السلطان وبيعة الشيوخ بأن تسمى بيعة الشيوخ عهداً وهذا العهد له حكم اليمين إن جرى بصيغة لها حكم اليمين وليس له حكم إن جرى بصيغة ليس لها حكم اليمين ومن ههنا قال الفقهاء: رجل أعطى العهد لشيخ ثم أعطاه لآخر أي العهدين يلزمه؟ قالوا: لا هذا ولا ذاك ولا أصل لذلك. وقد جرت العادة أن يطلب مريدو الله. العهد من شيخ فيعطيهم إياه ويلقنهم الشيخ الذكر فإذا ما تحركت همة المريد نحو طلب رضوان الله فذاك وإلا فتش عن شيخ آخر، وقد جرت عادة الشيوخ أن يقرأوا قوله تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} ولأنه ليس لتلاوة هذه الآية أصل في السنة في موضوع البيعة ولأن تلاوتها في هذا المقام تثير اشتباهاً فإننا نرى أن تستبدل بآية تذكر بالعهد مع الله تعالى كقوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}.
ونحن نرى أن أخذ العهد من الدعاة الكمّل فيه بركة للآخذ والمعطي، فهو بالنسبة للآخذ تجديد همة ورابطة روحية وخطوة نحو الالتزام وهو بالنسبة للمعطي تبعة عليه تجاه الآخرين تجعله يقوم بحقوقهم ويتعاهدهم بالخدمة والرعاية، والصيغة المثلى للعهد والتلقين أن يضع المعطي يده بيد الآخر إن كان رجلاً ويكتفي بالتلقين بالنسبة للمرأة فيقرأ الآية المشار إليها ثم يقول أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات ويكررها الآخر كل مرة وينبغي أن يكون المعطي على تمام المراقبة والخضوع والخشية والندم وأن يكون الآخذ على مثل ذلك ثم يقول المعطي "لا إله إلا الله" ثلاث مرات ويكررها الآخذ كل مرة فينبغي أن يستحضر المعطي في قلبه معنى "لا إله إلا الله" وكذلك الآخذ ثم يقول المعطي أوصيك بتقوى الله وملازمة الذكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً وأن تداوم كل يوم على ورد هو أستغفر الله (مئة مرة)، واللهم صلي على سيدنا محمد وآله وسلم (مئة مرة)، وأن تقول لا إله إلا الله (مئة مرة)، وأن تقرأ سورة الإخلاص (ثلاث مرات) وأن تتلو شيئاً من القرآن ولو قلَّ كلَّ يوم وأن تخصص وقتاً للمطالعة في المنهاج المقرر والله يتولانا بحفظه. ويقول الآخذ قبلت وصيتك وسأعمل بها إن شاء الله تعالى. وهكذا يبدأ سير علمي وروحي إلى الله تعالى، ولكون السير العلمي مكملاً للسير الروحي في تغذية التوحيد فها نحن نعقد فصلاً لذلك تحت عنوان دراسة المنهج والتربية عليه.
***