إنه في سياق سورة الأنفال التي جاءت تفصيلاً لفريضة القتال جاء قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}. ولا شك أن كل طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيها حياة. ولكن السياق يفيد أن الاستجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الجهاد حياة ومن ههنا اعتبرنا أن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم غذاءً وماءً للقلب يساعدان على بقائه حياً، ويُبقيان المكلف قائماً بحقوق العبودية، وإنما جعلنا عنوان هذا النوع من الغذاء هو النصرة لتعم أنواع الجهاد من أمر بمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الخير، وعلم بالإسلام وتربية عليه، ودفاع عنه وقتال إذ اقتضى الأمر لذلك. إن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فريضة شرعية وهي إذا تحقق الإخلاص فيها غذاء للقلب المؤمن وتقوية له لأن المؤمن إذا ترك نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قسى قلبه بينما إذا نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة لدينه أو بتعليم القرآن والسنة أو بتعليم الثقافة الإسلامية أو بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر والدعوة إلى الخير أو بالجهاد والنصيحة أو بغير ذلك من وسائل النصرة زاد ذلك من إيمانه وكان دليلاً على قوة توحيده. فالنصرة مغذٍ للتوحيد ومقوٍ له وهي علامة على وجوده وكماله.
إن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرةً وأصيلاً} فالتعزير هنا معناه التأييد والنصرة فالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته وتوقيره واجبات على كل مكلف. ومن شرائع الله الدائمة نصرة الرسل عليهم الصلاة والسلام وإن مما يقسّي القلب أن لا يقوم الإنسان بنصرة رسل الله عليهم الصلاة والسلام لقد قال تعالى في سياق الكلام عن بني إسرائيل: {وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل. فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به}.
ومن ههنا كانت نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم ومسلمة وهذه النصرة تظهر بأشكال شتى فقد تظهر بعمل ثقافي فكري تربوي وقد تظهر بعمل دعوي تذكيري أو تبليغي وقد تظهر بخدمة اجتماعية بنية إسلامية ومقاصد إسلامية وقد تظهر بحركة تطالب بتطبيق أحكام الإسلام وقد تظهر بجمعية أو جماعة أو عمل مشيخي فقهي أو صوفي... أو غير ذلك ومن تأمل واقع الأمة الإسلامية رأى مسارعة عند كثير من المسلمين نحو العمل على كل محور تظهر فيه النصرة ومن ههنا نجد عملاً إسلامياً بسيطاً وعملاً إسلامياً مركباً. والعمل الإسلامي البسيط يظهر في صور شتى فهو يظهر بدعوة شيخ صوفي وبدعوة شيخ فقيه أو بدعوة داعية أو بدعوة إلى عمل إسلامي محدد كالأعمال الخيرية، وقد يظهر بصورة عمل مأذون به عرفاً أو بصورة عمل مسموح به قانوناً أو بصورة عمل منبثقة عن مؤسسات حكومية، والعمل الإسلامي المركب قد يظهر بشكل حزب سياسي محلي أو عالمي وقد يظهر بعمل جماعي محلي أو عالمي وكنموذج على العمل الإسلامي المركب دعوة حسن البنا الذي طرح أهدافاً كبيرة يقف في قمتها أستاذية الإسلام على العالم فاقتضت هذه الأهداف اجتهادات كثيرة متعددة على مستوى الأنظمة فاقتضى ذلك أنظمة محلية وعالمية ونظريات محلية واقتضى أنواعاً من الظهور والخفاء، ولو تأملت الساحة الإسلامية لوجدت من النادر أن يكون هناك شيء من أنواع النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفطن له العاملون فتجد في القطر الواحد أنواعاً من العمل الإسلامي البسيط وأنواعاً من العمل الإسلامي المركب وأنواعاً من العمل الإسلامي الحكومي وأنواعاً من العمل الإسلامي الشعبي، غير أن الساحة الإسلامية لازالت بحاجة إلى معرفة موازين الكمال في الدعوة إلى الله وفي الداعية إلى الله ولا زالت بحاجة إلى تحديد الساحة التي ينبغي أن يعمل بها الداعية إلى الله محلياً وعالمياً وإلى الأسلوب الذي يعمل به الداعية الكامل إلى الله تعالى ملاحظاً الظروف التي تحيط به ومبدئياً فإننا نحدد الساحة التي يشتغل فيها الداعية الكامل بأنها.
1- العمل لإبقاء الموجود النافع واستمراريته.
2- المحافظة على المواقع المتقدمة للعمل الإسلامي وتطويرها.
3- إيجاد المؤسسات الضرورية التي يحتاجها العمل الإسلامي محلياً أو عالمياً.
وهذا يقتضي من خدام الدعوة إلى الله أن يفكروا على مستوى الأقطار وعلى مستوى العالم كله في هذه المعاني التي ذكرناها وتوزع الأدوار بما يغطي هذه الساحات كلها، ولابد مع توزع الأدوار أن ينطلق الدعاة على ضوء نظرية محددة في العمل السياسي والجهادي، إنه قد حدث انطباع أنه حيث وجدت الحركة الإسلامية المعاصرة فثم التمرد ثم الثورة ولقد لعب على هذا المعنى أعداء الإسلام فأدخلوه في رَوْع كثير الحكام من وساعد على ذلك عدم الوضوح عند دعاة الإسلام، نحن نرى أن أقطار العالم الإسلامي على أنواع فقطر ينبغي أن يكون عمل تركيزنا السياسي والجهادي لإقامة دولة الإسلام، وقطر ينبغي أن تكون حركتنا الدعوية مقتصرة على النصيحة السرية أو النصيحة الجهرية ضمن حدود عدم الصدام، وقطر يسمح لنا بالحركة السياسية في ظل القانون والدستور فهذا مما ينبغي المحافظة عليه، وعلى هذا فلا بد أن يكون توزع الأدوار مرتبطاً بنظرية الحركة السياسية أو العسكرية أو الدعوية فنحن فيما عدا أقطار الصراع وهي محدودة ينبغي أن يكون عملنا الدعوي في الإطار الذي لا نخرق فيه قانوناً أو في الإطار المسموح به قانوناً وإذا استطعنا أن نحصل رخصة قانونية فلا حرج علينا في ذلك وهذا لا يتناقض مع دعوتنا إلى حمل الإسلام كله، فالدعاة إلى الله شركاء فإذا كان دور بعضهم أن يجاهدوا سياسياً وعسكرياً في أقطارهم ودور الآخرين أن ينصروهم وأن يجاهدوا دعوياً في أقطارهم فحمل الإسلام كله قد حصل لأن المصلحة الإسلامية تقتضي أن لا تكون هناك مواقف موحدة في كل الأقطار على السواء، إنه فيما سوى أقطار الصراع ينبغي أن يحرص الدعاة على أن لا يقفوا موقفاً مُداناً قانوناً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً وأن يبذلوا جهداً للعمل عبر واجهات مسموح بها قانوناً ما أمكنهم ذلك.
وأن تكون مشاركتهم لإخوانهم خارج أقطارهم سرية لكنها سرية لو كشفت لا تجعل أصحابها مدانين أمام قانون بلدهم وذلك كأن تكون مشاركتهم مع دعاة الإسلام في العالم على أساس من التعاطف الأخوي أو على أساس عضوية شرف أو على أساس عضوية أخوية غير تنظيمية ونحن منذ الابتداء نقرر أن وحدة تنظيمية أو ارتباطاً تنظيمياً للأمة الإسلامية كلها لم يحدث بعد سقوط الدولة الأموية هذا مع وجود سلطان سياسي يتمثل بالخلافة العباسية ثم بالخلافة العثمانية فلابد أن نقلل من طموحنا بالافتراض أنه بالإمكان أن توجد وحدة تنظيمية بدون سلطة تنفيذية مركزية ومن ههنا فإن الشيء الذي يسع الأمة الإسلامية هو العلاقات الأخوية التي يمكن أن ترتقي في بعض أجزائها إلى علاقات تنظيمية وعلى هذا فإننا نرى أن تكون خطوتنا الأولى هي التركيز على الشخصية الإسلامية المؤهلة للإرشاد الكامل والدعوة الكاملة وأن يضم هؤلاء لاغيرهم صلة خاصة.