الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الرابع - الثمرات

رابعاً – المسؤولية الفردية

          “ ذهبت طالبة شابة من جامعة فرانكفورت تقول لمدير الجامعة مستنجدة: إن والديها يهددانها بالطرد، ولما سألها عن السبب أجابت: لأنها ستضع مولوداً وقالت: إنها لا تعلم اسم أو شخصية والده، لأنه كان يرتدي قناعاً حيث إنها ارتكبت الفاحشة في أيام الكرنفال أو الناشنج، وهذه الحادثة ليست إلا قصة صغيرة تقع أمثالها عشارت الألوف كل سنة في بلاد الإباحية التي أحيت تقاليد الدعارة الجماعية تحت ستار التطور والتحرر. فكانت أعياد الكرنفال أو الناشنج التي تستمر ثلاثة أيام وفيها تباح كل الأعراض والحرمات، بل إنه من المخالف لآداب التقاليد أن تسير فتاة مع صديقها هذه الليلة أو تسهر زوجة بجانب زوجها. وأيام الإباحة الثلاثة تبدأ رسمياً في الدقيقة 11 من الساعة 11 من اليوم 11 من الشهر 11 من كل سنة مع تفاوت بسيط في مواعيدها بين مدينة وأخرى، وفي أثناء هذه المهرجانات بهذه المناسبة تتعرى النساء من كل شيء تقريباً وهن يختلطن بالرجال حيث تجري الدعارة الجماعية وبدون أن يعرف كل رجل ما اسم هذه التي يرافقها، وبدون أن تعرفه هي أيضاً، لأن الجميع يحرصون على ارتداء الأقنعة، وفلسفة الألمان في هذه الأعياد هي أن من حق البشر أن يخطئوا، لأنهم إذا لم يخطئوا فسيرتفعون إلى مستوى الآلهة، وهذا غير معقول وأن خطاياهم ستغفر لهم حتماً لأن المسيح قد دفع الثمن وصلب من أجلهم، وهم يرددون هذه الفلسفة في صحفهم ومجالسهم وفي كل مكان”[1].

 

          هذه ثمرة من ثمرات الفكرة النصرانية التي تقول: إن الإنسان خاطئ منذ ولادته، لأن أباه آدم قد ارتكب الخطيئة، وأن المسيح عليه السلام – صلب – حسب زعمهم حتى يكفر عن البشر خطاياهم فهو قد تحمل خطايا البشر.

 

          وهذه الفكرة معناها أن الإنسان مسؤول عن أعمال غيره، وغيره مسؤول عن أعماله، وبين هذا وهذا تضيع المسؤولية الفردية التي يحس بها الإنسان أنه مسؤول عن أعماله فقط. صغيرها وكبيرها، وليس مسؤولاً عن عمل غيره بتاتاً.

 

          ويترتب على الفكرة الأولى ناحيتان خطيرتان:

 

          الأولى: أن الإنسان غير طاهر القلب والنفس منذ نشأته بسبب وراثته الخطيئة وهذا يؤثر تأثيراً سيئاً في نظرته لنفسه من حيث إنه كما ورث الخطيئة ولم يخطئ، فسيعتمد على غيره في حمل خطاياه عنه.

 

          الثانية: أنه ما دام غيره مسؤولاً عن ذنوبه، فإنه لن يبالي بهذه الذنوب وعندئذ تملأ الخطيئة الأرض، وادرس ما يحدث في كنائس أمريكا وبريطانيا وغيرهما بالذات تجد مقدار اللامبالاة في الخطيئة.

 

          وهذا أكثر الأديان اتباعاً الآن في العالم.

*     *     *

 

          وتوجد عند البراهمة والبوذيين والجينيين – وهي ديانات لها أتباعها الكثر في العالم – عقيدة شبيهة من حيث سلب مسؤولية الإنسان الفردية بالديانة النصرانية.

 

          هذه العقيدة هي عقدية تناسخ الأرواح، وخلاصة هذه العقيدة أن الروح بعدما تفارق جسداً في هذه الدنيا تنتقل إلى جسد آخر في هذه الدنيا نفسها، ولا يكون هذا الجسد الثاني أو القالب الثاني بكلمة أصح إلا متفقاً مع الحياة التي قد أعدها الإنسان لنفسه بأعماله وأفكاره وميوله وعواطفه في حياته الأولى.

 

          فإن كانت أعماله وأفكاره وميوله وعواطفه سيئة ولتأثيرها قد حدثت فيه مؤهلات واستعدادات سيئة، فإن روحه ستنتقل إلى طبقة مبتذلة من طبقات الحيوانات أو النباتات، وأما إن كانت أعماله وأفكاره وميوله وعواطفه صالحة ولتأثيرها قد حدثت فيه مؤهلات واستعدادات صالحة، فإن روحه سترتقي إلى طبقة من الطبقات العليا”.

 

          هذه العقيدة مقتضاها أنني أنا الإنسان الحالي. إنسان بهذا الوضع نتيجة لسلوك غيري، وحصيلة لسلسلة طويلة من أعمال المخلوقات قبلي، وهذه المخلوقات السابقة علي، هي أنا وأنا بأعمالي الحاضرة سأكون بالتالي نباتاً أو حيواناً أو إنساناً.

 

          فماذا ينتج عن هذه العقيدة ؟

 

          1 –” سينتج عن هذه العقيدة شعور لدى الإنسان بأن الحيوان والنبات والإنسان سواء في ميزان الوجود، إذ الحيوان كان إنساناً والنبات كان حيواناً. ويترتب على هذا ألا يجوز إيذاء النبات والحيوان والإنسان، حتى ولو آذاني الإنسان، وعندئذ فإن أمة مثل هذه العقيدة ليست صالحة ولذلك فإن أهلها يعيشون مشتتين بين واقعهم الذي يعملون، وعقيدتهم التي يعتقدون.

 

          2 – كما ينتج عن هذه العقيدة رهبانية مميتة عملياً، إذ إن أهل هذه العقيدة يعتقدون أن الشهوة هي أصل كل فساد في الأرض وهي التي تلوث الروح بالذنوب والآثام، ولأجلها تنتقل الروح من قالب إلى قالب وتذوق وبال أعمالها مرة بعد مرة، فالإنسان إذا أودى بها، وقضى عليها، ولم يشغل نفسه بمشاغل الدنيا وشواغبها، فلروحه أن تنال الخلاص من دورة التناسخ ويقولون:

 

          ليست هناك سبل أخرى للخلاص من دورة التناسخ غير هذه، لأنه من المحال إذا انشغل الإنسان بمشاغل الدنيا وشواغبها وشؤونها الخلابة أن يأمن على نفسه الافتتان بالدنيا والاسترسال وراء شهواتها وملاهيها. والنتيجة اللازمة لذلك – يقولون – إن من أراد لنفسه الخلاص من دورة التناسخ فعليه أن ينعزل عن الدنيا، ولا يسكن إلا في الغابات، ورؤوس الجبال وكهوفها، وإن لم يفعل ذلك فعليه أن ييأس من الخلاص من دورة التناسخ، ويستعد للانضمام إلى طبقات الحيوانات والنباتات.

 

          3 – ولما كانت الفكرة الأولى والثانية غير عمليتين ؟

 

          فالناس نتيجة لذلك إما أن يسلكوا الطريق المرسوم للخلاص من دورة التناسخ بزعمهم فتفنى البشرية كلها لو سلكت هذا الطريق.

 

          وإما إنسان لن يمشي في هذا الطريق وهو بالتالي لا يبالي لأنه ليس مسؤولاً عن حاضره ولا يهمه مستقبله”[2].

*   *   *

 

          ويظهر انعدام المسؤولية الفردية عند البشرية بصورة أخرى º كلها غير معقول:

 

          تظهر بصورة أخذ الثأر من أي قريب للقاتل، وتظهر بصورة الإيمان بأن الإنسان غير مسؤول أمام أحد عند الملحدين الفوضويين، وتظهر بصورة أن الإنسان مسؤول أمام القانون فقط فإذا استطاع أن يهرب من عين القانون فعل ما شاء.

 

*   *   *

 

          وهناك صورة أخرى تنعدم فيها المسؤولية موجودة عند اليهود.

 

          فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار، الذي غفر له كل شيء، فمهما فعلوه من جرائم أو مآس، أو مفاسد، أو مظالم، فإن خصوصيتهم هذه تجعلهم بمنجاة من عذاب الله إلا بشكل بسيط جداً جداً.

 

          هذه صور من فرار الإنسان من المسؤولية كانت يوم بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زالت وهي كلها صور غير معقولة، وآثارها خطيرة على الإنسان، والحياة الإنسانية كلها، من حيث انعدام مسؤولية الإنسان أو قصورها، مما يؤدي إلى انحراف فظيع في السلوك.

 

          فماذا فعل محمد صلى الله عليه وسلم بأمر الله ووحيه ؟:

 

          لقد كان الإعلان الذي أعلنه الإسلام هو أن الإنسان لا يتحمل إلا مسؤولية أعماله وحده، فلا يتحمل مسؤولية ذنب جد ولا مسؤولية ذنب أخ وعم، إلا إذا كان له علاقة في الموضوع، وأن الجيل اللاحق لا يتحمل أوزار الجيل السابق، وإنما الإنسان مسؤول عن أعماله وحده صغيرها وكبيرها أمام الله في الآخرة. وأما شريعة الله في الدنيا فقال القرآن. {وَلاَ تَزöرُ وَازöرَةñ وöزْرَ أُخْرَىٰ}.

 

          وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

 

          وخاطب القرآن الناس

 

          {لَّيْسَ بöأَمَانöيّöكُمْ وَلاۤ أَمَانöيّö أَهْلö ٱلْكöتَابö مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بöهö} النساء: 123.

 

          فأصبح المسلم يحاسب نفسه على الصغيرة والكبيرة. حتى قال قائل المسلمين:” كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام” وأصبح الذي يقدم الإنسان أو يؤخره هو عمل الإنسان حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئاً ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً” رواه البخاري ومسلم.

 

          وبذلك استقام سلوك الإنسان، وتحرر ضمير الإنسان من التواكل على الآخرين، وبذلك لم يعد الإنسان غير مبال في أمر الخطيئة، وبذلك استقلت شخصية الإنسان استقلالاً تاماً، وبذلك أصبح الخير مرجواً من الإنسان، وبذلك قضي على الخرافة، وقامت الحقيقة محلها.

 

          هذه الثمرة العظيمة من ثمار دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تدل على أن محمدا رسول الله، لأنها ثمرة ما كانت لتكون لولا الوحي، وقد صاغ العقاد هذا الموضوع صياغة عالية نأخذ من فقراتها ما يلي:

 

          “ وللديانة الإنسانية مناط واحد، هو ضمير كل فرد من أفرادها. فما لم يكن لهذا الضمير حساب، وعليه تبعة، فلا ديانة لإنسان، ولا لجملة الناس وفكرة التبعية الفردية والمسؤولية الفردية بسيطة، سهلة الفهم، تتجدد الحاجة إلى تطبيقها كل يوم، في كل بيئة اجتماعية، فلو كانت الفكرة تروج بمقدار بساطتها، وسهولة فهمها، وتجدد الحاجة إلى تطبيقها، لما خلا المجتمع الإنساني قط من مبدأ المسؤولية الفردية منذ أوائل عهد الإنسان بالاجتماع.

 

          لكن الواقع أن هذه الفكرة البسيطة قد أهملت، وظلت مهملة من عهد البداوة إلى عهود الحضارة الأولى، لأن محاسبة الفرد لم يكن لها مرجع إلى سلطان واحد، إذ كان الفرد من القبيلة يعتدي على فرد من قبيلة أخرى ويندر أن ترضى قبيلة المعتدي أن تسلمه إلى قبيلة المعتدى عليه. فإن لم تسلمه تضامنت في الدفاع عنه، ووقعت الحرب بين القبيلتين، أو تعرض كل فرد من أفراد قبيلة المعتدي لأخذ الثأر منه، وقد يتوارثون الثأر إلى الأبناء والأعقاب.

 

          فمضى نظام القبيلة على مسؤولية القبيلة كلها عن جميع أفرادها، ثم تطورت القبيلة وتألف الشعب من جملة قبائل متعارفة على نظامها القديم فثبتت على عاداتها لصعوبة التغيير في الجماعات التي تقوم على المحافظة، وعلى رعاية المأثورات السلفية، وبلغ من ثبات هذه العادات أن رومة التي كانت تسمى أم الشرائع. جعلت الأب مسؤولاً عن الأسرة، وأباحت له التصرف في أرواحها وأموالها، وقد ناظرتها في الشرق شريعة حمورابي فجعلت من حق الرجل الذي تقتل بنته أن يتسلم بنت القاتل ليقتلها كأنها لا تحسب عندهم إنساناً مستقلاً بحياته.

 

          وكانت في الهند حضارات تأخذ بمبدأ المسؤولية الفردية، ولكنها ترجع إلى حياة سابقة متسلسلة من حياة سابقة على مدى الأزمنة التي لا تعرف لها بداءة منذ أزل الآزال، فهون مولود بجرائره وآثامه، وكفارة تلك الجرائم والآثام إلى الأجل المقدور، وليست تبعاته مرهونة بما يعمله بعد ميلاده. بل هي سابقة للميلاد لاحقة به آماداً بعد آماد”.

 

          ( كان القول الشائع أن عصيان آدم جريرة لا يسأل عنها وحده بل يسأل عنها كل ولد من ذريته ).

 

          أما الدعوة الإسلامية فالمسؤولية الفردية فيها شيء جديد كل الجدة لم يتطور مما تقدمه ولم يكن نتيجة قط لإحدى هذه المقدمات.

 

          ومعجزة المعجزات فيها أنها قامت بالمسؤولية الفردية حيث يصدها كل عرف قائم، ويعوقها كل نظام مصطلح عليه في المعاملات والعقوبات.

 

          قامت بها في أعماق الجزيرة العربية، ولا قانون فيها غير قانون الثأر، ولا شريعة لها غير شريعة القبيلة، وتعلم الناس {وَأَن لَّيْسَ لöلإöنسَانö إöلاَّ مَا سَعَىٰ} النجم: 39 أن جيلاً لا يؤخذ بجريرة أسلافه، ولا يؤخذ خلفاؤه بجريرته.

 

          {تöلْكَ أُمَّةñ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} البقرة: 141 و {كُلُّ ٱمْرöىءٍ بöمَا كَسَبَ رَهَينñ} الطور: 21.

 

          “ فمرحلة شاسعة لم يعمل فيها تاريخ البشرية كله ما عمله الإسلام وحده، مبتدئاً بغير سابقة، بل مبتدئاً على الرغم من العوائق والموانع والمناقضات. ولم تكن هذه المرحلة الشاسعة نافلة من نوافل الرأي على حواشي العقيدة، ولكنها هي الفتح الأكبر من فتوح الضمير في جميع مراحل التاريخ. إذ لا قوام للخلق ولا للدين بغير التبعة، ولا معنى بغير التبعة لتكليف ولا حساب”.



[1] مجلة حضارة الإسلام .

[2] الحضارة الإسلامية : أسسها ومبادؤها للمودودي .

|السابق| [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error