الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الرابع - الثمرات

سابعاً: أجيال خيرة جريئة بالحق

          وثمرة أخرى من ثمار محمد صلى الله عليه وسلم تشهد أنه رسول الله:

 

          ما هو الخير وما هو الشر ؟ وما هو المعروف وما هو المنكر ؟ وإذا عرفنا الخير والشر والمعروف والمنكر، فما هي أجزاء هذا وهذا وأفراد هذا وهذا ؟ وإذا عرفنا الجميع فكيف نقتلع جذور الشر ونقضي عليه، ونمكن للخير وندعمه ؟ وكيف نوجد بشراً ليس للشر في قلوبهم نصيب، وقد نذروا للخير أنفسهم، هممهم الأعلى إقامة بنيانه وإرساء حقائقه ؟ هذه قضايا يعجز عن كل واحد منها الكثير، ولكنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم عرَّف الإنسان بالخير كله والشر كله وربى جيلاً يعشق الخير، ويبغض الشر ويتفانى من أجل أن تقوم الحياة البشرية على الخير المشرق المنير. فخرجت نماذج ما عرف العالم بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام أقوى منها، ولا أصلب في هذا الأمر.

 

*     *     *

 

          اقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم واقرأ القرآن والسنة فإنك لا تجد خيراً إلا ذكر، ولا شراً إلا ذكر، ولا تجد شيئاً قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه خير تستطيع أن تحكم عليه غير ذلك إلا إذا جانبت العقل ولم تخضع لحجة، ولا تجد شيئاً قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه شر تستطيع أن تحكم عليه غير ذلك، إلا إذا كنت متبعاً للشهوات ميالاً مع الهوى {وَلَوö ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتö ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فöيهöنَّ} ومهما حاولت أن تجد شيئاً من الشر لم ينه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك لا تجد، ومهما حاولت أن تجد شيئاً من الخير لم يأمر به فإنك لا تجد، والشيء المهم بعد ذلك أن هذا الخير تمثل في مجتمع بشري لم يبق فيه للشر ظهور، وكل ذلك ببركات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربيته وسنضرب هنا أمثلة من حياة المسلمين يتبين فيها حربهم العنيفة للمنكر وحرصهم على المعروف وأمرهم به.

 

          أ – أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي فنيل عن معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما – أنه صعد المنبر يوم الغمامة فقال عند خطبته:

 

          إنما المال مالنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه، فلم يجبه أحد، فلما كان في الجمعة الثانية قال مثل ذلك فلم يجبه أحد، فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته فقام إليه رجل ممن حضر المسجد فقال:

 

          كلا.. إنما المال مالنا والفيء فيئنا فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا..

 

          فنزل معاوية – رضي الله عنه – فأرسل إلى الرجل فأدخله فقال القوم: هلك الرجل ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير فقال معاوية للناس: إن هذا الرجل أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

          “ سيكون بعدي أمراء يقولون ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة”.

 

          وإني تكلمت أول جمعة فلم يردّ علي أحد فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد أحد علي قلت في نفسي إني من القوم، ثم تكلمت في الجمعة الثالثة فقام هذا الرجل فردّ علي فأحياني أحياه الله.

 

          ( قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى ورجاله ثقات ).

 

          ب – أخرج مسلم عن الحسن البصري أن عائد بن عمرو – رضي الله عنه – دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني.. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

          “ إن شر الرعاء الحطمة” فإياك أن تكون منهم، قال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: وهل كانت لهم نخالة ؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.

 

          جِ - روى الخمسة إلا البخاري عن طارق بن شهاب” أن أول من بدأ بخطبة العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة” وفي رواية الترمذي” يا مروان خالفت السنة” زاد أبو داود” أخرجت المنبر في يوم عيد ولم يكن يخرج فيه وبدأت بالخطبة قبل الصلاة” قال: قد ترك ما هنالك. قال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه -: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

          “ من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” وليس عند النسائي إلا الأخير أي المسند.

 

          د – وفي الإحياء عن الشافعي قال: حدثني محمد بن علي قال: إني لحاضر مجلس أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وفيه ابن أبي ذؤيب وكان والي المدينة الحسن بن زيد قال: أتى الغفاريون فشكوا إلى أبي جعفر شيئاً من أمر الحسن بن زيد قال الحسن: يا أمير المؤمنين سل عنه ابن أبي ذؤيب. قال: فسأله فقال: ما تقول فيهم يا ابن أبي ذؤيب ؟ قال: أشهد أنهم أهل تحطم في أعراض الناس كثيرو الأذى لهم. قال أبو جعفر: قد سمعتم. فقال الغفاريون: يا أمير المؤمنين سله عن الحسن بن زيد فاستشهده، قال: أشهد عليه أنه يحكم بغير الحق، ويتبع هواه، فقالوا: قد سمعت ما قال فيه ابن أبي ذؤيب وهو الشيخ الصالح ظ قال: يا أمير المؤمنين اسأله عن نفسك فقال: ما تقول فيَّ ؟ فاستعفاه قال: أسألك بالله إلا أخبرتني قال: تسألني بالله كأنك لا تعرف نفسك ؟ قال: والله لتخبرني. قال: أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه فجعلته في غير أهله، وأشهد أن الظلم ببابك فاشٍ.

 

          قال: فجاء أبو جعفر من موضعه حتى وضع يده في قفا ابن أبي ذؤيب فقبض عليه ثم قال له: أما والله لولا أني جالس ههنا لأخذت فارس والروم والديلم والترك بهذا المكان منك، قال: فقال ابن أبي ذؤيب: يا أمير المؤمنين قد ولي أبو بكر وعمر فأخذا الحق وقسما بالسوية، وأخذا بأقفاء فارس والروم وأصغرا آنافهم، قال: فخلى أبو جعفر قفاه وخلى سبيله وقال: والله لولا أنك صادق لقتلتك. فقال ابن أبي ذؤيب: والله يا أمير المؤمنين إني لأنصح لك من ابنك المهدي.

 

          هِ - وصاح الشيخ عز الدين بن عبد السلام بالملك أيوب: يا أيوب ما حجتك عند الله إن قال لك: ألم أبَوّئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور. قال: وهل جرى ذلك ؟قال: نعم الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، قال: هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي. قال: أنت ممن يقولون: { إöنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإöنَّا عَلَىٰ آثَارöهöم مُّهْتَدُونَ } فأمر الملك برفعها.

 

          وسأل الشيخ تلميذه الباجي قال: يا سيدي أما خفته ؟ قال الشيخ: يا بني استحضرت هيبة الله فصار قدامي مثل القط.

 

          و – وللنووي مواقف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ننقل بعضها:

 

          لما ورد دمشق من مصر السلطان المجاهد العظيم الملك الظاهر بيبرس بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد زعم له وكيل بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة فأمر الملك بالحوطة عليها أي بحجزها وتكليف واضعي اليد على شيء منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه فلجأوا إلى الشيخ النووي في دار الحديث فكتب إلى الملك هذا الكتاب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم:

 

          الحمد لله رب العالمين.. قال الله تعالى: {وَذَكّöرْ فَإöنَّ ٱلذّöكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمöنöينَ} وقال تعالى: {وَإöذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مöيثَاقَ ٱلَّذöينَ أُوتُواْ ٱلْكöتَابَ لَتُبَيّöنُنَّهُ لöلنَّاسö وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرّö وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإöثْمö وَٱلْعُدْوَانö} المائدة: 2.

 

          وقد أوجب الله على المكلفين نصيحة السلطان أعز الله أنصاره، ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:” الدين النصيحة لله، وكتابه، وأئمة المسلمين وعامتهم”.

 

          ومن نصيحة السلطان – وفقه الله لطاعته وأولاه بكرامته – أن تنهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام. فقد أوجب الله تعالى الشفقة على الرعية، والاهتمام بالضعفة وإزالة الضرر عنهم.

 

          قال تعالى: {وَٱخْفöضْ جَنَاحَكَ لöلْمُؤْمöنöينَ} ( الحجر: 88 ).

 

          وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إنما تنصرون وترزَقون بضعفائكم”.

 

          قال صلى الله عليه وسلم:” مَن كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه”.

 

          وقال صلى الله عليه وسلم:” اللهم من ولي من أمر أُمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه”.

 

          وقال صلى الله عليه وسلم:” كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”.

 

          وقالصلى الله عليه وسلم :” إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا”.

 

          وقد أنعم الله علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان، أعز الله أنصاره، فقد أقامه لنصرة الدين , والذب عن المسلمين، وأذل به الأعداء من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورة، في المدة اليسيرة، وأوقع الرعب منه في قلوب أعداء الدين وسائر الماردين. ومهد له البلاد والعباد، وقمع بسببه أهل الزيغ والفساد، وأمده بالإعانة واللطف والسعادة، فلله الحمد على هذه النعم الظاهرة، والخيرات المتكاثرة، ونسأل الله الكريم دوامها له وللمسلمين، وزيادتها في خير وعافية آمين.

 

          وقد أوجب الله شكر نعمه ووعد الزيادة للشاكرين، فقال تعالى: {لَئöن شَكَرْتُمْ لأَزöيدَنَّكُمْ} ( إبراهيم: 7 ).

 

          وقد لحق المسلمون بسبب هذه الحوطة على أملاكهم، أنواع من الضرر، ولا يمكن التعبير عنها، وطلب منهم إثبات ما لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين. بل من في يده شيء فهو ملكه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يكلف بإثباته. وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع ويوصي نوابه به، فهو أولى من عمل به.

 

          والمسؤول إطلاق الناس من هذه الحوطة، والإفراج عن جميعهم، فأطلق أطلقك الله من كل مكروه، فهم ضعفة، ومنهم الأيتام والأرامل والمساكين والضعفة، والصالحون وبهم تنصر وتعان وترزق، وهم سكان الشام المبارك، جيران الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم، وسكان ديارهم، فلهم حرمات من جهات، ولو رأى السلطان ما يلحق الناس من شدائد لاشتد حزنه عليهم، وأطلقهم في الحال، ولم يؤخرهم، ولكن لا تنهى إليه الأمور على وجهه، فالله أغöث المسلمين يغثك الله، وارفق بهم يرفق الله بك، وعجل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار، وتلف غلاتهم فإن أكثرهم ورثوا هذه الأملاك من أسلافهم، ولا يمكنهم تحصيل كتب شراء ( أي أسناد تمليك ) وقد نهبت كتبهم، وإذا رفق السلطان بهم حصل له دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رفق بأمته، ويظهره على أعدائه. فقد قال الله تعالى: {إöن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ... }. وتتوفر له من رعيته الدعوات، وتظهر في مملكته البركات، ويبارك له في جميع ما يقصده من الخيرات. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:” مَن سنَّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عَمöل إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنّة سيئة فعليه وöزْرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم القيامة”.

 

          فنسأل الله الكريم أن يوفق السلطان للسنن الحسنة التي يذكر بها إلى يوم القيامة، ويحميه من السنن السيئة، فهذه نصيحتنا الواجبة علينا للسلطان، ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه الله فيها القبول والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه.

 

          فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وخشي إذ لان له أن يعيد معه في الشام سيرة العز بن عبد السلام في مصر، فأجابه بالرد الشديد، وأراد أن يعجل عليه بالعقوبة، فأمر بقطع رواتبه وعزله من مناصبه.

 

          فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب، وليس له منصب.

 

          ولما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفد، وأن هذا اللين منه لم يأت بنفع، ذهب إليه بنفسه، وقابله وكلمه كلاماً غليظاً. وأراد السلطان البطش به، فصرف الله قلبه عن ذلك وحمى الشيخ منه، وأبطل الأمر بِ ( الحوطة ) وخلص الناس من شرها.

 

          ثم جاءت قضية أخرى:

 

          “ أراد السلطان أن يجهز جيشاً، ففرض على الناس ضريبة جديدة، فعاذوا منه بالشيخ واجتمع إليه علماء دمشق ووكلوه أن يكتب ما يريد وهم يمضون معه الكتاب، وكانت الوحشة لا تزال قائمة بينه وبين الملك، لما كان منه في ( قضية الحوطة ). فلم يكتب إليه رأساً بل كتب إلى الأمير بدر الدين الخازن ليوصل كتابه إليه وكان بدر الدين نائب المملكة وأتابك الجيوش ( أي القائد العام ) وكان موصوفاً بكثرة الموة ومحبة العلماء والصلحاء وحسن السيرة.

 

          قال تلميذه السخاوي: فلما كتبه وأرسل به ورقة إلى القاهر تتضمن وجوب العدل في الرعية. وإزالة المكوس عنهم، ووضع العلماء والشيوخ خطوطهم معه.

 

          فقرأ الأمير الكتاب ورفع الورقة إلى السلطان، فاشتد غضبه، واحتج بأنه يريد هذا المال للجهاد وهم يعارضونه وكان عليهم أن يؤيدوه وأنهم ينكرون عليه، ولم يكونوا ينكرون على الكفار لما كانوا يحكمون البلاد، قبل أن يخرجهم منها بجهاده الطويل، ومثابرته عليه. وتوعد العلماء، فتقاعسوا، ولكن النووي لم يبال، وكتب إليه في الجواب هذا الكتاب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، من عبد الله يحيى النووي ينهي: إن خدام الشرع، كانوا كتبوا ما بلغ السلطان أعز الله أنصاره فجاء الجواب بالإنكار والتوبيخ والتهديد، وفهمنا من أن الجهاد ذكر في الجواب على خلاف حكم الشرع، وقد أوجب الله إيضاح الأحكام عند الحاجة إليها، فقال تعالى:

 

          {وَإöذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مöيثَاقَ ٱلَّذöينَ أُوتُواْ ٱلْكöتَابَ لَتُبَيّöنُنَّهُ لöلنَّاسö وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}.

 

          {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءö وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذöينَ لاَ يَجöدُونَ مَا يُنفöقُونَ حَرَجñ إöذَا نَصَحُواْ للَّهö وَرَسُولöهö مَا عَلَى ٱلْمُحْسöنöينَ مöن سَبöيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورñ رَّحöيمñ} ( التوبة: 91 ).

 

          وذكر في الجواب أن الجهاد ليس مختصاً بالأجناد، وهذا أمر لم ندعه ولكن الجهاد فرض كفاية، فإذا قرر السلطان له أجناداً مخصوصين، ولهم أخباز معلومة من بيت المال كما هو الواقع، تفرغ باقي الرعية لمصالحهم ومصالح السلطان والأجناد وغيرهم، من الزراعة والصنائع وغيرها مما يحتاج الناس كلهم إليه، فجهاد الأجناد مقابل بالأخباز المقررة لهم، ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء ما دام في بيت المال شيء، من نقد أو متاع أو أرض أو ضياع تباع أو غير ذلك.

 

          وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان أعز الله أنصاره متفقون على هذا وبيت المال بحمد الله معمور، زاده الله عمارة وسعة وخيراً وبركة، في حياة السلطان المقرونة بكمال السعادة له والتوفيق والتسديد والظهور على أعداء الدين {وَمَا ٱلنَّصْرُ إöلاَّ مöنْ عöندö ٱللَّهö ٱلْعَزöيزö}[1] وإنما يستعان في الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم وملازمة أحكام الشرع وجميع ماكتبناه، أولاً وثانياً، هو النصيحة التي نعتقدها وندين لله بها، ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه، والسلطان يعلم أنها نصيحة له وللرعية، وليس فيها ما يلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا أنه يحب الشرع ومتابعة أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفق بالرعية، والشفقة عليهم وإكرامه لآثار النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ناصح للسلطان موافق على هذا الذي كتبناه، وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار حين كانوا في البلاد، فكيف تقاس ملوك الإسلام وأهل الإيمان والقرآن، بطغاة الكفار، وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار وهم لا يعتقدون شيئاً من ديننا ؟ وأما تهديد الرعية بسبب نصيحتنا، وتهديد طائفة العلماء، فليس هو المرجو من عدل السلطان وحلمه، وأي حيلة لضعفاء المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم، ولا علم لهم به، وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلام ؟ وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد، ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله {إöنَّمَا هَِٰذöهö ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعñ وَإöنَّ ٱلآخöرَةَ هöيَ دَارُ ٱلْقَِرَارö}[2] {وَأُفَوّöضُ أَمْرöيۤ إöلَى ٱللَّهö إöنَّ ٱللَّهَ بَصöيرñ بöٱلْعöبَادö}[3] وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحق حيثما كنا، وأن لا نخاف في الله لومة لائم، نحن نحب للسلطان معالي الأمور وأكمل الأحوال وما ينفعه في آخرته ودنياه ويكون سبباً في دوام الخيرات له ويبقى ذكره له على مَرّö الأيام يخلد في سنته الحسنة ويجد نفعه {يَوْمَ تَجöدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمöلَتْ مöنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} وأما ما ذكر في تمهيد سلطان البلاد وإدامته الجهاد وفتح الحصون وقهر الأعداء، فهو بحمد الله من الأمور الشائعة التي اشترك في العلم بها الخاصة والعامة، وسارت في أقطار الأرض ولله الحمد. وثواب ذلك مدخر للسلطان إلى يوم تجد كل نفس ما عملت من خيْر محضراً، ولا حجة لنا عند الله إذا تركنا النصيحة الواجبة علينا.

 

          والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

 

          وبعد إذا لم يكن تمييز الخير من الشر والمعروف من المنكر وتبيان كل، وتربية الناس على محبة الخير والمعروف، وبغض الشر والمنكر، إذا لم يكن هذا من ثمار النبوة فما هي ثمار النبوة ؟.

 

          لقد بين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس الخير والشر , ودل الناس على أن يفعلوا الخير وحده، وعلى أن يحاربوا الشر أنى كان. فكانوا مثلاً علياً لا مثيل لها في ذلك، استحقوا معها أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö تَأْمُرُونَ بöٱلْمَعْرُوفö وَتَنْهَوْنَ عَنö ٱلْمُنْكَرö وَتُؤْمöنُونَ بöٱللَّهö}[4].

 

          نعم إنها ثمار النبوة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، فلم تكن الجزيرة العربية مرشحة لشيء من هذا ولا غيرها لولا وحي الله.



[1] غافر : 39 .

[2] غافر : 39 .

[3] غافر : 44 .

[4] آل عمران : 110 .

|السابق| [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca