وبعد هذا ننتقل إلى خاتمة هذا الباب:
تعقيب
إن المعجزة حجة على صحة الدعوة. غير أن بعض الناس يحاول أن يتهرب من حجيتها بذكر أشياء خارقة للعادة تظهر على يد غير الرسل، يراها الناس ثم يعتبر ذلك دليلاً على أنه لم تقل عليه الحجة بالمعجزة، والحقيقة أن هناك أشياء كثيرة يراها الناس خارقة للعادة وليست كذلك. والمعجزة تختلف عن كل هذه الأشياء وبهذا تقوم الحجة على الناس ولنضرب أمثلة:
نسمع كثيراً عن أخبار سحرة يأتون بأشياء عجيبة، ونسمع كثيراً عن أشياء عجيبة تظهر على يد فقراء الهنود، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن خوارق تظهر على يد الدجال في آخر الزمان ويروي لنا الثقات أن هناك ناساً من صلحاء المسلمين تظهر على أيديهم خوارق للعادة. فمثلاً يذكر ابن تيمية أن الشيخ عبد القادر الجيلاني منقولة كراماته تواتراً.
فما مقام المعجزة التي تقوم بها الحجة بين هذه الأشياء ؟
كنا ذكرنا في مقدمة هذه الفصول أن المعجزة تكون بخلق الله المباشر دون أن يكون للأسباب الكونية فيها أي تعلق. على خلاف السحر فإنه علم له قوانينه من أتقنها ظهر على يده منه، وعلى خلاف الأعاجيب التي تظهر نتيجة الرياضات الروحية فإن ذلك أثر عن أسباب وقوانين كونية تخضع لها عوالم الروح.
ومن هنا كانت هذه الأشياء في الحقيقة نتائج عادية لمقدمات خاصة، أما معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم فتختلف عن هذا كله لأنها ليست وليدة علم أو قانون كوني وسبب، أما الخارقة للعادة التي تظهر على يد رجل صالح، فهي مثل المعجزة من حيث كونها خارجة عن الأسباب، ومن حيث كونها بقدرة الله المباشرة.
ولكنها في العادة لا تكون إلا على يد إنسان متمسك بحبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أثر من آثار اتباع الرسول. فهي كرامة لمن ظهرت على يده معجزة للرسول. لأنه لولا اتباعه للرسول ما أظهر على يديه مثل هذه الخوارق، فالكرامة والمعجزة من مشكاة واحدة، ولكن المعجزة تظهر مع دعوى الرسالة، والكرامة تظهر تأييداً لصاحب الرسالة على يد إنسان متبع للرسول.
ولا نحكم على الخارقة أنها كرامة إلا بعد التأكد من استقامة صاحبها على أمر الله وسنة رسوله.
إن سنة الله جرت ألا يظهر خارقة للعادة بكل شروطها على يد إنسان كذاب في دعوى الرسالة عنه، وهنا سر الفرق الحقيقي بين المعجزة وكل خارقة أخرى.
فصاحب الكرامة لا يدعي الرسالة، ولذا فإن ظهورها على يده لا يجعل في الأمر التباساً، خاصة وهو متبع لرسول الله متمسك بشريعته.
وأما المسيح الدجال فليس يدعي الرسالة وتظهر معه الخوارق تأييداً لها حاشا، ولكنه إنسان جعله الله عز وجل أعظم فتنة للبشر إذ يدعي الألوهية ويظهر معه شيء من آثار قدرة الله ليبقى العقل البشري مسؤولاً، إذ العقل يعرف الله بصفات الكمال وهذا الإنسان لا يمكن أن يكون هو الله. فما يظهره الله على يده فتنة يختبر بها العباد، ولا يلتبس ما يظهر على يده بالمعجزة التي تقوم بها الحجة، لأنه لا يدعي الرسالة أصلاً، ولو كان يدعي الرسالة ما ظهرت على يده مثل هذه الخوارق.
وإذن بعض ما يظهر للناس أنه خوارق للعادة ليس هو في الحقيقة من هذا النوع.
وبعضها لا يظهر مع دعوى الرسالة فلا يلتبس بالمعجزة.
وتبقى المعجزة شاهدة على صحة دعوى الرسالة، والكرامة إذا خرجت من أهلها دليل على صدق التابع والمتبوع، فلا التباس بين المعجزة وغيرها والحجة قائمة على البشر بها.
ولا عذر لأحد لا يتبع صاحبها.
وأخيراً وقد انتهى هذا الباب.
نقول:
إن إنساناً يرى معجزة المعجزات بين يديه ( القرآن ) ثم لا يؤمن بأن محمداً رسول الله، فهو أعمى القلب والعقل.
وإن إنساناً تؤكد له أصدق الوثائق التاريخية كثرة معجزات محمد عليه الصلاة والسلام ثم لا يؤمن به، مظلم الوجدان والضمير.
وإن إنساناً مثل هذا ليقولن في يوم:
{وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقöلُ مَا كُنَّا فöيۤ أَصْحَابö ٱلسَّعöيرö * فَٱعْتَرَفُواْ بöذَنبöهöمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابö ٱلسَّعöيرö} الملك 10، 11.
* * *
وإلى الباب الثالث لنرى برهاناً على أن محمداً رسول الله.