إحياء فقه الدعوة
الكتاب الخامس
المسِِار
محمد أحمد الراشد
إنها الحركات الخمس للراكض..
وفقًا للتحليل الفيزياوي..
في وسطها... يحلق...
ومن قبلها استناد ودفع يعليه...
وفي آخرها استقرار... لاستئناف...
وكذلك مراحل الدعوة...
إذهى في مسارها المبارك...
تنطلق من أرض صلبة...
وتعلم قبل الخطو موضع نزول قدمها...
تتجانس مع سنة المخلوقات....
وتتوغل في دربها....
بلا عائق...
مسرعة ... منصورة...
مقدمة
وميض النقد
تتوزع تصرفات الدعوة الإسلامية في سياسات ثلاث:
السياسة الخارجية المحددة لطبائع علاقات الدعوة بالحكومات والأحزاب والجماعات الأخرى، وتنوع مواقفها ما بين حرب وهدنة وحلف وإعانة واستعانة.
والسياسة الداخلية البانية لشكل التنظيم، المقررة لشروط العضوية والتأمير، وحقوق وواجبات الدعاة.
والسياسة التربوية التي تختار طرق تعليم الدعاة ومدهم بأنواع الثقافات، وكيفية تهذيبهم أخلاقيًا وإكسابهم الصفات الإيمانية.
والمفروض أن تتم توعية الدعاة في هذه السياسات الثلاث كلها، لنحوز نموذج الداعية المؤمن، الفقيه، المربي، المتقن، المنسق، العادل، المحتاط، اليقظ لاستغلال الفرص، المستتر عن رمية الأعداء.
وتمثل هذه الجهود في التوعية جانبًا من أهم الجوانب التي تتصدى لها الدعوة، وكل نجاح تناله في توعية الدعاة يفتح أمامها مزيدًا من أبواب الآمال.
وقد رصدت سلسلة (إحياء فقه الدعوة) نفسها للمشاركة في هذه التوعية، معتمدة أساليب التحليل، مستشهدة بالتجارب الوافرة، مقتفية آثار الإفتاء الفقهي، أصيل القديم، مكمله الحديث.
وكتاب المسار يتولى التوعية في هذه السياسات الثلاث معًا، لا من ناحية تفصيل مفرداتها وشرح أحكامها الجزئية، بل من الناحية التخطيطية الإجمالية التي تعتمد النظرة الشمولية الناقدة لكل مرحلة من مراحل العمل، وهي نظرة تحرص على التعليل واكتشاف الأسباب، وتتولى التعداد الذي يحصر الأنواع والفروع، وتشير إلى الفروق والتباين النسبي، وتنبه إلى المصالح التي تسوغ اختلاف المواقف تبعا لتغير الظروف.
ولكن (المسار) لا يمكن أن يفهم مفردًا، بل يجب عليك حين تقرأ فيه أن تعيد التعرف على طبائع (المنطق) وعرقلة (العوائق)، وأن ترطب قلبك بنداوة (الرقائق) وأن تقتدي بومضات (البوارق).
سياسية العبادة
إن الطالب لفقه الدعوة سرعان ما يدرك أن التخطيط الإسلامي له سمت خاص يختلف عما عند الأحزاب العلمانية، يتمثل في الاقتران الكامل بين التربية الإيمانية الأخلاقية والتوغل السياسي.
إن خطتنا ليست هي خطة سياسية مجردة، ولا يكفي فيها العطاء التربوي الذي تتيحه للداعية مواقفه السياسية، بل يجب أن تسبق التدخل السياسي مرحلة تأسيسية مخصصة للتربية والبناء التنظيمي، ثم تظل التربية من بعد وتستمر مواكبة للانفتاح العملي والصراع السياسي، ويكون عطاء المواقف ظهيرا لها ومؤكدًا,.
إن تاريخ الجماعة يشير إلى أن الجهود التربوية تضمن سلامة العمل وبعده عن الانحراف، وتساعد على انتقاء الفتن ومعالجة الفتور، فوق كونها من الإرشادات الشرعية، وإنها هي السنة العملية التي سار عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في تكوين أصحابه وتأسيس دولة الإسلام.
سياسية العبادة
وإنما نعنيها بشمولها هذه التربية، فكما أن الممارسة الجماعية والتدريبات العملية وانتصاب القدوات تعتبر جوانب مهمة فيها، فإن العيش في المساجد وتلاوة القرآن الكريم ومجال دراسة الحديث النبوي الشريف ومطالعة كتب التذكير وسماع الوعظ والتلقين تعتبر جوانب أخرى تماثلها في الأهمية أيضًا، أو تمهد لها وتعين على دوام تأثيرها.
هكذا هو الخط الوسط والمقدار الصحيح، وإنما يغفل عنه اثنان جافل من سذاجة دعاة يعزفون عن التدخل السياسي ويبالغون في التربية القاعدة الجامدة، فيخرج إلى تطرف ينكر معه أصل التربية كله، ويقذف لسانه في غمرة الحماسة ألفاظًا غير موزونة.
وجافل من دعاة يستعجلون وضع أنفسهم في محيط السياسة، ويقربون من التهور، فيخرج إلى تطرف مقابل يتحول به إلى مجرد زاهد عابد.
والصواب ليس مع أحد من هذين، بل هو كامن في الشمول، والتدرج، والاقتران الدائم خلال كل المسار بين التربية والتدخل السياسي.
السمت الفذ
وسبب ذلك أن خطتنا ليست ككل الخطط، وإن لعملنا طبيعة فذة يهبها الإيمان له، تجعل مجهودنا يستمد قابلية تأثيره من ميزات ثلاث:
(الميزة الأولى): قدرة الصلاح الحماسة: فإن تخطيطنا يجب أن لا يعتمد فيا نتظار النصر على حجم حشده وقوته فقط، بل أن نجعل مقدار الصلاح الذي نحوزه عاملا أساسيًا، وكلما شاعت الأخلاق الإيمانية الفاضلة فينا وزادت نسبة صفاء القلب وكثر الاستغفار وتوالت التوبة: كانت خطتنا أقرب إلى النصر في التصور الإسلامي، وأجدر بالوصول إلى غايتها.
والمروي في هذا المعني عن السلف شيء متواتر، والمأثور عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يوصي جنده بالتوبة قبل النزال، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: (أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم)، وكان الفضيل بن عياض يقول للمجاهدين إذا أرادوا أن يخرجوا: (عليكم بالتوبة، فإنها ترد عنكم ما لا ترده السيوف)، وإنما نصارع أحزاب الإلحاد اليوم وحكومات الكفر بأعمالنا قبل أن نقاتلهم بفنوننا وشهاداتنا واختصاصاتنا وسلاحنا.
(الميزة الثانية): انعكاس الاختيار الذاتي: فإننا نستطيع توجيه غيرنا متى نجحنا في توجيه أنفسنا نحن معاشرة الدعاة، ولإمام مصر عبد الله بن وهب رحمه الله التفاتة حسنة إلى هذه الظاهرة، وكان يكثر أن يقول: (إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه).
هكذا هما وجهان متقابلان: شرط وعطاء، فالداعية محروم من التأثير في غيره ما لم يكن هو متأثرًا منصبغا بما يدعو إليه، كما أن تمثيله لحقائق دعوته وترجمته لمعاني إيمانه تهبانه قدرة تلقائية على شد المقابل إلى مساواة أو الإحسان في تربيته.
إن جمهورنا سيبني أفكاره وشخصيته، ويحدد أنماط سلوكه مقلدًا لنا ومحاكيًا، وسيسرع فهم دعوتنا إذا فهمناها قبله.
(الميزة الثالثة): حركة أصداء الورع: فإن الداعية إذا ألزم نفسه بالورع، كانت لورعه أصداء يحدث تكررها وترددها تحريكا للناس، ويوضح ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيي بن معاذ من أنك (على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق) ، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا التجميعي منوط بإقبالنا عيه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله، ومن أقبل بقبله على الله تعالى: أقبل بقلوب العباد إليه.
إن الدعاة كثيرا ما يشكون عزوف الناس عنهم والتهاءهم بشكليات عادية يجدونها عند الأحزاب الأخرى، وبالغث لا بالسمين، وباللغو لا بالعلم، وما من شك في أن هذه الظاهرة هي من الجهالة التي قوبل بها الأنبياء عليهم السلام وبعض الصالحين، وإنها صفة متوقعة من الشر، وأنها علامات اقتراب الساعة، ولكن يبدو أن صدود الناس هذه الأيام قد فاق كل صدود سابق، وأن جهالة الناس بلغت حضيضا واطئًا، وأصبح أمر الإصلاح عسيرًا على المقل الماشي في طريق الإيمان بهدوء وبرود، ولابد أن يتصدى المكثر، الراكض، الفائر، ذو الحرارة.
إن للتقوى آثار تشغيل، وبمقدار جديتنا: يكون الناس جديين، ولنا شاهد دائم في أنفسنا، فإننا نتفاوت بين يوم ويوم، وإيماننا يزيد وينقص، فإذا كنا حينا في إيمان جيد: رأينا إقبال الناس علينا، وإذا كان فينا جزر إيماني وقسوة قلب في حين آخر: رأينا قلة جدوى نشاطنا، مع كثرة غدونا ورواحنا، وكل منا قد تعاقبت عليه مثل هذه الأحوال ولمس بنفسه اختلاف مواقف الناس منه، وضوابط إنتاج الجماعة تعتمد في كثير من جوانبها على ضوابط إنتاج الفرد.
صمت المليء
إن هذه الميزات الثلاث تقترب بطابع مهم يطبع التخطيط الإسلامي يمكن أن يسمي: كفاية تعبير الحقيقة، ويكشف عنه قول لأحد السلف كان يلاحظ أنه (ما ادعى أحد قط إلا لخلوه عن الحقائق، ولو تحقق في شيء لنطق عنه الحقيقة، وأغنته عن الدعوى).
فكما أن الفرد إذا ا متلأ: سكت، ونطق عنه حاله، ولم تكن به حاجة إلى دعاية لنفسه، فكذلك جماعة المؤمنين، إذا اتصفت بما تدعو إليه، وانبثت، وأحكمت صفوفها، ووفرت أسباب القوة: أغنتها هذه الحقائق عن الدعوى والمقال، وكان فعلها مغنيا لها عن الوصف أو التهديد، ولست ترى جماعة كثيرة الكلام إلا كان كلامها دليلا على ضعف رصيدها العملي.
إنها حقائق معبرة تتمثل في كل جزء من مفردات الأخلاق تحوزه، وفي كل لبنة من البناء التنظيمي، وفي كل فن من فنون التخصص والخبرة العملية، وتعبيرها يكفي ويغني، وإنما يطيل اللسان ويذكر الأمنيات من لا يملك الشيء، وأما من يملك فإن ملكه يفصح عنه، والناس تشعر بالقوة الحقيقية تلقائيا، ويأسرها النظر، وتتبع الأثر.
رجال يترجمون المقال
ولو أن الدعاة كان منهم انكباب على فقه الدعوة، يتدارسونه ويكتشفونه من مظانه العلمية والتجريبية لكان خيرًا لهم من الادعاء والضوضاء، والذي هو أكثر خيرا لهم وأوجب: أن يوجد في كل حاضرة من حواضر الإسلام دعاة أهل نزوع إلى الجد يترجون بصمت ما في ثنايا فقه الدعوة من اقتراحات إلى ارتباطات وعلاقات وخطط واقعية.
ولابد أن نعلم أن هناك احتمالا دائما ينذر بخطر تحول هذه المعاني إلى مادة تسلية لبعض من يلفهم الفراغ من المنتسبين للدعوة، فيحدوهم الترف إلى حوار متكرر حولها أشبه بالجدل الذي لا يقترن بتطبيق، فيكثر الكلام، ويقل العمل، في عزلة عن حركة المجتمع، أو يميلون إلى التبجح والإعلان، إذ السباق الخفي ماض.
كما أن همم البعض قد تقصر، فيرى بعض الذي ذهبنا إليه أحلاما، وإنها لكذلك عند من لم يصعد عزمه إلى مستوى الأحداث، ولكننا ندري من أنفسنا إننا لم نجنح لخيال أو هذر، ولم نوجب ما هو فوق طاقة البشر، وإن الذي أتينا به ليس هو غير استجابة لنداء الواقع.
إنها أفكار واقتراحات موضوعة للعزائم العالية دون الهابطة، وللقلوب الحرة لا القلوب الواجفة، ولطلاب الآخرة لا للمخلطين في إشارات منع رصد العدو عنها الصراحة، ولكن يفهمها من لذعت مآسي المسلمين قلبه.
يكفي اللبيب إشارة مكتومة وسواه يدعي بالنداء العالي
وماذا يفيد تكديس كراريس تروى تجارب الدعوة إن لم يتلقها عزم وتحتفل بها همة تستدرك وتعوض؟
إذا المرء لم تبدهِك بالحزم كله قريحته: لم تغن عنِك تجاربه
وإذا الداعية لم تكن فيه مبادرة، ولم يكن منه بذلك: لم ينفعه أن نقص ع ليه القصص، أو نقتبس له الخطط.
على أن من الضرورة بمكان أن ينتبه كل داعية إلى أن (المسار) يحاول أن يرسم الصورة النموذجية لعمل الدعوة وتقلبها في المراحل، فهو لم يؤلف على أنه خطة لقطر معين، ولا لفترة معينة، وهذا يعني أن كل قطر يقتبس منه في كل مرحلة ما يناسبه ويليق لظروفه حسب مقدار القوة والكفاية التي يملكها، والقول في ذلك إنما هو قول القيادات، واختياراتها مقدمة ومفضلة على مثالياتنا وأمنياتنا وكلامنا المطلق.