الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

مسالك التوغل

أوهام الجاهليين هي التي تجفلهم عن إسلامنا.

إنهم في حياة صاخبة مضطربة، ولذلك لا يهدأ بهم بال، ويحرمون سكينة كان يمكن لهم خلالها أن يقيسوا أمور الحياة وفق منطق بديهياتها.

إن الإسلام كله خير ومصالح، ولكنهم يجفلون عنه، ويرون فيه أشاء مضادة لمصالحهم، لأنهم ينظرون نظرًا شهوانيا قصيرًا من خلال حاجتهم اليومية وتلبية نداء الرغبات الجامحة.

وأكثر ما نرى من ذلك هو بسبب التشبه بالغرب، إذ الحياة الغربية تلفها غفلة لا تدع الإنسان يخلو مع نفسه ليفكر، بل هو دائما في مشاكل المعيشة وقلق الأفكار، وقد أغرقه الكتاب اليهود وأمثالهم في الجنس والتردي الأخلاقي الملهي، ولذلك تجد بعض البديهيات عندنا محجوبة عن الجاهليين الآخرين الذين يعيشون معنا، مع ما فيها من منطق قوة واضح.

يظنون أن كل قيد يؤدي إلى تعويق، وأحكام الإسلام محددة أبدية، فهي قيد إذن عندهم.

من هنا اختصر إقبال الطريق لهم، فوضعهم أمام محاجة عقلية ظاهرة، مسرعًا دون حاجة إلى مقدمات، فقال في أرجوزة أسرار الذات:

قد سِِرى النجم يؤم المنِزلا               طوع قانون له قد ذلِِِلا

سخر الأفلاك في همتِِِِِه               من ثوى في القيد من شرعته([1])

إنها إشارة رمزية يمثل إقبال الظاهرة النفسية خلالها بالظاهرة الكونية، فالإنسان في قيده هذا يحفظ علوه، كما حفظ النجم علوه واستمراريته وحركته الدائبة بقيود الجاذبيات.

فالجاذبية قيد، لكنه قيد تحريك وتحليق.

هكذا تماما أمر الإسلام، وتقييد الإنسان نفسه بالشريعة لا يحرمه شيئا من حريته، بل يضعه في أفلاك عالية لا يتصورها خيال الملحد والعلماني فضلا عن أن يديانيها.

ولكن الوهم يحرف ويدعو لصدود، ويحمل بعض الحكام – كما يقول ابن القيم- على: (الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة) حتى (قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده) فقال بعضهم: (إذا تعارض العقل والنقل: قدمنا العقل)، وقال آخرون: (إذا تعارض الأثر والقياس: قدمنا القياس)، (وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع: قدمنا السياسية).

(فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه) وهكذا (استند كل قوم إلى ظلم وظلمات آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقاولاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل، والدين وقفا على كل إفساد وتبديل)([2]).

وهذا شأن الإسلام المثلوم تحدث عنه ابن القيم، كإسلام المعتزلة وأصحاب الآراء، إذا حكموا، يأخذون أشياء ويتركون، متأولين بمقدار التعارض الذي يتوهمونه، فكيف بحكم ملحد معاند يدع كل ما هنالك؟

فمن أجل ذلك لم يقبل الله لإسلامه أن يقسم ويناله التجزيء والتبعيض، بل هو بتمامه يحكم أمور الناس، فقال تعالى: (وَالَّذöينَ آتَيْنَاهُمُ الْكöتَابَ يَفْرَحُونَ بöمَا أُنْزöلَ إöلَيْكَ وَمöنَ الأَحْزَابö مَن يُّنْكöرُ بَعْضَهُ قُلْ إöنَّمَا أُمöرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرöكَ بöهö إöلَيْهö أَدْعُو وَإöلَيْهö مَآبö * وَكَذَلöكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبöيًّا وَلَئöنö اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مöنَ الْعöلْمö مَا لَكَ مöنَ اللهö مöن وَلöيٍّ وَلاَ وَاقٍ)([3]).

قال الخطيب الإسكافي، وهو من ثقات العلماء:

(فنهى الله تعالى عن اتباع أهوائهم في البعض مما أ،زل الله عز وجل إليه، وهو الذي ينكره الأحزاب، بما ثبت له من العلم بصحة هذا البعض الذي ينكرونه، كما ثبت له بباقية)([4]).

وتلك دفعة جديدة لدعاة الإسلام، تدفعهم للتوغل في مسالك النشاط والعمل المخطط، مضادة لهذه الأحزاب، في اقتراب حذر من الهدف الثابت، محسوبة سرعته، مهندسة أبعاده.

لقد أصبحت الأعمال الفردية التي يتحمس لها خيار المؤمنين غير كافية، ولا بد من تفكير جماعي وخطط جماعية، وتنفيذ جماعي.

ولقد نشرت الجماعة أشرعتها فانسابت متهادية في محيط العمل، وابتعدت عن الشاطئ الأول، حتى ما يكاد يرى، ويراد لها أن تتوغل بعيدًا.. بعيدًا.

إن الجماعة المتوغلة تنتظرها واجبات عديدة، وميادين نشاط جديدة، في غاية مرحلية علامتها: توسيع التجميع، وتنويع المصادر.

قال: ويأمرون بالصلاة والصدق والعفاف

 الواجب الأول: إصلاح المحيط.

فإن صلاح ونقاء المحيط الاجتماعي العام عامل مساعد للدعاة يعين على إيجاد سكينة لدى الناس يتأملون خلالها صواب منهجنا وينغرس الإنصاف في نفوسهم، فيرون محاسننا.

إن الدعاة أحيانًا تأخذهم فورة الحماسة السياسية، وتشغلهم الموازنات الفكرية وحسنا يفعلون، إلا أنهم لا يجمعون إلى ذلك أنواعا من الكتابات التي تشيع مبادئ الإسلام الأولية، من عقائد وعبادات وسلوك بين عامة الناس، ولا يخلطون بذلك إنبثاثا في مجالات النشاط الاجتماعي والأخلاقي من خلال الجمعيات والنوادي واستغلال بعض المرافق الحكومية التي لها مثل هذا الهدف، ,الملاحظ أن ظلم الحكومات يولد أحيانا ردة فعل عند بعض الدعاة تؤدي بهم إلى تطرف يرفضون معه أعمال الإصلاح.

وذلك خطأ، بل اللائق بنا أن نحرص على كل كلمة خير، وكل فعلة خير، فإن الكلمة الصغيرة والفعلة الهامشية لهما تأثير ترسبي ثقافي وأخلاقي ما يفتأ يكثر، حتى يزداد الراسب الإسلامي تدريجيًا، فيكون وعي الناس آنذاك لدقائق الفكرة أوفر، ويكون فهمهم لابعاد التحليلات التي نطرحها أعمق.

فافرض أن شخصا كان اقتناعه بالإسلام بمقدار 20% فقط، سيقرأ مقالا إسلاميا في جريدة فترتقي نسبة الخير فيه إلى 21%، ثم يسمع خطبة وعظية تعجبه ترفع النسبة إلى 25% ويقرأ كتابا إسلاميًا يجعل النسبة 30%، ثم تحدث مشكلة لابنه مثلا، فينصحه الناصحون بإدخاله مدرسة إسلامية يديرها الدعاة، فيصلحون له ابنه ويلمس أثر الجهد التربوي الذي بذلوه معه، فترتفع نسبة إسلامه إلى 50% دفعة واحدة، أو كانت زوجته تشاكسه، فتصلحها له جمعياتنا النسوية مثلا، ويظل هذا الراسب الإسلامي يزداد حتى يصير صالحا للانتظام مع أنك لم تتصل به مباشرة، ولم تجلس معه في لقاء ثنائي، بل كانت أعمالك سفراء عنك ووكلاء تنوب في إبلاغه مرادك.

إن الإصلاح عمل مهم وإن بدا بسيطًا، وما زال بعض الدعاة يختلف فيه، ويظنون أن واجب  الدعوة هو تكوين الدعاة، ويعتبرون أي عمل لا يؤدي إلى انضمام الشخص للجماعة هو من نافلة العمل، وأن الدعوة لا تخاطب به، بل هو تبذير للجهود في غير محلها، فإما أن يكون من نعمل معه في الصف التنظيمي، وإلا فلا.

إنها طريقة منبثقة من غلو في طريقة التفكير، وهم لا يعرفون كيف تنشأ المعادن، ويظنون أن العمل الفردي يمكن على الدوام.

نعم، إذا وجد الاتصال الفردي بكثافة فقد لا تحتاج إلى الإصلاح العام كثيرًا، إذ تنوب عن ذلك جودة كلامك مع المدعو، وانتصابك قدوة له، ولكن تغطية كل المجتمع أو نصفه أو ربعه بمثل هذا الاتصال أمر صعب، وبالميزان الذي نراه اليوم من تحرك الشعوب يمكننا أن نجزم بأننا لا نستطيع التأثير على الشارع بواسطة الاتصال الفردي فقط، بل لا بد من تدرج، وأن لا نلتزم شرط كون الذي يضغط سياسيا جالسا في الصف معنا، بل حسبنا أننا نقود الطاقات، ونعوض عن الاتصال الفردي بإصلاح المحيط الذي حولنا.

هي خطة متنوعة، تتناول إيجاد كل عمل إسلامي مهما كان صغيرًا، وإجلاء جزئية جاهلية تقابله، ونفترض أن هذا المحيط جاهلي، ونقذفه بجزئيات إسلامية حتى يتشبع ويكتمل.

كمثل ظواهر الفيزياء، كيف أن العلماء يضعون اليورانيوم في الفرن الذري، حتى يتبدل ذرة بعد ذرة، ويكون عنصرا مشعًا قابلا للانفجار إذا بلغ الوزن الحرج المعروف عن أهل الفيزياء النووية. كذلك المحيط الذي حولنا، قد انحرف، ولا نقول أنه جاهلي مائة بالمائة، ولكن البقايا الإسلامية فيه ضامرة ومشتتة، فنريد أن نحل الجزئيات الإسلامية بالتدرج حتى يغدو بعضه على درجة من الإسلام جيدة بحيث لو أراد الضغط إلى الجزء الآخر استطاع دفعه وتكون الغلبة له، أو تركه يتضخم حتى ينفجر ثائرًا.

إن هذه الجزئيات الإسلامية إنما نتوصل لها بكل ما هو من الخير العام، فتحفيظك القرآن لفرد مثلا هو شعبة من ذلك، ولو لم يأت معك أو يبقى كارها لك، بأثر دعاية وشبهات مثارة، إذ ربما سيكون عيشه مع القرآن مدة طويلة متكفلا بفهمه لمواقفنا ولو بعد سنين، وبناؤنا لمسجد هو حفظ لأهل المنطقة التي نبنيه فيها، ولأولادهم، وجلب لمصلين جدد، بينما يتعرض الشاب المصلي لاحتمال ترك الصلاة إذا بقي يؤديها في بيته مدة طويلة إذا لم يجد المسجد القريب، وقس على هذين المثالين. هكذا...

كل خير وبهيِِج وجميِِل                  هو في بيدئنِِا نعم الدليل

حسنه في القلب نور يسطِِع                تجد للآمِِِال منه تطلِع

خلق الحسن نظيِر الأمِِِل                وأدام الحسن نور الأمِِِل([5])

كل كلام بهيج وفعل صغير جميل، وإن لم يكن نقدا سياسيا أو مناقشة فكرية.

إن البديهيات الإسلامية الأولى محجوبة اليوم عن كثير من الناس، طمستها أجهزة الإعلام والتربية المدرسية، على تفاوت بين بلد وبلد، وحسن هذه البديهيات –كما يقول إقبال في هذه الأبيات إذا أشرق في القلوب هو الكفيل ببعث الأمل فيهم وغرس الثقة وإدامتها، وإنما يكون منطلقنا الأساسي في دعوتنا من بعث هذه الثقة في النفوس.

إن هذه المعاني الراقية التي تحكيها هذه الأبيات تدعونا إلى الحرص على كل خير، و على كل جمال يوافق الفطرة، وعلى كل فعلة صغيرة حسنة وإن لم يذكر أنها إسلامية، فاليوم يعيش الناس في بيداء وصحراء جاهلية فعلا، وقد تدل هذه الفعلة إلى الصواب إن موافقة الفطرة تحرك في النفس الأمل بعد التشاؤم، ولا ينبغي أن نظن إن إيجاد هذا الأمل عند الناس هو أمر سهل قياسيا على ما نجد عندنا نحن الدعاة الذين نعيش في رحاب أخوية وسكينة إيمانية، كلا، بل الناس يلفها قلق يدعوها للتشاؤم، وبدأ يشيع فيهم ما يشيع في المجتمع الغربي، وأخذوا بعض سمته، حتى لنجد بيوت بعض أشقائنا جحيما لا يطاق، وبيوتنا وادعة ساكنة.

إن هذا الاضطراب العام لا ينفيه غير الإحساس بالجمال، إذ أنه إذا أحس به: برقت له بارقة أمل يريد أن يصل إليها، فلا يجدد غير المسلمين يوصلونه إليها، فيكون معهم.

ليس هذا كلاما أدبيا أو خيالا رمزيًا، بل التجربة العملية ستعظك بمثله، وإنك ستتمكن من تسيير بعض النفوس معك بمجرد أن تنقلها من الاضطراب إلى السكينة، وهذا النقل هو أعقد عقدة نواجهها، وثق بأن المضطرب سيوازن بإنصاف وسيفهم المعايير الإسلامية بمجرد أن تسكن نفسه.

 

نحفظ العرق النابض

ولقد تسببت قلة الإحاطة بالحاجات المتكاملة لدعوتنا في غرس مفهوم خاطئ لدى بعض الشباب المتحمس، أخذ يتلقى معه الكتابات الإسلامية العامة بفتور ولا مبالاة، فهو لا يرى غير فقه الدعوة والأبواب السياسية والمقارنات الفكرية مادة حرية بالإشاعة والنشر، وينتقص البحوث التي تحاول تبسيط فقه العبادات والمعاملات أو التي تتناول كليات العقيدة.

ولم يصب هؤلاء،  فإن الحاجة شاملة وكما أنهم ينتفعون بكتابات تمدهم بالوعي الحركي، وتعينيهم على محاورة أحزاب الباطل والنجاة من كيدهم، فإن آخرين من المبتدئين ينتفعون من التبسيط والعموميات، ويجهلون البديهيات، وما زال هناك جيل في الأمة أوسع من جيل الدعاة، حجبتهم مناهج التعليم والإعلام عن حقائق الإسلام الرئيسية وأولياته، وينفعهم كل إنتاج جديد في وصفها، ولربما هداهم الوعظ في المعاني الابتدائية التي  تجاوزها الدعاة، فوق ما هنالك من حاجة لها في بلاد أوروبا وأمريكا وعموم المجتمعات غير الإسلامية، فإن موجة الإسلام تتصاعد فيها، ومن المحتمل أن تكثف نسبة المسلمين فيها حتى تكون تيارًا مؤثرا في السياسة والتخطيط الاجتماعي، وقصص الذين أسلموا تدل على أن بعض الكتابات المبسطة قامت بدور حاسم في نقلهم إلى رحاب الإيمان.

فمن هنا وجب على العمل الإسلامي أن يكون واسع الأفق، يساعد ويدخل في خططه نشر الكتب لجميع المستويات، ويفرح بما يصدر عن غير الدعاة من كتب التبسيط، لا يزدريها، بل يرحب أيضًا بما تنشره الإدارات الحكومية من ذلك ووزارات الأوقاف، فإن في كل كلمة خير نفع، ما لم يكن ثم تدليس وتحريف.

وقد تستشيط غضبا لتصرفات بعض المسلمين السائبين، ويحترق قلبك مما ترى من لينهم أو سذاجتهم في طريقة العمل، ولكن هذا الغضب يجب أن يكون من أسرار نفسك، وعليك أن لا تتجاوز بث مشاعرك لصحبك، وأما المصلحة فتقتضي أن ترحب بكل إضافة من قبل هؤلاء للمجهود الإسلامي العام، وتشكرهم وتشجعهم، ما لم تكن مواقفهم موجهة ضد صفك، أو يكون الحاكم قد وضعهم تحت إبطه، فإن الاحتياط عندئذ وارد، وكشف زورهم واجب.

ويدخل في ذلك أيضًا: تحفيظ القرآن، ونشر كراسات تحوى أحاديث صحيحة مختارة، وملخصات فقهية، ورعاية لجان النشاط الديني في المؤسسات والنوادي العامة، وتشجيع الوعاظ لتوسيع نطاق دروسهم، وإشاعة تسجيلات المحاضرات والدروس الإسلامية، وإنشاء المكتبات الإسلامية، مكتبات البيع أو المطالعة، والمساهمة في تحرير زوايا إسلامية في الصحف العامة، وتوفير نصوص مسرحيات وتمثيليات هادفة تستفيد منها الفرق الإذاعية والتلفزيونية، وتدريب فرق مسرحية من الشباب المسلم، إلى ألوان أخرى من النشاط ربما يكتشفها مزيد بحث الدعاة من خلال مؤتمر كالمؤتمرات التي تحدثنا عنها آنفا.

وربما يدخل في هذا النطاق أيضًا: تشجيع المجهود الحكومي العام في تقليل الشر وكبت الرذيلة، كنشاط شرط الآداب، وحملات مكافحة البغاء والخمور والمخدرات، ومطاردة عصابات الإجرام، والحزم تجاه الشباب المتميع.

ويدخل فيها أيضًا: تشجيع الكتاب والباحثين الذين يساهمون في تحقيق ونشر كتب التراث القديم، الإسلامية منها والأدبية، بأن نقترب منهم، ونبدي لهم الاحترام حتى ولو كانوا ضعفاء في الموازين الشرعية، ذلك أن لحملة نشر كتب التراث مساهمة أكيدة في حفظ ما بقي من مقومات شخصية الأمة الإسلامية والإقلال من تأثرها بالأفكار والآداب الأجنبية.

 

إذا حمي الوطيس استيقظت بقايا الهمم

قيد واحد يحد نشاط الدعاة في هذا الإصلاح الاجتماعي العام يتمثل في عدم الإسراف في رصد الجهود له بحيث تؤثر على أصل تربية الدعاة والعمل السياسي الحركي وتضعفه، بل يوجه لهذا الإصلاح الفائض من الجهود ونوعيات من العاملين لا تصلح إلا له، وربما كان بإمكان مجموعة الدعاة الماهرة أن توجه لهذا الإصلاح عناصر فاضلة من المسلمين الأخيار الذين لا يصلحون للانخراط في صفوف الدعوة، أو ممن يرفضون ذل كتخوفا وحذرا، ولعلهم يكونوا أمهر من شباب الدعوة في مثل هذه الأعمال، وبعض هؤلاء له همة الدعاة نفسها أو أعلى منها، ولكن تقدمهم في السن يبرر لهم عدم الانتظام، أو هم في مركز حكومي دقيق أو مكانة اجتماعية خاصة، فتفتيهم من خلال نظر مصلحي بأن يضيفوا خيرهم للمجهود الإسلامي وبذل خدمات معينة قيمة تصب في تيار الدعوة مع ما يعتريك من حذر من الاقتراب منهم، بسبب معصيتهم الأخلاقية أو كسلهم التعبدي، ويكثر ذلك في أيام الصراع مع الإلحاد السافر خاصة، والواجب على الدعاة أن يرحبوا بأعمال هؤلاء، وأن يوسعوا لهم الصدر، ويطيبوا لهم الكلام، لعلها تكون بداية توبة نصوح، وليس من اللازم استغلال مناسبة مشاركتهم لوعظهم بألفاظ صريحة جافة قد يعتبرونا إغلاظا لهم، فليفهم الحياء، ويمنعهم عن تكرار، بل الرفق معهم أفضل، فإنها هي جوارحهم فحسب تضعف أمام مغريات لافسوق، وما زالت حية فيهم القلوب.

وبنفس التبرير نجد مساغًا لإعادة التذكير بوجوب كسر طوق الصعوبة النسية التي تصدنا عن الترحيب بوعظ بعض الوعاظ الذين يؤذون الدعوة عن غير ما خيانة منهم وتبعية للحاكمين، بل عن قصور أو تقليد مذهبي أو حسد لبعض من معنا من أقرانهم، فإن نفوسنا تستكبر ما هم فيه، ولكننا مجبرون على مساعدتهم، لما في مشاركتهم من مساهمة في الإصلاح، إلا إذا رأينا منهم إلحاحًا في نقدنا والنيل منا أثناء دروسهم.

 

الحسابات الواقعية تنقض المثاليات العاطفية

إن هذا الكلام الذي نراه وإياك جميلا يعتبر سذاجة وأنصاف حلول وتمييعا للقضية عند بعض شباب الدعوة الذين يأخذون الإقدام بمجامع قلوبهم، فيتطرفون في الجد، ولربما رأوا هذا الإصلاح انحرافا عن خط الدعوة الأصيل القائم على تغيير المنكر.

ولقد صدق أحبابنا هؤلاء وأخطأوا في آن واحد، فإن تضييق معني الدعوة وحصره في هذا الجانب الإصلاحي العام يعتبر تخليا عن الصراع الفكري السياسي لدعوة مبتدؤها ومنتهاها الإسلام الذي يرتكز على الجهاد والنهي عن المنكر، ولربما تعتبر هذه الخطة الإصلاحية في البلدان ذات الحرية أو التي يحكمها ضعاف الحكام انهزامية تؤثر السلامة والدعة والطريق المريح ونكوبا عن مسيرة الاستدراك الحازم.

ولكن ما ضر الحزم الواعي والأهداف التغيرية أن يظاهرها إصلاح معين، وتهذيب أخلاقي ممهد، وافتعال لظروف مساعدة توجه لها الطاقات الثانوية والعناصر السائبة ورجال الإدارة الحكومية الذين تنبض فيهم عروق إيمانية؟

وفي البلدان ذات الحكم الإرهابي والبطش والتنكيل، ماذا يكون طريق مفتوح للعمل الإسلامي غير مثل هذا الإصلاح الذي يحفظ الأجواء الإسلامية باقية حية ليصار إلى استغلالها بعد مدة حين يزول الإرهاب أو تضعف قبضته؟

إن الطغاة لا يمكنها أن تلاحق كل هذه الجوانب من العمل الإسلامي العام، وإن تمنت ذلك واشتهته، فإن في ملاحقتها له زيادة نفرة الناس عنهم، وتعجيلا بعزلهم التام عن كل الشعب، ثم سقوطهم، وفي هذا ما يوجد أمام الدعاة فرص نشاط عام مهما تجبر ملاحدة الحكام.

وعلى ذلك فإن نسبية صواب الانغماس في أعمال الإصلاح واضحة، لشخص دون شخص، وفي ظرف دون ظرف، وفي بلد دون بلد، والعيب ليس في بذل مثل هذه المساعي القيادية في الإصلاح، بل العيب في الاقتصار عليها وترك ما يظاهرها من العمل التنظيمي الجاد والخطط التغييرية الحازمة.

ليس يثنيك عنها إلا ما يجب لتغيير المنكر من جهد تنظيمي ضابط وتربية حركية للدعاة، بإمكان الحاذق الجمع بين النشاطين ما لم تكن هناك خطة تدليس بالمظاهر الإسلامية من قبل حكومة ظالمة منحرفة مفرطة في حقوق شعبها تواجه معارضة فتلجأ إلى رفع شعار الإسلام مبتغية تطويق المعارضة، فهنا، في مثل هذه الحالة، ينبغي للداعية أن يكون على وعي، فيشارك في شيء ويمتنع عن أشياء، إذ يفترض في الدعوة أن تكون أسبق من كل معارضة أخرى إلى مقاومة الظلم والتفريط بحقوق الأمة، دون أن يعني ذلك ذوبانها في اتجاه المعارضة المتواجدة أو حتمية التحالف معها، لأنها غالبا ما تكون ردة فعل طائشة قريبة من الإلحاد والسلوك الفوضوي، وأشد ضررا على الإسلام من الحكم الظالم القائم، وإنما الطريق الصحيح: التميز في عمل إسلامي ينكر على الطرفين المنحرفين: أنظمة الحكم العرجاء، وردة الفعل الشوهاء.

 

صفاؤنا العقائدي يحدد أبعاد علاقتنا مع أهل البدع

ويقابل ذلك تمييز ثان يجب أن نعيه، يفرض علينا تحديد حجم حماستنا لتأييد التيارات الإسلامية الأخرى المشوبة بروح طائفية، وابتداع، فإن التعاطف المطلق مع مثل هذه التيارات يتعارض مع الأوليات العقائدية التي ابتني عليها وجودنا، فوق أن الشواهد المتعاقبة خلال التاريخ الإسلامي الطويل تحذرك من الثقة التامة بها، لكنها الثقة ذات الحد المتوسط، والتعاطف النسبي.

إن تخطيطنا يرتكز على مجموعة من الموازين العقائدية التي ينبغي أن لا يغفل عنها المخطط المسلم بتاتا، وأن لا يتوسع في التأويل عند إلجاء الضرورة له للأخذ بالرخص، ذلك أن العقيد الإسلامية غير قابلة للتعديل، وإنما هي عقيدة ربانية أنيط بنا التشرف بحملها ودعوة لناس إليها، ليس لنا التنازل عن شيء منها، وتجدر بنا الصلابة في الهر بها، والركون إلى العزيمة في قيادة الناس إلى رحاب معانيها.

إن تأييدنا إنما يكون لمن اقترب من هذه العقيدة الصحيحة التي كان عليها أهل السنة والجماعة وباينوا بها المبتدعة، وعدواتنا تكون لمن أنكرها وجحدها، وما بين الحمل والإنكار درجات من الاقتراب أو الابتعاد تتحدد وفقها أيضًا درجات المعاملة منا لهؤلاء الذين هم بين بين.

قد تختلف تسمية هذه الموازين، ولكن مفادها واضح في مجمل العقيدة وجزئياتها، وكل اعتقاد لا تشهد له آية أو حديث صحيح الإسناد فإنه يعتبر بدعة في الدين وزيادة مردودة.

ومما يروي عن الأستاذ المرشد حسن الهضيبي رحمه الله في معرض رده لبدعة الذين لا يشهدون بالإسلام لمن لا ينتمي إلى الجماعة أنه قال: إن البيعة قد انعقدت لي على أن أسير بالجماعة وفق ما توجبه عقيدة أهل السنة والجماعة، ولذلك فإننا نرفض بدعة هؤلاء تدينا واعتقادًا قبل أن نرفضهم تنظيميًا، أو قريبا من هذا القول. وهو قول صحيح وميزان أساسي من ميوازين الدعوة تؤكده العبارات التي في كتاب (دعاة لا قضاة) ويتبين منه أن للجماعة اختيارا عقائديا معينا تتبع فيه العقيدة المأثورة المعروفة بعقيدة أهل السنة والجماعة، وبموجب هذا الاختيار يمتنع علينا أن نعقد البيعة لمبتدع، أو نجعل حكمه كحكم أنفسنا، مع لزوم أمره بالمعروف، ونهيه عن بدعته، بالحسنى إن كانت بدعته يسيرة، وبالشدة إن كانت بدعته عظيمة، وإن كان يجب علينا من باب آخر: الإقرار له بالإسلام، ونصره على الكافر، وإعانته على من يظلمه وتفضيله على من هو أكثر ضررًا منه، ومدح أفعاله الحسنة وشكره عليها، فعلا فعلا، بتسمية وتمييز دون إطلاق، إضافة إلى ما يجب تنظيميا من تأسيس الصلة به، وزيارته وبأداء النصح له، والتعاون معه في المجالات التي لا خلاف فيها ما لم يتخذ هذه المعاونة ذريعة لنشر بدعته أو تكن هذه المعاونة سببا في رجحان قوته ومركزه على قوة ومركز أصحاب العقيدة الصحيحة، وإذا أدعى تخليه عن البدع التي صرح بها من قبل أو تدل القرائن على تلبسه بها: طالبناه بأن يعلن براءته منها جهارًا، كتابة إن كان كتب من قبل، أو قولا، إن كان فاه بها، أو أن يوجد قرائن معاكسة، ولا يكفي أبدًأ أن ينفي بلسانه في المجالس الثنائية ما خطته يده، إذ التوبة من المعصية تكون بما يناسبها.

إن عنصر الضعف في الاتجاه الطائفي هو في استناده إلى عقيدة كثفت فيها البدع العقائدية والسلوكية بلا إنكار عليها من العلماء المتصدين لقيادته، مع إحالة إلى غيبيات لا تبرر الإيمان بها آيات القرآن الكريم  ولا الأحاديث الصحيحة.

ثم يتضح هذا الضعف مرة ثانية حين تجد الاتجاه الطائفي ينطلق دوما من رغبة في الثأر، وانصباغ بمشاعر حزن وآلام دفينة تترك طابعها على نفسية الطائفي، من تغليب للتشاؤم، دون التفاؤل، والانغلاق دون الانفتاح، وتحديد العلاقة مع الآخرين بناء على سوء الظن دون افتراض البراءة، بل وتحميل كل من ليس منهم وزر أخطاء ارتكبها معادوهم في صدر الإسلام أو في أحقاب قديمة، حتى أنهم ليصنفون الجمهور الأعظم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المرتدين، فما بالك بغيرهم؟

وتستغل الشعوبية هذا الاتجاه في بعض البلدان العربية المختلطة استغلالا كبيرا، وتركب موجته، وإنما ندرك ذلك بالمخالطة الاجتماعية ومراقبة المواقف، وإن لم تكن هناك وثائق مكتوبة، وذلك عنصر ثالث يوجب تقليل حماستك له، فإن الشعوبية ومعاداة العرب منكر شديد، والدارس للتاريخ الإسلامي عامة، ولمحنة الإمام أحمد خاصة، ولأيام صلاح الدين الأيوبيو، يفهم ذلك جيدًا، وفرق ما بين الأخوة الإسلامية مع من يؤاخيك فعلا، وبين آخر تعتمل في داخل نفسه معاني المنافسة، ويحكر المصالح التي يرتادها لبني طائفته فقط دون بقية المسلمين.

إن أغلب من يفرط في ثقته بهذا الاتجاه تعوزهم المعرفة التفصيلية به، عقائديا وتاريخيًا، ولذلك يسارعون إلى تصديق الكلام العام الذي يطرحه قادة هذا الاتجاه، والإنصاف يوجب على هؤلاء الواثقين مثل هذه الدراسة التفصيلية قبل جزمهم بصحة موقفهم منه، مع عدم التعويل على ني مستتر لهذه البدع لا يأخذ طريقه إلى كتبهم المنشورة وصحفهم وخطبهم.

ويخطئ أكبر الخطأ من يفسر كلامنا هذا على أنه دعوة للدخول في معارك مع الاتجاهات الطائفية أو لإهمال كل علاقة معهم، كلا، فإنهم مسلمون من أهل القبلة، والتعايش الاجتماعي معهم يفرض علينا حسن الخلق إزاءهم، وسبق أن أوضحنا ذلك عند وصف الانتقاء الذي يقي المصارع في (المنطلق) السليم، ولكننا ندعوهم إلى كلمة سواء بيننا وبينهم لا يبرر لقاء السياسات أحيانا سكوتنا عها: ألا يعتقدوا ببدع، ولا يضعفوا ثقة، ولا ينغلقوا في عمل، ولا ينصاروا شعوبيا.

نعم، نحن ندعو إلى حذر من الطبيعة الحالية لهم، المنغلقة المتكتمة المستأنسة بالدعة، ولكن يجب علينا أنن حوارهم في نفس الوقت حوارا صريحا هادئا لترك ما تلبسوا به مما نحرص نحن على البراءة منه، ولا يدخل الفرد منهم صفنا إلا بإقراره بمثل ما نقر، ولا يكون التعاون أو التحالف مع جماعاتهم إلا من بعد إعلانهم لمنهج لا يصادم ما عليه جمهور المسلمين من السلف والخلف، كتابة، لا بمجرد تصريح خاص في مجلس مغلق يتخلص من إحراج سؤال، ثم من بعد مرور وقت كاف للاطمئنان على سيطرة هذا المنهج عليهم سلوكا وليس كونه مجرد فذلكة سياسية مؤقتة، وأما قبل ذلك فلا، لا جمودا منا، ولا تعصبا، بل هي العقيدة الصافية المأثورة تفرض علينا ذلك، وما هم عليه لا يدخل ضمن اختلاف الاجتهادات وإن ادعوا دخوله، وفرق ما بين الخلاف الفقهي في فروع العبادات والمعاملات، وبين الخلاف العقائدي، إذا العقيدة أساس الدين، ومن لم ير ذلك من دعاة الإسلام ذلك دليل على أنه لا يعرف ما هم عليه.

إن بعض الدعاة يتوهم شيئا من الطائفية عندنا تقابل طائفية الآخرين حين نسمي أنفسنا أننا أهل السنة والجماعة، ويدعو إلى تنازل من قبلنا يقاب لما ندعوهم إليه من تنازل، أو يتكلم بكلام عام عن أننا ندين بالإسلام فحسب، وما هناك ثم مذهب أو عقيدة خاصة ضمنه.

وليس الذي ذهب إليه هؤلاء الدعاة بصواب أبدًا، فإن عقيدتنا، هي عقيدة الإسلام الصحيحة ليس غير، وإنما و ضع السلف لها هذا الاصطلاح وسموها بأنها عقيدة أهل السنة والجماعة، تمييزا لها عن عقائد طوائف المبتدعة.

وقد يظن بعض الدعاة بأن الجزم بالصواب مسألة نسبية، فكل ذي عقيدة يجزم بأنه الأصح والأقرب إلى الحق، وإن أهل البدع يتعبدون بعقيدتهم، ويرون أنفسهم أنهم على صواب كما نرى أنفسنا، ولذلك يدعو إلى صلح الطرفين، وإلى إقرار متبادل كما دعا إلى تنازل متقابل.

وهذا بدوره خطأ آخر، فإننا لا نصدر عن أراء عقلية حتى نطالب بعدم ادعاء صحة عقيدتنا فقط، وإنما عقيدتنا مأثورات وأخبار مسندة مرفوعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- برواية الثقات العدول، وقد قال الإمام الغزالي أن: "البدع كلها ينبغي أن تحسم أبوابها وتنكر على المبتدعين بدعهم، وإن اعتقدوا الحق). (لأن خطأ معلوم على القطع، بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد)، (ولكن إن انقسم أهل البلد إلى أهل البدعة وأهل السنة، وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة، فليس للآحاد الحسبة في المذاهب إلا بنصب السلطان)([6]).

ولما كان لا يتصور في أغلب بلاد الإسلام اليوم أو كلها وجود سلطان يجد في قلبه ألما لشيوع البدعة، فإن نهي المبتدعة سيتعطل عند مراعاة حرفية مثل أهذا الشرط الفقهي، ولذلك يحور الشرط إلى شرط آخر يتضمن وجوب كون الناهي عن البدعة من أهل العلم الواسع مثلا، أو المكانة الاجتماعية العالية والنبل المعترف به من قبل جمهور الناس، وما إلى ذلك،(فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهم على السنة فلهم الحسبة بغير إذن السلطان)([7]).

والمسلك الصائب أن نعتقد أن الهداية منحة ربانية، قد يمن الله تعالى بها على مجموعة من الشباب ينبغون من بين جمهرة الطائفة ذات البدعة،  فيأخذون يتلمسون الخطأ، ويبرأون بتدرج من البدع والمواقف التاريخية الخاطئة، ويقربون من السنة الصحيحة، ويكونوا تيارًا متميزًا، وإن من الواجب علينا أن نعضد هذه المجموعة ونؤيدها، وأن نبذل لهم الحب والمودة، وربما صار التحالف معها، أو قبلناهم في صفنا، ولكننا لا نجد مساغًا لمثل هذا التعامل مع كل الطائفة إذا بقيت دون هؤلاء المجموعة وهذا التيار على بدعها.

 

المداد الريفي

الواجب الثاني على الرواد المتقدمين في مسالك التوغل: العناية بأهل الأرياف.

فإنهم شطر الناس، ولئن ركز فن الانسباب على الاستعانة بخاصة المثقفين والعمال المهرة وأصحاب مراكز التأثير في الحواضر فإن فن التوغل يجب أن يسند ظهورهم بأبناء الفلاحين، وكانت الدعوة في مصر قد استطاعت أن تتواجد في الريف في وقت مبكر تواجدًا ناجحًا، إلا أن الأقطار الأخرى تشهد تقصيرًا في هذا الباب.

إن المنطق في هذه العناية هو أبعد من مجرد حيازة الفلاح الذي لم تهمل خطة الانسياب ذكره، وإنما هي العناية بالريف باعتبار أن الجيل الجديد من ساكنيه هم رافد مهم من روافد النمو الاجتماعي في المدن، ذلك أن نمط الحياة الحديثة، وانتشار المدارس في القرى، وتسهيل المواصلات، ووصول أجهزة الراديو والترانزستور إلى أعماق الصحراء، فضلا عن الريف، كل ذلك جعل أهمية الشاب الريفي تقارب الحضري، فبعضهم يدخل المدارس المهنية والجامعات ويكثف وجودهم في أجهزة وزارات الدولة ذات الخدمة العامة، التي تتوزع فرعها بعيدًا عن المدن، ويصبح جيل كبير منهم عمالا فنيين، وذلك يعني أنهم يمكن أن يكونوا أصحاب علاقة بالحياة السياسية والفكرية، مع تعفف فطري يفتقده الكثير من شباب المدن، ونخوة وشجاعة، وصدق ووفاء كرم، وبعد عن الترف، ومقدرة على تحمل المشاق، وهي محاسن فريدة تطغي على سلبية السذاجة التي تعتري بعضهم والتي يمكن علاجها بتدريج من خلال توعية وتربية ومواجهة عملية للحياة المدنية.

إنه ربما كانت هناك قلة طموح عند معظم الريفيين بسبب فقرهم، بحيث يرضي أحدهم بأول منزلة يصل إليها كعامل بسيط أو ككاتب أو عسكري صغير، ولا يطمح طموح الحضري للدراسات العليا، ولكن نجد أن مؤشر التطور الحضاري في كثير من البلاد يشير سنة بعد سنة نحو تقربهم من طبيعة أهل المدن، مما يجعلنا ملزمين بالعناية بهم.

*ولأداء هذا الواجب، يمكن أن تقتبس الجماعة من الدعوة السنوسية خطة إنشاء الزوايا مع بعض التعديل إذا اقتضت الظروف، فالزاوية الحديثة يمكن أن تكون مدرسة شرعية في قرية بارزة من مجموعة قرى، تلحق بمسجد، ويكون بها قسم داخلي لسكن طلابها الذين تنتقيهم من أبناء الريف أنفسهم ومن أولاد أشرافهم ورؤسائهم إذا أمكن، مع مكتبة مناسبة، ومستوصف إذا كانت الخدمة الصحية الحكومية ضعيفة، ومزرعة صغيرة وحديقة يساهم الطلاب في زراعتها ومنها يأكلون.

إن بضعة مجمعات على هذا النحو، برئيس من العلماء نشط له لسان، يمكنها أن تحفظ للقبائل والأرياف دينها، وأن تنتقي من خيار أهلها وشبابها من يكونون دعاة ملتزمين، وسمها زاوية أو مركز إسلاميا أو ما شئت.

*وآكد من هذا أن يتجرد بعضا لدعاة لسكني الريف كموظفين دائمين في التعليم الابتدائي، والإرشاد الزراعي، والبريد، والتمريض، وإدارات التعاونيات الزراعية، ومؤسسات المداجن، والثروة الحيوانية، ورقابة المناجم، ومحطات سكك الحديد، وحرس الحدود، وخفر السواحل، وأمثال ذلك، ويتطلب ذلك بعض التضحية والحرمان من مميزات المدن، إلا أن ذلك هين إن شاء الله على من كان أولاده صغارا، ويعذر من كبر أولاده وأصبحوا بحاجة لدخول المدارس المتوسطة والثانوية، وقد تكون أمثال هذه المهن متأخرة في مستواها الوظيفي، قليلة المورد، ولكن لها أهلها، وهناك تعادل في كل المجتمعات في قسمة الأرزاق، ولابد أن تجد من يرضى بالقليل، ولسنا نمنع إخواننا عن فرص وظيفية في المدن أحسن، ولكننا ندعو إلى استغلال وظائف من لا تؤهلهم شهاداتهم أو صحتهم أو ارتباطاتهم العائلية إلا لهذه الوظائف الريفية.

*ومن الممكن أيضًا اقتباس أسلوب جماعة التبليغ الهندية بتأسيس فرق صغيرة ن طلاب المدارس ينتقلون خلال العطلة والإجازة المدرسية إلى الريف شهرًا أو أكثر كل سنة، فرقة لكل مجموعة قرى، لعلها مائة فرقة في البلد الواسع، يتم توزيعها بدقة وفق خارطة، يختلطون بالمجتمع الفلاحي، يمحون الأمية، ويعظونهم، ويطببونهم، ويصلحون مساجدهم أو يعينونهم على بناء مساجد صغيرة، ويقيمون صداقات وعلاقات.

هذا مع لزوم إبلاغ الداعية الذاهب إلى القرى بأعرافهم وطبائعهم وآدابهم، ألا يتجاوزها فينفرون منه، إذا قد تكون بعض صغائر أهل المدن كبائر عند أهل الأرياف، وكذلك تعليمه أنسابهم، كي يميز أسرار بعض الروابط القبلية.

*ويعود الحديث هنا مرة أخرى عن النسبية في أداء هذا الواجب، إذا يجب أن لا ينسي داعية نفسه فتأخذه الحماسة عند كلامنا عن ضرورة العمل في الأرياف والبوادي فيندفع لذلك، كأن ليس هناك مجال غيره، كما يندفع بعضهم للعمل الإصلاحي بكليته لما صار الكلام عنه، وآخرين يندفعون لمجالات أخرى، بل الطاقات محدودة، والمجالات عديدة، و على رعايتنا وخططنا أن تكون متوازنة واقعية، لا يطغى فيها جانب على آخر إلا بمقدار ما يقتضيه المنطق وما هناك من مبررات للتفاضل.

ولا شك أن بعض الحكومات، والحزبية منها خاصة، تضييق على دعاة الإسلام هذا المجال في العمل الريفي كما تضيق العمل الإصلاحي العام، ولكن مازال الاستدراك ممكنا في كثير من البلاد التي فيها بقية حرية، ولعل الحكومات المتجبرة غير قادرة على منعك كل المنع من مثل هذا النشاط، فإن توالي احتكاكها بدعاة الإسلام وضغطها على الناس قد يولد لها كراهية تحاول تجنبها ابتداء، فتدعك في توغلك مرغمة.

والعائق الأكبر في هذه العملية ليست الحكومات، كما جربنا بل عبء الضيافة والخدمة الذي يتراكم على عاتق الداعية إذا تكرر توغله في القرى، فإن علاقاته مع أبنائها تجعله شبه وكيل لهم في مراجعاتهم المدنية، ولربما يلهونه في قضاياهم مع المحاكم ودوائر الدولة ومراجعة المستشفيات، من حيث أراد هو نفع الدعوة، لأنهم إذا وردوا المدينة لا يعرفون أين يذهبون، فتبرد فورته، ويزهد بهذا العمل، غير بخيل ولا لئيم ولا ضيق صدر، وحاشاه، بل استغلالا لجهده في موطن يغنم فيه للدعوة بلا مغارم.

إن الحضري واسع العلاقات والأعمال اليومية، وهذه الضيافة تشغله عن مواعيده وأعماله الرتيبة، ولا يشعر بها الريفي لضيق دائرة تحركه، ولذلك نرى قلة من يصمد من الدعاة في ع مل مع القرويين، ولعل إنشاء غرفة للضيافة ملحقة بالجمعيات الإسلامية التي نديرها تخفف الثقل عن الدعاة وتجعل فيها شجاعة على مواصلة عملهم الريفي، وأهم من ذلك: تخصيص داعية في كل مدينة من غير المسؤولين يعين القرويين في مراجعاتهم المدنية المذكورة، ينوب عن بقية الدعاة في مزاملتهم والذهاب معهم إلى دوائر الدولة والمستشفيات ويقضي لهم مرادهم، ويقال له أنه بعمله هذا المرهق يساعد على إنجاح خطتنا في نشر الدعوة في الأرياف.

 

تدوين دليل السياحة الخضراء

ولعل أجزل الفوائد تكمن في تدوين كل فرقة عمل لتجربتها، ثم استخلاص بحث من تجارب الجميع، يدمج بتجارب الزوايا، ويوسع باقتباسات من تجارب العمل الريفي في الأقطار الأخرى، فيكون كتابا في هذا الفن يعين على حل المشكلات ويدل على حسن الاستغلال ويصف المداخل والمخارج، ولربما كانت ضرورة عقد مؤتمر لبحث خطة العمل الريفي ليست أقل من ضرورات المؤتمرات الأخرى.

هكذا، نحب ونفضل مؤتمرا ومدونة تجريبية لكل لون من النشاط ومجال، ونعلم أن ذلك يقتضي جهدا ليس بقليل، ولكن إن فرغنا لمتابعة هذه المؤتمرات ولتدوين هذه الدروس الواقعية داعية من الوزن القيادي لا نرهقه بإدارة ونشاط في قطاع معين خاص، فإن المردود وسيكون كبيرا إن شاء الله، فقد يكون هناك ضرر ينتج عن تجميده عن أخذ دوره في العمل اليومي للجماعة، مربيا أو مجمعا أو منظمًا، ولكن الفوائد التي ستتمثل في ارتفاع المستوى التنفيذي لدى جميع الدعاة ستكون أوفر، وتلك بديهية لا جدال فيها عند من عرف أساليب الإدارة الحديثة.

 

إنهن شقائق الرجال..!

الواجب الثالث: العناية بالنساء.

فإنهن شطر المجتمع أيضًا، وتزداد تأثيراتهن في الحياة المعاصرة، ويف سلك التعليم بخاصة.

وقد تنطلق هذه العناية من واجب صيانتهن وتربيتهن والمحافظة على أخلاقهن والحجاب، أو من باب توفير زوجات صالحات لهذا السواد الواسع من الشباب المنغمس في الدعوة، أو الدوائر في أفلاكها، يحفظن غيبهم، ويصبرن على انقطاع أزواجهن للعمل، ويتلقين محنهم بصدر رحب غير ضجر، ويربين الأولاد وفق أسس تربوية إسلامية سليمة.

تلك منطلقات صحيحة، ولكن العمل النسائي يراد له أيضًا أن يكون رديفا معينا في التنفيذ لجوانب كثيرة من خطط الدعوة يصلحن لها، من أظهرها: المشاركة الصحفية والأدبية، والبحث الفقهي والتاريخي، بل في كافة العلوم، وأعمال المراسلة والإحصاء، ورعاية عوائل السجناء وعموما لحاجات، أيام المحن، ومن الممكن أن نوجه خريجات الجامعة خاصة لمثل هذه الأعمال.

إن الأحزاب الأخرى سبقتنا في ذلك سبقا، يساعدها على ذلك إباحة الاختلاط عندهم والسفور، وتمنعنا الحدود الشرعية من استثمار الكثير من جهد النساء الذي تستخدمه الأحزاب، ولكن ذلك لا يعني انغلاق كل المجالات أمامنا، بل فيما ذكرنا من أبواب الإعانة بركة وطاقة مضافة لجهود الدعاة، ولا يجوز أن تحجبنا الأعراف الزائدة على مقدار الواجب الشرعي عن مباحات من مجالات المساهمة النسائية في الخطط العامة أو إظهار أسمائهن الصريحة في المجتمع، أديبات وصحفيات ومؤرخات ومحصيات ومحللات للتطورات السياسية، طالما أنهن يتحجبن ويتعففن ويؤدين مساهمتهن من خلال تنظيمهن الخاص البعيد عن الاختلاط بالرجال، وعن طريق جمعياتهن ونواديهن.

ولعلك عرفت طريقتنا، فلم تعد بحاجة إلى تنبيهك إلى ضرورة مؤتمر يحصي أبواب العمل التي تطرقها المرأة المسلمة ويوضحها، أو الدراسات التجريبية التي تروي من خلالها الداعيات قصصهن.. ولست بحاجة أيضًا إلى وعظك بالنسبية وكبح جماع حماستك الزائدة لترجع إلى صرف موزون للطاقة يراعى جميع الحاجات.

 

صولات أبناء العفراء

الواجب الرابع: بناء حركة الناشئة الإسلامية.

فإن الناشئة م المورد الرئيس للنوعية الصلبة المتفانية من الدعاة، إذا لا يبرأ كبير السن من نوع أو أنواع من السلبيات التي أكسبته إياها حياته الأولى قبل تعرفه على الدعاة، أما الناشئ فكله محاسن، ,كله حيوية، وتصبر عليه سنوات قليلة فإذا هو الرجل الكامل، المقدار المثابر، وما نظن أن بنا حاجة لتكرار البديهيات التي تقنعك بالعمل معهم وتذكرك أنهم أغصان طرية.

لسنا نعني الصغير الذي يتعب، وإلا لتحولت الدعوة إلى رياض أطفال، وإنما هم الذين ناهزوا الحلم، تنتقي منهم العفيف المؤدب، الاجتماعي المخالط، الرياضي المتحرك، المجد في دراسته، فتحبب لهم لزوم المسجد، وتحفظهم أجزاء من القرآن ومختارات من الحديث الصحيح وتدعهم يتبارون في فرق ألعاب، ويتقنون الجودو والكاراتيه، وترحل بهم إلى الضواحي الخضراء وأماكن الآثار، كل ذلك في مجتمع خاص بهم برعاية عقلاء أمناء يعلمونهم الإخاء والفتوة، حتى إذا رشد أحدهم وكان على أبواب الجامعة أو الاستقلال بمهنة أو الانخراط في مصنع: وجدته داعية وافر الفقه والحياة والنشاط، دون هواجس تساورك نحوه.

يبدو أنه يراد لنا تصور بعيد لدور الناشئة وإنشاء حركة لهم ننتقي منها دون الاكتفاء بالعمل مع المجاميع الجزئية التي تضمها المساجد، بل نبني مثل حركة الكشافة، ونفرغ لهم جهاز مسؤولين متخصصين يرسمون لحركة الناشئة الإسلامية فنونها وأذواقها وطرائقها الموحدة، ونعتقد أننا نستطيع شكلا مصغرًا مما تفعله الحكومات، وربما صعب ذلك أو استحال الآن في بعض البلاد ذات الحكم الإرهابي الحزبي، لكنه ما زال ممكنا في بلاد أخرى.

إن الشروع المبكر برعاية الناشئة يعتبر الضمانة الكبرى لحصول الدعوة على الجيل التنفيذي للمرحلة الأخيرة بعد التثاقل الطبيعي الذي يصيب كبار السن من الدعاة لمختلف الأسباب.

وإنها حاجة الدعوة فعلا إلى جيل مقدام من الناشئة، خفيف التبعات، سريع الخطوات، تائق إلى روضات الجنات.

أنعم به وأكرم... ثم أنعم.

 



([1]) ديوان الأسرار والرموز/ 38.

([2]) نقول من مدارج السالكين 2/70.

([3]) سورة الرعد: 36/37.

([4])درة التنزيل وغرة التأويل/27.

([5]) لإقبال في ديوان الأسرار والرموز /32.

([6]) إحياء علوم الدين 2/327.

([7]) إحياء علوم الدين 2/327.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error