غير أن المرأة المسلمة لم تبق على ما كانت عليه قابعة في بيت الزوجية تتفرغ لشؤون زوجها وأولادها، بل أخذت – بتأثير الحضارة الغربية – أو أخذ المقتنعون باتجاه الحضارة الغربية في قضية المرأة يطالبون لها بأن تنال حقوقاً سياسية كالرجل، وأخيراً حصلت في بلادنا على حق الانتخاب وحق الترشيح للنيابة في المجالس النيابية. وأريد أن أسجل هنا للتاريخ أن هذين الحقين لم تنلهما المرأة بإرادة الشعب الحرة، وإنما نالتهما في غيبة الحياة النيابية وقيام الانقلابات العسكرية، أو الحكم الفردي المستبد. وأيا ما كان فقد أصبح من حقها أن تنتخب وأن تُنتخب، فما هو موقف الاسلام من ذلك؟
حق الانتخابات
كان أول مرة أعطيت فيها المرأة في بلادنا حق الانتخاب في عام 1949 وفي عهد حسني الزعيم إثر إنقلابه المعروف، فقد صدر في عهده قانون جديد للانتخاب أعطيت فيه المرأة حق الانتخاب، وقد فرض هذا القانون على الأمة فرضاً. ولما قامت الجمعية التأسيسية في ذلك العام وبدأ بوضع الدستور، رأينا بعد المناقشة وتقليب وجهات النظر أن الاسلام لا يمنع من اعطاء هذا الحق، فالانتخاب هو اختيار الأمة لوكلاء ينوبون عنها في التشريع ومراقبة الحكومة، فعملية الانتخاب عملية توكيل، يذهب الشخص الى مركز الاقتراع فيدلي بصوته فيمن يختارهم وكلاء عنه في المجلس النيابي يتكلمون باسمه ويدافعون عن حقوقه، والمرأة في الاسلام ليست ممنوعة من أن توكل إنساناً بالدفاع عن حقوقها والتعبير عن إرادتها كمواطنة في المجتمع، وكان المحظور الوحيد في إعطاء المرأة حق الانتخاب هو أن تختلط بالرجال أثناء التصويت والاقتراع، فيقع ما يحرمه الاسلام من الاختلاط والتعرض للمحصنات وكشف ما أمر الله به أن يستر. وقد تقرر دفعاً لذلك المحظور أن يجعل لهن مراكز للاقتراع خاصة بهن، فتذهب المرأة وتؤدي واجبها ثم تعود الى بيتها دون أن تختلط بالرجال أو تقع في المحرمات. وتقرر في الدستور الذي أصدرناه عام 1950 حق المرأة في الانتخاب فقط، ثم جاء عهد الوحدة، فصدر قانون بإرادة الحاكم الفرد يعطي المرأة حق الترشيح للنيابة، ومع أن عدداً من النساء قد رشحن أنفسهن للانتخابات بعد ذلك إلا أن واحدة منهن لم تنجح لأن الأمة لم تقتنع بعد بفائدة نيابة المرأة واشتغالها بالسياسة، وقد كان فرض منهن عدد في مجلس الأمة أيام الوحدة لم يكن للشعب نفسه رأي في اختيارهن ولا نيابتهن.
حق النيابة
وإذا كانت مبادئ الاسلام لا تمنع أن تكون المرأة ناخبة، فهل تمنع أن تكون نائبة؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال يجب أن نعرف طبيعة النيابة عن الأمة انها لا تخلو من عملين رئيسين:
1- التشريع: تشريع القوانين والأنظمة.
2- المراقبة: مراقبة السلطة التنفيذية في تصرفاتها وأعمالها.
أما التشريع فليس في الاسلام ما يمنع أن تكون المرأة مشرعة، لأن التشريع يحتاج قبل كل شيء الى العلم مع معرفة حاجات المجتمع وضروراته التي لا بد منها والاسلام يعطي حق العلم للرجل والمرأة على السواء، وفي تاريخنا كثير من العالمات في الحديث والفقه والأدب وغير ذلك. وأما مراقبة السلطة التنفيذية فإنه لا يخلو من أن يكون أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، والرجل والمرأة في ذلك سواء في نظر الاسلام، يقول الله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}. وعلى هذا فليس في نصوص الاسلام الصريحة ما يسلب المرأة أهليتها للعمل النيابي كتشريع ومراقبة. ولكننا اذا نظرنا إلى الأمر من ناحية أخرى نجد مبادئ الاسلام وقواعده تحول بينها وبين استعمالها هذا الحق – لا لعدم أهليتها – بل لأمور تتعلق بالمصلحة الاجتماعية. فرعاية الأسرة توجب على المرأة أن تتفرغ لها ولا تشتغل بشيء عنها. واختلاط المرأة بالأجانب عنها محرم في الاسلام – وبخاصة الخلوة مع الأجنبي. وكشف المرأة من غير ما سمح الله بكشفه وهو الوجه واليدان محرم في الاسلام. وسفر المرأة وحدها خارج بلدتها دون أن يكون معها محرم منها لا يبيحه الاسلام. وهذه الأمور الأربعة التي تؤكدها نصوص الاسلام تجعل من العسير – إن لم يكن من المستحيل – على المرأة أن تمارس النيابة في ظلها ففي النيابة ترك للبيت خلال أكثر النهار والليل، وفيها اختلاط بالنواب في غير قاعة المجلس النيابي، وفيها تضطر المرأة أن تكشف ما حرم الله اظهاره من زينتها وجسمها، وفيها سفرها خارج بلدتها – اذا كانت من مدينة غير العاصمة – وليس معها أحد من محارمها، وقد تسافر الى مؤتمرات برلمانية في دول أجنبية. مثل هذه المحرمات لا يجرؤ مسلم أن يقول بإباحتها، فالمرأة إن كانت بحسب أهليتها لا يمنعها الاسلام من النيابة، ولكنها بحسب طبيعة النيابة وما يقتضيها ستقع في محرمات يمنعها الاسلام منها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، نرى الاسلام يجعل للمصلحة العامة الاعتبار الأول في تشريعه، فما كانت تقتضيه المصلحة أباحه، وما لا تقتضيه المصلحة منعه أو حذر منه. وإذا أردنا أن نناقش نيابة المرأة من حيث المصلحة العامة نرى مضارها أكثر من فوائدها.
فمن مضارها إهمال البيت وإهمال شؤون الاولاد، ومن ذلك ادخال الخصومات الحزبية الى بيتها وأولادها، وقد قرأنا في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة أن زوجة قتلت زوجها لأنها كانت تتحمس لمرشح غير مرشح الحزب الذي ينتمي اليه الزوج. واشتغال المرأة بالسياسة من المشكلات التي لا ينكرها منصف، فهي عاطفية وتتأثر بالدعاية الى حد كبير، وللجمال والذوق أثر كبير فيمن تختاره من المرشحين. ونضيف الى ذلك احتمال أن تكون هي جميلة، فتستعمل جمالها سلاحاً لاقناع الرجال بانتخابها، ومن عانى الدعايات الانتخابية وعناء المرشحين في الطواف على بيوت الناخبين وأحيائهم وقراهم، ومواصلتهم سهر الليل بعمل النهار، أدرك أي شقاء وتعب وهموم ستتعرض لها المرأة المرشحة. أنا لا أريد أن أذكر الناس بما جرى في الانتخابات التكميلية سنة 1957 في مراكز اقتراع النساء في دمشق – من شد شعور بعضن لبعض واتهام بعض المتحمسات لأحد المرشحين، لكرائم السيدات بتهم تأنف من سماعها المروءات، وما كان من هجوم بعضهن على بعض وضربهن بالأحذية، والاستنجاد بالشرطة، مما جعل المتحمسين لاشتغال المرأة عندنا بالسياسة يندمون على موقفهم – أنا لا أريد أن أذكر الناس بتفاصيل ما وقع، ولكني أريد أن أذكر السيدات اللاتي يحسبن النيابة أمراً هيناً، بأن الحكم بالأشغال الشاقة أهون مما يجب على المرشح أن يقوم به من استرضاء لخواطر الناخبين وتردد عليهم وتزلف لهم، فهل تتحمل طبيعة المرأة هذا؟ أم تحسب أن مجرد ترشيحها نفسها كاف لنجاحها؟ ثم ماذا نفعل بالأمومة؟ هل نحرم النائبة أن تكون أما؟ وذلك ظلم لفطرتها وغريزتها وظلم للمجتمع نفسه، أم نسمح لها بذلك على أن تتقطع عن عملها النيابي مدة ثلاثة أشهر كما تفعل المدرسات والموظفات؟ وهل نسمح لها أن تقطع أيام "الوحم" وقد تمتد شهرين فأكثر، وطبيعة المرأة في تلك الأيام طبيعة غير هادئة ولا هانئة، بل تكون عصبية المزاج، تكره كل شيء؟ فماذا بقي لها بعد ذلك من أيام العمل الخالصة وقد تكون الدورة البرلمانية خلال هذه الأشهرالتي تنقطع فيها عن العمل الخارجي؟ أنا لا أفهم ما هي الفائدة التي تجنيها الأمة من نجاح بضعة مرشحات في النيابة: أيفعلن ما لا يستطيع الرجال أن يفعلوه؟ أيحللن من المشاكل ما يعجز الرجال عن حلها؟ ألأجل أن يطالبن بحقوقهن؟ إن كانت حقوقاً كفلها الاسلام فكل رجل مطالب بالدفاع عنها وإن كانت حقوقا لا يقرها الاسلام. فلن تستجيب الأمة لهن وهي تحترم دينها وعقائدها.
يقولون: إن الفائدة من ذلك إثبات كرامة المرأة وشعور المرأة بانسانيتها!....
ونحن نسأل: هل إذا منعن من ذلك كان دليلاً على أن لا كرامة لهن ولا انسانية؟...
أفليس في قوانيننا القائمة مواطنون منعهم القانون من الاشتغال بالسياسة كأفراد الجيش مثلاً؟ فهل يعني منعهم من حق الاشتغال بالسياسة أنهم دون المواطنين كرامة وإنسانية؟
أليست قوانيننا تمنع الموظف من الاشتغال بالتجارة؟ فهل يعني ذلك أنه فاقد الأهلية أو ناقصها؟
إن مصلحة الأمة قد تقضي تخصيص فئات منها بعمل لا تزاول غيره، وليس في ذلك غض من كرامتها، أو انتقاص من حقوقها، فلماذا لا يكون عدم السماح للمرأة بالاشتغال بالسياسة هو من قبيل المصالح التي تقتضيها سعادة الامة كما تقتضي تفرغ الجندي لحراسة الوطن دون اشتغاله بالسياسة؟ وهل تفرغ الأم لواجب الأمومة أقل خطراً في المجتمع من تفرغ الجندي للحراسة، وتفرغ الموظف للادارة دون التجارة؟
كلمة صريحة:
لنكن صريحين في معالجة هذا الموضوع، فأنا لا يخيفني أن أتهم بالجمود والرجعية وعداوة المرأة بمقدار ما يهمني أن أذكر آرائي بكل حرية وأن أنبه أمتي الى الاخطاء. لقد وفدت الينا عدوى اشتغال المرأة بالسياسة من الغرب، ومع أن الغرب لم يعط هذا الحق للمرأة إلا بعد مئات السنين من نهضته، نحب أن نتساءل: ماذا كانت نتيجة هذه التجربة عند الغربيين؟
إن أول شيء يبدو للمتتبع لهذه القضية تناقص عدد النائبات سنة عن سنة، ومعنى ذلك أن الغربي بدأ يشعر بعد التجربة أن إعطاء المرأة حق الاشتغال بالسياسة لا فائدة منه إن لم يكن قد عمل على تفكك الأسرة، أو أن المرأة نفسها أصبحت عازفة عن الاشتغال بالسياسة والنيابة عن الشعب.
وثاني الملاحظات – وقد زرت أوروبا أربع مرات أقمت في بلادها بضعة شهور – أني لم أحس أبداً بأثر المرأة الغربية في السياسة عندهم بوجه عام، وفي المجالس النيابة بوجه خاص، ولقد زرت مرة مجلس العموم البريطاني وحضرت جلسة طويلة من جلساته، فلم أشاهد نائبة واحدة من نائباته، بل كن كلهن غائبات!...
وثالث الملاحظات، أن المرأة السويسرية ما تزال حتى الآن ترفض باختيارها أن تمارس حقها السياسي، وفي كل مرة تستفتى في هذا الموضوع يكون جواب 95% منهن رفض الاشتغال بالسياسة، هذا مع العلم بأن سويسرا من أرقى بلاد العالم الحديث، ونساءها لا يتهمن بالجمود والرجعية والرضى بالقيود والأغلال! كما يحلو لبعض المتمردات عندنا أن يتهمن زميلاتهن اللاتي يعلن عن رفضهن للإشتغال بالسياسة...
ولذلك فإني أعلن بكل صراحة أن اشتغال المرأة بالسياسة يقف الاسلام منه موقف النفور الشديد إن لم أقل موقف التحريم – لا لعدم أهلية المرأة لذلك – بل للأضرار الاجتماعية التي تنشأ عنه، وللمخالفات الصريحة لآداب الاسلام وأخلاقه، وللجناية البالغة على سلامة الأسرة وتماسكها، وانصراف المرأة عن معالجة شؤونها بكل هدوء وطمأنينة.