الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المرأة بين الفقه والقانون
المؤلف: مصطفى السباعي
التصنيف: قضايا الشباب
 

محتويات الكتاب

في الشؤون الاجتماعية - حق التوظف - العمل - الإختلاط

 كانت المرأة عندنا في العصور الأخيرة محرومة من التعليم، مع أن الاسلام يحث على العلم ويرغب فيه الرجال والنساء على السواء، وليس فيه نص واحد صحيح يحرم على المرأة أن تتعلم، وقد قلت إن في تاريخنا مئات العالمات والأدبيات والمحدثات ممن شهرن بذلك ودونت سيرتهن في كتب التراجم. وتحضرني الآن سيرة فاطمة بنت الشيخ علاء الدين السمرقندي الفقيه الحنفي الكبير صاحب تحفة الفقهاء (المتوفي عام 539 هِ) فقد كانت فقيهة جليلة، تزوجها تلميذ أبيها الشيخ علاء الدين الكاساني (المتوفي 587 هِ) صاحب البدائع الذي بسط فيه كتاب شيخه السمرقندي حتى قيل عنه شرح تحفته وزوجه ابنته، وكانت فاطمة من جلالتها في الفقه ان كان زوجها يخطيء فترده الى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب البدائع كانت الفتوى تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها. ومما لا ريب فيه أن لجهل المرأة المسلمة في العصور الأخيرة أثراً في تأخر المسلمين، فالأمهات الجاهلات ينجبن أبناء جاهلين خاملين. لذلك كان من النهضة المحمودة أن يفتح للفتاة باب التعليم وأن تكثر فينا الزوجات المتعلمات والأمهات المتعلمات. وكل ما نلاحظه على تعليم الفتاة أنها كانت تدرس نفس المناهج والدروس التي يدرسها الفتى، وهذا خطأ بالغ، فان الفتاة تحتاج في حياتها العملية بعد التخرج الى ما لا يحتاج اليه الفتى، فهي مهيئة بفطرتها وخلقتها لتكون زوجة وأما "ومن ثم فمن الواجب أن تتعلما ما يفيدها في حياتها المقبلة، وقد انشئت في البلاد مدارس لتعلم الفنون النسوية، ومن الخير أن نكثر مثل هذه المدارس وأن تطعم مناهج الدراسة للبنات بقسط أكبر من أصول التربية المنزلية لتكون لها من الخبرة ما يساعدها على النجاح في حياتها المرتقبة.

***

 

2- حق التوظف

 

قلت فيما سبق إن الاسلام نص بصراحة على منع تولي المرأة رئاسة الدولة وبينت الحكمة في ذلك، ثم قلت ويلحق برئاسة الدولة كل ما كان بمعناها في تحمل المسؤوليات الخطيرة. أما سائر الوظائف الأخرى فليس في الاسلام ما يمنع المرأة من توليها لكمال أهليتها، ولكن يجب أن يتم ذلك وفق مبادئ الإسلام وأخلاقه. فلا يصح أن تكون الوظيفة معطلة لعمل الأم في بيتها وإشرافها على شؤون بيتها. ولا يصح أن تختلط الموظفة بالرجال وتبدي من جسمها مالا يجوز كشفه. ولا يصح أن تكون الموظفة في غرفة واحدة مع موظف أو أكثر من الرجال لئلا تتم الخلوة التي يحذر منها الشارع أشد تحذير. هذا من الناحية الشرعية، أما من الوجهة الاجتماعية فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن توظيف المرأة في وظائف الدولة يزاحم الرجال في ميدان عملهم الطبيعي، ومن المشاهد أنه في الوقت الذي تزدحم فيه دوائر الحكومة عندنا بالموظفات، نرى العديدين من المتعلمين حملة الشهادات العليا يتسكعون في الطرقات، أو يملؤون المقاهي جالسين طيلة النهار إذ لا يجدون لهم عملاً في دوائر الحكومة. إن توظيف المرأة بدلاً من الرجل عمل لا تبرره المصلحة، فلو كنا نشكو قلة الأكفاء من الرجال لملء وظائف الدولة لجاز أن يبرر ذلك توظيف المرأة، أما أن نخرج المرأة من بيتها ونأتي بها الى دواوين الدولة، ثم نطرد الشاب من مكانه الطبيعي في دواوين الدولة، ونرده الى البيت أو المقهى أو الشارع. فهذا قلب للأوضاع، وإفساد للمجتمع، وسير بقافلة البلاد الى طريق الفوضى والأزمات.

ومن الملاحظ أن بعض دواوين الدولة عندنا تكاد تكون كلها من النساء، وحسبك أن تقف على بابها عند انتهاء الدوام الرسمي، ثم تنظر أفواج الفتيات وهن خارجات من وظائفهن، فيروعك ما ترى وما تشهد. وقد أصبح من المؤكد أن المرأة في الوظيفة لا تكاد تؤدي نصف عمل الرجل، وقد أذاع بذلك بيانا رئيس دائرة موظفي الدولة في مصر في العام الماضي، وفيه يؤكد هذه الحقيقة، وقد تأكد أيضاً أن الموظفة إن اجتمعت بموظفة مثلها أمضت كثيرا من الوقت في كلام عاطفي لا علاقة له بالوظيفة ولا يمت إلى مصلحة البلاد بسبب. ومن هنا عدلت كثير من الدوائر عندنا عن توظيف المرأة بعد أن كانت تشجع على ذلك، فهنا مؤسسة من أهم مؤسسات الدولة فائدة، وقد أوقفت منذ سنوات توظيف فتيات عندها بعد ما ثبت لها أن الرجل أكثر انتاجا. وقد امتنعت وزارة الخارجية في عهد الوحدة من توظيف النساء في دوائرها بعد ما ثبت لها أن لا فائدة من ذلك الدولة سوى إنفاق الأموال وضياع الأوقات سدى. وإذا أضفنا الى ذلك ما ينشأ من العلاقات العاطفية بين الفتاة الموظفة وبين الرجل الموظف الذي يكون معها في غرفة واحدة، وقد يكون متزوجا وأبا لعدة أولاد. وقد كثرت الشكوى من ذلك على صفحات الصحف، إذا أضفنا هذا الى ما سبق أيقن أنه لا داعي للإكثار من توظيف النساء في دوائر الدولة إلا تقليد الغربيين، ومحاولة إثبات تقدمنا وتطورنا مما يرفع شأننا في نظرهم!.. والواقع أن هذا التفكير ساذج يدعو الى الاستغراب الشديد، فرقي الأمة واحترام الدول لها لا يكون بطرد الشبان من وظائف الدولة، وإحلال الفتيات محلهم، وإنما يكون بمبلغ ما تصل اليه الأمة من وعي، وما تتصف به من نشاط وما تطمح إليه من آمال، وما تملكه من قوة... فهل يؤدي الى هذا كله توظيف النساء في مؤسسات الدولة؟ هذا سؤال نحيله الى المتحمسين لتوظيف السيدات والفتيات منهن خاصة، من رؤساء بعض المؤسسات الحكومية؟ إن المرأة تستطيع أن تفيد كثيراً في بعض مؤسسات الدولة، كالمستشفيات ومدارس الأطفال، والمدارس الإعدادية والثانوية للبنات، وفي مختلف نواحي النشاط الاجتماعي الذي تنجح فيه نجاحا كبيراً، وهذا ما يدعونا الى الاهابة بالمسؤولين أن لا يفتحوا باب التوظيف للمرأة على مصراعيه، بل يقتصروا فيه على ما لا ينجح فيه إلا المرأة وما تنجح فيه أكثر من الرجل. وهذا ميدان واسع نستطيع أن نستفيد فيه من مواهب المرأة وخصائصها التي خصها الله بها.

 

3- العمل

 

لا ينازع أحد يفقه أحكام الإسلام في أن عقود المرأة وتصرفاتها التجاربية صحيحة منعقدة لا تتوقف على إجازة أحد من ولي أو زوج، وقد قدمنا ذلك في أول هذه الأبحاث. ولا ينازع أحد في أن المرأة إذا لم تجد من يعولها من زوج أو أقرباء، ولم يقم بيت المال بواجبه نحوها أنه يجوز لها أن تعمل لتكسب قوتها. حتى إن الأب الذي يكلف بالانفاق على ابنته حتى تتزوج، لو رضي بأن تعمل بنته عملاً تكتسب منه كالخياطة مثلاً سقطت نفقتها عنه، وأصبحت هي مسؤولة عن نفسها. قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار (2/671).

قال الخير الرملي: لو استغنت الانثى بنحو خياطة وغزل يجب أن تكون نفقتها في كسبها كما هو ظاهر، ولا نقول: تجب (أي النفقة) على الأب مع ذلك إلا إذا كان لا يكفيها فتجب على الأب كفايتها بدفع القدر المعجوز عنه، ولم أره لأصحابنا، ولا ينافيه قولهم بخلاف الأنثى لأن الممنوع إيجارها، ولا يلزم منه عدم الزامها بحرفة تعلمها 1. هِ. أي أن الممنوع إيجارها للخدمة ونحوهما مما فيه تسليمها للمستأجر، بدليل قولهم لأن المستأجر يخلو بها، وذا لا يجوز في الشرع، وعليه فله دفعها لامرأة تعلمها حرفة كتطريز وخياطة مثلاً.  فنحن لا نتكلم الآن فيمن تضطرها حالتها المادية للعمل خارج بيتها، فذلك جائز قطعاً بشرط المحافظة على آداب الاسلام في ذلك كأن لا تخلو بالرجل، وأن لا تبدي زينتها لهم وأن لا تطمعهم في نفسها بمعسول القول أو مشبوه التصرف. وإنما نتكلم في اشتغال المرأة بوجه عام وتركها بيتها وأولادها إن كانت أماً، أو تركها البيت ان كانت فتاة، مع وجود من يتكفل بالانفاق عليها، وصيانتها عن ذل الحاجة في العمل وإرهاقه ومشقاته. هناك فلسفتان في هذا الموضوع ولكل منها آثارهما الواضحة في المجتمع:

1-     فلسفة الاسلام، في أن البنت والمرأة بوجه عام لا يصح أن تكلف بالعمل لتنفق على نفسها، بل على أبيها أو زوجها أو أخيها مثلاً أن يقوم بالانفاق عليها، لتتفرغ لحياة الزوجية والأمومة، وآثار ذلك جلية واضحة في انتظام شؤون البيت، والاشراف على تربية الأولاد، وصيانة المرأة من عبث الرجال وإغرائهم وكيدهم، لتظل لها سمعتها الكريمة النظيفة في المجتمع.

2-     فلسفة الغربيين، في أن البنت متى بلغت سناً معينة – وهو في الغالب سبعة عشر عاماً – لا يجب على أبيها أو أقربائها الانفاق عليها، بل يجب عليها أن تفتش عن عمل لها تعيش منه وتدخر ما تقدمه بائنة (دوطة) لزوجها المرتقب. فاذا تزوجت كان عليها أن تسهم مع زوجها في نفقات البيت والأولاد، فاذا شاخت – وكانت لا تزال قادرة على الكسب – وجب عليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها ولو كان ابنها من أغنى الناس.

وآثار هذه الفلسفة واضحة كما شاهدناه بأعيننا في ديار الغرب، وكما قرأنا عنها في كتابات المفكرين الغربيين، وفي صرخات المرأة الغربية أخيراً. كما ترى في "الملاحق". إن أهم آثار هذه الفلسفة المادية أنها خالية من كل تقدير لرسالة المرأة الخطيرة في الحياة، وأنها تلقى بها في أتون شهوات الرجال وشرهم الجنسي لقاء لقمة العيش، وأنها ترهق المرأة من أمرها عسراً فوق ارهاقها الطبيعي بالحمل والولادة، وأنها تؤدي الى تفكك الأسرة وتشتت شملها، ونشوء الأولاد بعيدين عن مراقبة آبائهم وأمهاتهم. إن كثيرين عندنا – رغبة في مسايرة الحضارة الغربية في كل شيء – ينادون بوجوب فتح باب العمل للمرأة كالرجل سواء بسواء، وهم يغالطون أنفسهم حين يزعمون أن مساواة المرأة بالرجل لا تتم إلا بهذا، وأن سر قوة الغربيين في أن المرأة عندهم تكافح في سبيل الحياة بجانب الرجل، وتتحمل من المسؤوليات مثل ما يتحمل.

ولقد ناقشتني فتاة جامعية مرة في هذا الموضوع، وكانت تشتغل ضاربة على الآلة الكاتبة في محل تجاري الى جانب دراستها الجامعية، وهي غير محتاجة الى العمل، ولكنها قالت: أنا إنما أعمل لأشعر بانسانيتي! فأجبتها بأن العمل وعدمه لا علاقة له بشعور الانسان بانسانيته، فكثير من الذين يشتغلون لا يشعرون أبداً بانسانيتهم، وكثير من الذين لا يعملون بأيديهم، ولكنهم يعملون بجهودهم الفكرية وغيرها هم أكثر الناس شعوراً بانسانيتهم وتقديراً لها. وضربت لها مثلاً بالجندي والموظف، فكل منهما ممنوع بحسب القوانين المرعية في أكثر بلاد العالم من التجارة والكسب بأيديهم، وذلك ليتفرغوا لأداء رسالة اجتماعية هي أكثر فائدة للمجتمع من اشتغالهم بأيديهم، فهل يعتبر منعهم من التجارة والعمل امتهانا لانسانيتهم؟ وهل يشعر الموظف من رئيس الجمهورية حتى أصغر موظف في الدولة أنه فاقد لانسانيته حين يكون في غرفته مكباً على أوراق بين يديه يدرسها ويوقع عليها؟

قالت: أنا لا أريد أن أكون عالة على أبي، بل أريد أن آكل من كد يميني وعرق جبيني.

قلت لها: ليس الموظف ولا الجندي اللذان يقبضان رواتبهما من خزينة الدولة أول كل شهر، يشعران بأنهما عالة على الدولة، بل يقبضان رواتبهما بكل كرامة وإعتزاز، لأنهما يؤديان واجباً اجتماعياً نبيلاً، وأنت حين تكونين في بيت أهلك قبل الزواج، تتمرسين على شؤون البيت وأعماله وإدارته بعد الزواج، فأنت في عمل اجتماعي نبيل، أنت في مدرسة تتعلمين فيها الحياة البيتية عملياً من اساتذة مخلصين "وهم أبوك وأمك" ومتى كانت البنت التي تتفرغ للدراسة تخجل من أن تأكل من بيت أبيها؟ ثم اذا تزوجت بعد ذلك تبدأين بالعمل فوراً، وهو عمل يستغرق وقتك كله، فهل أنت حينئذ تكونين عالة على زوجك؟ أم إنك ستقومين بأعمال مرهقة قد تكون أكثر ارهاقاً من عمل زوجك خارج البيت؟ هل ستتركين العمل في البيت لتعملي خارجه؟ أم تقومين بالعملين معاً؟ ان التي أوكلها الله اليك، وفي قيامك بالعملين معاً ارهاق لجسمك لا تتحملينه ولا تقدرين عليه، وهو ظلم منك لنفسك ما بعده ظلم، فالاسلام حين أراد منك أن تتفرغي للأمومة وأعبائها، وألزم زوجك أو وليك بالانفاق عليك إنما صانك عن الابتذال. وكفاك مشقة العمل فوق عملك المرهق فهل انقلبت العناية بك في نظرك الى احتقار وازدراء؟

إن الرغبة المتفشية الآن عندنا في اشتغال المرأة خارج البيت، هو تقليد غربي بحت، وعلى المرأة أن تتحمل كل ما تحملته المرأة الغربية في هذا السبيل، وعليها أن تقبل بكل نتائج الفلسفة الغربية في هذا الموضوع، فعليها أن تتكفل بنفقات حياتها ودراستها منذ تجاوز الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وعليها أن تعمل كثيراً لتدخر ما تقدمه لمن ترغب في الاقتران به من مال يرضيه، وعليها أن تشارك الزوج بعد ذلك في نفقاتها ونفقات بيتها وأولادها، وعليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها حتى تبلغ الستين من عمرها إذا كانت هنالك أنظمة للتكافل الاجتماعي تكفل معونة الانسان بعد بلوغه سن الستين، وإلا فعليها أن تستمر في العمل حتى تلقى ربها، ولا يحق لها أينما كان، وكيفما كان: في دوائر الحكومة، في الشركات، في المكاتب التجارية، في المخازن الكبرى بائعة أو محاسبة، في بيع الجرائد، في تنظيف الشوارع، في مسح الأحذية، في جمع القمامة (الزبالة) في قطع تذاكر الركاب في السكك الحديدية أو سيارات النقل الكبرى، في تنظيف المحطات، في تنظيف المراحيض العامة، في حراسة الأبنية الكبيرة في أخريات الليل، في قيادة سيارات التكسي (السيارات العمومية) في حمل الاثقال في صناعة الصلب والحديد في حمل الصناديق الثقيلة في المعامل، في كل ما يشتغل فيه الرجل ويقوم به من أعمال. وهذه أعمال رأينا المرأة الغربية تقوم بها في جميع بلاد أوروبا وفي بلاد الاتحاد السوفياتي. فاذا كانت المرأة عندنا الآن ترغب في العمل خارج بيتها، ولا تتعرض إلا لأعمال سهلة لا مشقة فيها، فإنها يجب أن تنتظر الأعمال الشاقة المرهقة كالمرأة الغربية، فالأمر يجر بعضه الى بعض، ومساواة المرأة بالرجل من شأنها أن تجعلها تقوم بكل ما يقوم به.

 

تفكك الأسرة نتيجة اشتغال المرأة

وأهم ما في الأمر من خطورة أن فسح المجال أمام المرأة للعمل خارج البيت سيغريها أول الأمر، إذ تجد فيه حرية أوسع من حريتها في بيتها، ثم ما تلبث أن تجد نفسها متورطة في أعمال لا تستطيع الشكوى منها، وآخر ما ينشأ عن ذلك من أخطاء، تفكك الأسرة وتشرد الأطفال، وهذا من أكبر العوامل في انحلال المجتمع وانهياره.

 

شكوى الغربيين وتذمرهم

ولا تظن أن الغربيين راضون بما انتهت إليه حالة الأسرة وحالة المرأة بعد نزولها إلى ميدان العمل، فقد بدأ المفكرون منهم منذ أواخر القرن الماضي يشكون من ذلك، وينذرون بالأخطاء الناشئة عنها، ويعلنون عن قرب انهيار حضارتهم نتيجة لذلك. ونحن نذكر شيئاً من أقوالهم في ذلك.

يقول العالم الشهير (أجوست كونت) مؤسس علم الاجتماع الحديث في كتابه (النظام السياسي)، "لو نال النساء يوماً من الأيام هذه المساواة المادية التي يتطلبها لهن الذين يزعمون الدفاع عنهن بغير رضائهن، فان ضمانتهن الاجتماعية تفسد على قدر ما تفسد حالتهن الأدبية لأنهن في تلك الحالة سيكنّ خاضعات في أغلب الصنائع لمزاحمة يومية قوية، بحيث لا يمكنهن القيام بها كما أنه في الوقت نفسه تتكدر المنابع الأصلية للمحبة المتبادلة"[1]. ولما كتبت مدام (هيركور) الشهيرة بالمدافعة عن حقوق النساء الى الفيلسوف الاشتراكي المشهور (برودون) تسأله رأيه في مسألة النساء أجابها كما يقول في كتابه (ابتكار النظام) بأن هذه الجهود المبذولة من النساء لا تدل إلا على علة أصابت جنسهن، وهي تبرهن على استعدادهن لتقدير قوة أنفسهن وسياسة أمورهن بذاتهن". وبعد أن برهن على ذلك بالأدلة العلمية قال: إن حالة المرأة في الهيئة الاجتماعية إذا جرت على النسق الذي تريدينه كما هو في حالة الرجل فيكون أمرها انتهى فانها تصير مستعبدة مملوكة[2]".

ويقول الفيلسوف الاقتصادي "جول سيمون" في مجلة المجلات (المجلد 17): "النساء قد صرن الآن نساجات وطباعات الخ الخ وقد استخدمتهن الحكومة في معاملها، وبهذا فقد اكتسبن بضعة دريهمات، ولكنهن في مقابل ذلك قد قوضن دعائم أسرهن تقويضاً، نعم إن الرجل صار يستفيد من كسب امرأته، ولكن بإزاء ذلك قل كسبه لمزاحمتها له في عمله، ثم قال: "وهناك نساء أرقى من هؤلاء يشتغلن بمسك الدفاتر، وفي محلات التجارات، ويستخدمن في الحكومة في وظيفة التعليم، وبينهن عدد عديدات في التلغرافات والبوسطات (هكذا) والسكك الحديدية وبنك فرنسا والكريدي ليونيه، ولكن هذه الوظائف قد سلختهن من أسرهن سلخاً"[3].

ويقول أيضاً (أجوست كونت) في كتابه السابق: "يجب أن يغذي الرجل المرأة: هذا هو القانون الطبيعي لنوعنا الانساني وهو قانون يلائم الحياة الأصلية المنزلية للجنس المحب (النساء) وهذا الاجبار (اجبار الرجل على تغذية المرأة) يشبه ذلك الاجبار الذي يقضي على الطبقة العاملة من الناس بأن تغذي الطبقة المفكرة منهم، لتسطيع هذه أن تتفرغ باستعداد تام لأداء وظيفتها الأصلية، غير أن واجبات الجنس العامل من الجهة المادية (الرجل) نحو الجنس المحب (المرأة) هي أقدس من تلك تبعاً لكون الوظيفة النسوية تقتضي الحياة المنزلية، ولكن بالنسبة للمفكرين فإن هذا الاجبار يكون تضامنياً فقط بخلافه بالنسبة الى النساء فإنه ذاتي". ثم يقول: "وفي حالة عدم وجود زوج ولا أقارب (للمرأة) يجب على الهيئة الاجتماعية أن تضمن حياة كل امرأة، إما في مقابل عدم استقلالها الذي لا يمكنها أن تتجنبه، وإما على الخصوص بالنسبة إلى وظيفتها الأدبية الضرورية، واليك في هذا الموضوع المعنى الحقيقي للرقي الانساني، يجب أن تكون الحياة النسوية منزلية على قدر الامكان، ويجب تخليصها من كل عمل خارجي ليمكنها على ما يرام أن تحقق وظيفتها الحيوية[4]". هِ.

ويقول (جيوم فربور) البحاثة الشهير في أحوال الانسان وتطوراته في (مجلة المجلات، المجلد: 18). "يوجد في أوروبا كثير من النساء اللواتي يتعاطين اشغال الرجال، ويلتجئن بذلك الى ترك الزواج بالمرة، وأولاء يصح تسميتهن بالجنس الثالث، أي انهن لسن برجال ولا نساء". ثم قال: وقد ابتدأ علماء العمران يشعرون بوخامة عاقبة هذا الأمر المنافي للسنن الطبيعية، فان هاته النسوة بمزاحمتهن للرجال صار بعضهن عالة على المجتمع لا يجدن ما يشتغلن به، ولو تمادى الحال على هذا المنوال لنشأ منه خلل اجتماعي عظيم الشأن[5]".

ويقول (جول سيمون): "يجب أن تبقى المرأة امرأة.. فإنها بهذه الصفة تستطيع أن تجد سعادتها وأن تهبها لسواها، فلنصلح حال النساء ولكن لا نغيرها، ولنحذر من قلبهن رجالاً، لأنهن بذلك يفقدن خيراً كثيراً ونفقد نحن كل شيء، فان الطبيعة قد أتقنت كل ما صنعته، فلندرسها ولنسع في تحسينها، ولنخش كل ما يبعد عن قوانينها وامثلتها[6]".

وتقول الكاتبة الشهيرة (أنى رورد) في مقالة نشرتها في جريدة (الاستران ميل) في عدد 10 مايو 1901: "لأن يشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاءً من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها الى الأبد، الا ليت بلادنا كبلاد المسلمين، فيها الحشمة والعفاف والطهارة رداء الخادمة والرقيق يتنعمان بأرغد عيش ويعاملان كما يعامل أولاد البيت، ولا تمس الأعراض بسوء. نعم إنه لعار على بلاد الانجليز أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال. فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما بوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها؟[7]".

ويقول (جون سيمون) في مجلة المجلات الفرنسية: "المرأة التي تشتغل خارج بيتها تؤدي عمل عامل بسيط ولكنها لا تؤدي عمل امرأة[8]".

هذا ما كان من الغربيين منذ أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، ثم اشتدت حالة الأسرة سوءاً نتيجة كثرة اشتغال النساء خارج بيوتهن. وإنا لنذكر أن هتلر في أواخر أيامه قد بدأ يمنع الجوائز لكل امرأة تترك عملها خارج البيت وتعود الى بيتها، وكذلك فعل موسوليني يومئذ. وقد كثر في الآونة الأخيرة شكوى المفكرين الغربيين من انحلال الأسرة عندهم، وكثرت أبحاثهم لحل هذه المشكلة ويكادون يجمعون على أنه ليس هنالك من سبب لتفكك الأسرة إلا هجر المرأة بيتها لتعمل خارجه. قال الفيلسوف المعاصر "برتراندرسل": "إن الأسرة انحلت باستخدام المرأة في الأعمال العامة، وأظهر الاختبار أن المرأة تتمرد على تقاليد الأخلاق المألوفة، وتأبى أن تظل أمينة لرجل واحد إذا تحررت اقتصاديا[9]". حين كنت في لندن عام 1956 سألني أحد الأساتذة الانجليز: ما هو موقف الاسلام من الحضارة الغربية؟

فأجبته: نأخذ أحسن ما فيها ونترك أسوأ ما فيها.

قال: إن هذا غير ممكن، فالحضارة لا تتجزأ، وسأضرب لك مثلاً: إننا في أوروبا منذ بدأ عندنا عصر التصنيع بدء تفكك الأسرة، لأن المرأة صارت تشتغل في المعامل، وهذا أمر لا بد منه ومن هنا تفككت الأسرة.

فأجبته: بأن تفكك الأسرة عندكم ليس راجعاً في رأيي الى التصنيع، بل ناشيء من اخراج المرأة من بيتها، وأنتم الغربيون أخرجتموها لباعثين: الأول نفسي وهو رغبتكم في أن تروا المرأة بجانبكم في كل مكان.. في الترام وفي الطريق، وفي المتجر، وفي المطعم، وفي المكتب في دواوين الدولة، والثاني مادي أناني وهو أنكم لا تريدون أن تتحملوا نفقات المرأة من بنت أو زوجة أو أم، فأجبرتموها على العمل لتعيل نفسها بنفسها، فاضطرت لمغادرة البيت، ومن هنا تفككت الأسرة عندكم.

قال: وأنتم ماذا تفعلون في مثل هذه المشكلة؟

قلت: إن نظام النفقات في الاسلام يجبر الأب على الانفاق على بنته حتى تتزوج، فاذا تزوجت كانت نفقتها ونفقة أولادها على الزوج وحده، فاذا مات زوجها ولم يكن لها مال ولا ولد، فنفقتها على والدها وهكذا... إنها لا تجد نفسها في فترة من فترات حياتها في الغالب محتاجة الى أن تدخل المعمل لتأكل وتعيش...

وهنا قال صاحبي متعجباً: نحن الغربيين لا نستطيع أن نتحمل مثل هذه التضحيات!

وأذكر أننا حين كنا على ظهر الباخرة من ميناء دوفر بانجلترا الى ميناء اوستن في بلجيكا في تلك الرحلة العلمية، التقينا بفتاة ايطالية تدرس الحقوق في جامعة اكسفورد. وتحدثنا عن المرأة المسلمة وكيف تعيش وما هي حقوقها في الاسلام، وكيف وفر الاسلام لها كل مظاهر الاحترام حين اعفاها من مؤنة العمل لتعيش، بل جعلها تتفرغ لأداء رسالتها كزوجة وأم وربة بيت.. وبعد أن أفضنا في هذا الحديث وقارنا بين حال المرأة في الاسلام وبين حالها في الحضارة الغربية، قالت الفتاة بكل بساطة ووضوح: إنني أغبط المسلمة وأتمنى أن لو كنت مولودة في بلادكم؟ وهنا اغتنمت هذه الفرصة فقلت لها: هل ستحاولين أن تطلبي الى المرأة الغربية العودة الى البيت وأن يقوم الرجل بواجبه نحوها؟.

قالت: هيهات! لقد فات الأوان! إن المرأة الغربية بعد أن اعتادت حرية الخروج من البيت وغشيان المجتمعات، يصعب عليها جداً أن تعتاد حياة البيت بعد هذا ولو أني اعتقد في ذلك سعادة لا توازيها سعادة.

والواقع أن المجتمع الغربي يعاني من إهمال المرأة للبيت واشتغالها خارجه ما ارتفعت منه الشكوى وما ظهر أثره الواضح في هذا الجيل الجديد الذي نشأ عندهم ويسمى في ألمانيا (هالب شتارك) وفي غيرها (جيمس دين) هذا الجيل الصاخب الفوضوي الذي يطيل شعره ويطلق لحيته ويلبس لباساً غريباً.. ويعربد في الشوارع، ويقلق الراحة العامة، ويحطم الحانات والمقاهي، وهو الآن يشغل رجال الأمن وعلماء التربية والاجتماع.. وقد أجمعت الآراء على أن سبب وجوده هو خلو البيت من المرأة. وقد بدأت المرأة الغربية أو بعض النساء هناك يطالبن بالعودة الى البيت للتفرغ الى اولادهن على أن يجبر الزوج أو الدولة على تأمين معيشتها ومعيشة أولادها. فقد نشرت مجلة "الأسبوع الألمانية" وهي أكبر مجلة أسبوعية تصدر في ميونيخ بألمانيا رسالة من سيدة ألمانية بتاريخ 29/08/1959 تقول فيها: "دوما يسمع الانسان ويقرأ كيف قضي على الزوجات والأمهات اللاتي يمارسن عملاً (مثلاً إنهن لا يحصلن على الكفاية) بغض النظر عن النسبة القليلة اللواتي يمارسن عملاً حقيقياً حسب وظيفتهن، فقلائل تلك السيدات اللواتي يعملن من أجل حاجتهن الكمالية... إن أغلب النساء يعملن لأنهن يجب أن يعملن، ولأن ايراد الرجل قليل لا يكفي حاجيات العائلة الضرورية.. أنا نفسي مثلاً يجب أن أرسل ولدي كل صباح من البيت حتى أستطيع الذهاب الى العمل، لأن ما يكسبه زوجي للبيت لا يكفي لمعيشتنا. إنني أرغب البقاء في منزلي ولكن طالما إن "اعجوبة الاقتصاد الألماني الحديث" لم تشمل كل طبقات الشعب فان أمراً كهذا (العودة الى المنزل) مستحيل ويا للأسف.

ويجمع كل من زار الغرب من الشرقيين وبخاصة العرب المسلمين، على أن المرأة هناك أصبحت في وضع مؤلم لا تحسد. وقد زرت أوروبا أربع مرات فما تألمت فيها لشيء كما تألمت لشقاء المرأة الغربية وابتذالها في سبيل لقمة العيش أو رغبتها في أن تكون مثل الرجل تماماً، وقد استطاع الرجل الغربي أن يستغل ضعف المرأة في هذه الناحية فسخرها الى أقصى الحدود في سبيل منافعه المادية وشهواته الجنسية، قد تأكد لي بعد كل ما رأيته أن المرأة المسلمة على ما هي عليه اليوم أسعد حالاً وأكرم منزلة من المرأة الغربية. وأزيد على ذلك أن الذين يخدعون بمظاهر حياة المرأة الغربية كما تبدو في السينما والتلفزيون والمجلات المصورة والحفلات العامة هم قصار النظر جداً، ففي أوروبا كلها عشرات من النساء يحللن مراكز مرموقة؟ بينما تعيش عشرات ملايين النساء فيها في حياة شقية مضنية تشبه حياة الارقاء، وقد تأكد لي أيضاً أن هذه الحرية التي نالتها بالعمل خارج البيت وحضور الحفلات العامة وغيرها هي أوقعتها في رق من نوع جديد لم تعرفه المرأة في أية حضارة من الحضارات السابقة. يقول الأستاذ شفيق جبري في كتابه "ارض السحر":

"إن المرأة في أمريكا أخذت تخرج عن طبيعتها في مشاركتها للرجل في اعماله، ان هذه المشاركة لا تلبث أن تضعضع قواعد الحياة الاجتماعية، فكيف تستطيع المرأة أن تعمل في النهار وأن تعنى بدارها وبأولادها في وقت واحد؟ فالمرأة الأميركية قد اشتطت في هذا السبيل اشتطاطاً قد يؤدي في عاقبة الأمر الى شيء من التنازع بينها وبين الرجل". وقد علقت على ذلك السيدة سلمى الحفار الكزبري من زعيمات الحركة النسائية في بلادنا وقد زارت أوروبا وأمريكا أكثر من مرة فقالت (في جريدة الايام تاريخ 3 أيلول (سبتمبر) 1962):

"يلاحظ الأديب الرحالة مثلاً الاميركان يوجهون اطفالهم منذ نعومة أظفارهم لحب الآلة والبطولة في ألعابهم، كما يلاحظ أن النساء أصبحن يمارسن أعمال الرجال في مصانع السيارات، وتنظيف الطرقات، فيتألم لشقاء المرأة في صرف شبابها وعمرها في غير ما يتناسب مع الأنوثة والطبيعة والمزاج، ولقد اسعدني ما قاله الاستاذ جبري لأني عدت من رحلتي للولايات المتحدة منذ خمسة أعوام وأنا أرثي لحال المرأة التي جرفها تيار المساواة الأعمى، فأصبحت شقية في كفاحها لكسب العيش، وفقدت حتى حريتها، هذه الحرية المطلقة التي سعت طويلاً لنيلها إذ أسمت أسيرة للآلة وللدقيقة، لقد أصبح التراجع أمراً صعباً، ومن المؤسف حقاً أن تفقد المرأة أعز وأسمى ما منحتها اياه الطبيعة. وأعني: أنوثتها، ومن ثم سعادتها، لأن العمل المستمر المضني قد أفقدها الجنات الصغيرات التي هي الملجأ الطبيعي للمرأة والرجل على حد سواء والتي لا يمكن أن تتفتح براعمها ويفوح شذاها بغير المرأة الأم وربة البيت، ففي الدور وبين أحضان الأسرة سعادة المجتمع والأفراد، ومصدر الالهام، وينبوع الخير والإبداع". وخلاصة القول في هذا الموضوع أننا لا بد لنا من أن نختار احدى الفلسفتين: فلسفة الاسلام الذي يصون كرامة المرأة ويفرغها لاداء رسالتها الاجتماعية كزوجة وأم، وفي سبيل ذلك يجب أن يتكفل المجتمع بضمان حاجاتها المعاشية، وذلك بالزام الزوج واقربائها الانفاق عليها وعلى أولادها، وليس في ذلك غضاضة عليها، ما دامت تتفرغ لأهم عمل اجتماعي فيه سعادة الأمم ورقيها. أو بين فلسفة الحضارة الغربية المادية التي ترهقها بمطالب الحياة وتجبرها على أن تكدح وتعمل لتأمين معيشتها، مع وظيفتها الطبيعية كزوجة وأم. وبذلك تخسر نفسها وأولادها ويخسر المجتمع استقرار حياة الأسرة فيه وتماسكها والعناية بها.

ونحن المسلمون ما رأينا خيراً من فلسفة الاسلام ونظامه: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون؟}

 

4- الإختلاط

 

هنا حقائق شرعية ينبغي أن نتذكرها في هذا الشأن:

1-    لا يجيز الاسلام أن تبدي المرأة من زينتها ولا من سائر جسمها إلا وجهها وكفيها من غير زينة ولا بهرجة، فلا يجيز كشف الشعر والصدر والنحر والساعدين مما تفعله كثير من نسائنا وبناتنا المتأثرات بالحضارة الغربية.

2-    لا يجيز الاسلام أن تخلو المرأة برجل أجنبي عنها ولو كانت محتشمة في لباسها ومظهرها. وفي ذلك جاء الحديث الشريف: "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" وهذا شاهد معلوم مؤيد بالوقائع والحوادث المتعددة. وعلى هذا فلا يجيز الاسلام أن تستقبل المرأة في بيتها رجلاً أجنبيا عنها أو قريباً غير محرم لها مهما يكن صديقاً لزوجها أو للأسرة كما يقولون.

3-    لا يجيز الاسلام أن تختلط المرأة بالرجال في الحفلات العامة أو المنتديات ولو كانت محتشمة، وإنما الذي يجيزه الاسلام أن تجتمع المرأة مع الرجال في ثلاث مواطن:

a.      مواطن العبادة. فيجوز أن تحضر صلاة الجمعة وصلاة الجماعة على أن يكون مكانها منفصلاً عن الرجال.

b.     في أماكن العلم. فيجوز أن تحضر المرأة مجالس العلم مع الرجال على أن تكون منفصلة عنهم أيضاً، وأن تكون مرتدية اللباس الشرعي الذي لا يبدي غير وجهها وكفيها.

c.      في ميدان الجهاد حين يعلن النفير العام، فتخرج للجهاد مع الرجال على أن تكون منفصلة عنهم، لها مكانها الخاص وتجمعاتها الخاصة.

وفلسفة الاسلام في هذه الأحكام متمشية مع فلسفته الخاصة بالمرأة فهو يرى أن إكرامها يكون بالاعتراف بحقوقها التي تقتضيها اهليتها، وبابعادها عن مواطن الشباب ومزالق الشهوات حتى تكون لها سمعتها العطرة كفتاة يتزاحم الشباب على الاقتران بها، وكزوجة يتحدث الناس عن اخلاصها لزوجها واستقامتها، وكأم تعرف كيف تغرس في نفوس أبنائها وبناتها معاني الشرف والفضيلة، والكرامة والرجولة الكاملة أو الأنوثة الفاضلة. فكل ما يفوت على المرأة هذه الأجواء الكريمة يقصيها الاسلام عنها، ولو كانت في ذاتها من أفضل النساء وأعفهن، فإن ألسنة السوء تتناول الصالحة والطالحة حين التعرض للشبهات، والنفس أمارة بالسوء، وطبيعة الرجل اذا التقت مع طبيعة المرأة كان منهما ما يكون بين كل رجل وامرأة من الميل والأنس والاستراحة الى الحديث والكلام، وبعض الشيء يجر الى بعض الشيء، وإغلاق باب الفتنة أو الشبهة احزم وأحكم وأبعد عن الندامة في المستقبل. لهذا كله يتشدد الاسلام في منع اختلاط النساء بالرجال، وقد قامت حضارته الزاهرة التي فاقت كل الحضارات في انسانيتها ونبلها وسموها على الفصل بين الجنسين، ولم يؤثر هذا الفصل على تقدم الأمة المسلمة وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ. واليوم وقد امتدت الينا عدوى عادات الغربيين في كل شيء، بدأت مجتمعاتنا تفتح صدرها للاختلاط في الحفلات العامة، وفي دور السينما وغيرها، ثم امتدت الى الحفلات الرسمية، فبدأت الدعوات توجه الى الرجل وعقيلته، ومن المؤسف أن هذه العدوى امتدت أخيراً الى سفارات عربية اسلامية تمثل دولاً عرفت في العالم كله بأنها دول اسلامية، فكان على سفاراتها أن تراعي تمثيلها لأخلاق دولها وآداب دينها، ولكنه التقليد الأعمى لما يشكو منه عقلاء الغربيين أنفسهم.

ومن الواجب أن نذكر هنا تأثير اختلاط المرأة كما نعرفه في أوروبا على حضارة الأمة ونهضتها، وأثر ذلك في سقوط الحضارتين اليونانية والرومانية، وفي سقوط الحضارة الغربية الحديثة. فمن المعلوم تاريخياً أن من أكبر أسباب انهيار الحضارة اليونانية تبرج المرأة ومخالطتها للرجال ومبالغتها في الزينة والاختلاط. ومثل ذلك حصل تماما للرومانيين، فقد كانت المرأة في أول حضارتهم مصونة، محتشمة فاستطاعوا أن يفتحوا الفتوح ويوطدوا أركان امبراطوريتهم العظيمة، فلما تبرجت المرأة وأصبحت ترتاد المنتديات والمجالس العامة وهي في أتم زينة وأبهى حلة فسدت أخلاق الرجال، وضعفت ملكتهم الحربية وانهارت حضارتهم انهياراً مريعاً. تقول دائرة معارف القرن التاسع عشر:

"كان النساء عند الرومانيين محبات للعمل مثل محبة الرجال له، وكن يشتغلن في بيوتهن، أما الأزواج والآباء فكانوا يقتحمون غمرات الحروب، وكان أهم أعمال النساء بعد تدبير المنزل الغزل وشغل الصوف".

ثم دعاهم بعد ذلك داعي اللهو والترف الى إخراج النساء من خدورهن ليحضرن معهم مجالس الأنس والطرب، فخرجن كخروج الفؤاد من بين الأضالع، فتمكن الرجل لمحض نفسه من اتلاف أخلاقهن وتدنيس طهارتهن وهتك هيائهن حتى صرن يحضرن المراقص ويغنين في المنتديات، وساد سلطانهن حتى صار لهن الصوت الأول في تعيين رجال السياسة وخلعهم، فلم تلبث دولة الرومان على هذه الحالة حتى جاءها الخراب من حيث تدري ولا تدري. وقد قام في اليونان حكماء نبهوا أمتهم إلى أخطار التهاون في تبرج المرأة واختلاطها بالرجال. قالت دائرة معارف القرن التاسع عشر[10]: لما حصلت لدى الرومان ثورة يقصد بها نسخ القانون الذي كان يحدد بذخ النساء وتبرجهن. قام (كاتون) وهو ذلك الروماني المشهور بالفلسفة والحكمة بين جمهور الرومانيين في القرن الثاني قبل الميلاد وقال: "أتتوهمون معشر الرومانيين أنه يسهل عليكم احتمال النساء والرضاء بهن إذا مكنتموهن من فصم الروابط التي تقيد استقلالهن وتخضعهن لأزواجهن؟ ألم يصعب علينا حتى مع وجود هذه القيود إلجاؤهن إلى أداء واجباتهن؟ أما ترون أنهن سيصرن مساويات لنا وسيوقعننا تحت نيرهن؟ أي حجة مقبولة يمكنكم بسطها لتبرئة اجتماعهن الثوري؟ لقد أجابتني واحدة منهن قائلة إننا نريد أن نكون متلألئات في الذهب والأقمشة القرمزية، وأن  نتمشى في طرق المدينة في أيام الأعياد وسائر الأيام الأخرى، ونركب في المركبات الفخمة لأجل أن نظهر انتصارنا (على ذلك القانون الممسوخ الذي يجبرهن علىعدم الابتذال) وأن نتمتع بحرية انتخابكم، ونريد أيضاً أن لا تضعوا حداً لنفقاتنا وبذخنا". "فيا أيها الرومان لقد سمعتموني كثيراً ما أشكوا من إسراف الرجال والنساء والعامة والمشترعين أيضاً، ولقد سمعتموني كثيراً ما أقول: إن الجمهورية مصابة بدائين متناقضين: الشح والبذخ، وهما الداءان اللذان قلبا الممالك العظيمة رأساً على عقب".

ثم أردفت دائرة معارف القرن التاسع عشر تقول: إن (كاتون) لم ينجح في دفاعه عن ذلك القانون، ولكن تحققت انذاراته كاملة، وفي حياتنا الاجتماعية الحاضرة التي يتمتع فيها النساء بحرية مفرطة نرى دناءة ذوقهن (كذا!...) وميلهن الشديد الذي يحملهن دائماً على الاشتغال بجمالهن وبكل ما يزيد حسنهن ورُواءهن، كل ذلك أكثر حظاً مما كانت عليه الحالة في روما. ثم قالت دائرة المعارف:

إنا لسنا أول من لاحظ هذا الأثر السيء الذي يحدثه حب النساء للزينة يوماً فيوماً على أخلاقنا، فان أشهر كتابنا لم يهملوا الاشتغال بهذا الموضوع الخطير. فكيف النجاة من هذا الداء الذي يقرض مدنيتنا الحالية ويهددنا بسقوط سريع جداً، وإن شئت فقل بانحطاط لا دواء له[11]. ومن الملاحظ أن عقلاء الأوروبيين بدؤوا يحذرون قومهم من المصير الذي انتهى اليه الرومان نتيجة الافراط في تبرج المرأة واختلاطها، فنجد العلامة (لويز برول) يقول في مجلة المجلات (المجلد 11) تحت عنوان السياسي ما يأتي: "إن فساد الأسس السياسية وجد في كل زمان، ومن الغريب المدهش أن عوامله في الزمن الغابر هي ذات عوامله في الزمن الحاضر، يعني أن المرأة كانت العامل الأقوى في هدم الأخلاق الفاضلة[12]". ثم أخذ هذا العالم يقارن بين العلامات المنذرة اليوم وبين ما كان في عهد جمهورية الرومان حتى قال:

"لقد كان الرجال السياسيون في آخر عهد الجمهورية الرومانية يعيشون صحبة النساء ذوات الطبائع الخفيفة اللاتي كان عددهن بالغاً في الكثرة، فصار الحال اليوم كما كان في ذلك العهد ترى النساء اندفعن في تيار الحب البالغ حد الجنون وراء البذخ واللذات". وقالت الكاتبة الانجليزية (اللادي كوك) في جريدة (الايكو): "إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وههنا البلاء العظيم على المرأة". ثم قالت: "أما آن لنا أن نبحث عما يخفف – إذا لم نقل عما يزيل – هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية؟ أما آن لنا أن نتخذ طرقاً تمنع قتل ألوف الآلاف من الأطفال الذين لا ذنب لهم بل الذنب على الرجل الذي أغرى المرأة المجبولة على رقة القلب". "يا أيها الوالدان! لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل ونحوها، ومصيرهن إلى ما ذكرنا، علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد، لقد دلنا الاحصاء على أن البلاء الناتج عن حمل الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر إختلاط النساء بالرجال، ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنا من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت وكثير من السيدات المعرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للاسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن، لقد أدت بنا هذه الحال الى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان... وهذا غاية الهبوط بالمدنية[13]".

وقال شوبنهور الفيلسوف الألماني في كتابه "كلمة عن النساء": "قل هو الخلل العظيم في ترتيب أحوالنا الذي دعا المرأة لمشاركة الرجل في علو مجده وباذخ رفعته، وسهل عليها التعالي في مطامعها الدنيئة (كذا..) حتى أفسدت المدنية الحديثة بقوي سلطانها ودنيء آرائها (كذا...)." ويجدر بي أن أذكر هنا ما قاله اللورد (بيرون) في كتابه "الرسائل والجرائد" جزء 2 ص 399 قال: لو تفكرت أيها المطالع فيما كانت عليه المرأة في عهد قدماء اليونان لوجدتها في حالة يقبلها العقل، ولعلمت أن الحالة الحاضرة (حالة المرأة) لم تكن غير بقية من همجية القرون الوسطى (عند الغربيين): حالة مصطنعة مخالفة للطبيعة، ولرأيت معي وجوب اشغال المرأة بالأعمال المنزلية مع تحسين غذائها وملبسها فيه، وضرورة حجبها عن الاختلاط بالغير، وتعليمها الدين، وابعادها عن الشعر والسياسة، وعن قراءة كل كتاب يبحث في غير الدين والطباخة[14]".

أقول: إن ديننا لا يسمح بوصف النساء بما وصفهن شوبنهور، ولكن ذكرته للعظة والاعتبار. وكتب الأستاذ (جيوم فريرو) في المجلد الأول من مجلة المجلات ما يلي: إن العلامات المنذرة بقرب حلول الأزمة النهائية لهذا الشكل من المدنية الذي تعيش فيه كثيرة جداً "بحيث لا يمر يوم حتى يقف الباحث على إنذارات جديدة فيه، فلنعط نحن أيضاً أنفسنا وظيفة الطبيب، ولنجتهد في مساعدة ما شخصه الأطباء من هذا المرض الاجتماعي في زماننا هذا بدرس الشكل الجديد من الرهبنة التي مع عدم استنادها الى دين تهددنا بأنها ستصل الى الحد الذي وصلت إليه الرهبنة الدينية في زمن من أزمنة القرون الوسطى". إلى أن يقول: "إن الشروط الاجتماعية الحالية تستدعي عفة المرأة في عزوبتها، والعفاف يقتضي حذف وظيفة الأمومة وهي الوظيفة التي خلقت المرأة لأجلها جسما وروحاً، لا شك إذاً أن في هذه الحالة يجب أن تفسد شخصيتها فسادا ذريعاً، ولا شك أيضاً في أن عدداً كبيراً من هذه النسوة يحدثن آثاراً هائلة على الهيئة الاجتماعية[15]".

 

حجة المنادين بوجوب اشتغال المرأة

لا بد لنا من أن نتعرض لأهم حجة يستند إليها المتحمسون في بلادنا لاشتغال المرأة خارج بيتها، وهي أن إشتغالها يزيد في الثروة القومية للبلاد، وان البلاد تخسر كثيرا بقصر عمل المرأة على أعمال البيت، عدا ما فيه من تعويد على الكسل وقتل وقتها بما لا يفيد، ويتندر بعضهم بسمن النساء في بلادنا سمناً لا يوجد مثيله في البلاد الغربية التي يشتغل فيها نساؤها. ودحض هذه الحجة "الاقتصادية" سهل إذا تذكرنا الحقائق التالية:

1-     إن اشتغال المرأة يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيراً سيئاً، باعتبار أن إشتغالها فيه مزاحمة للرجل في ميدان نشاطه الطبيعي، مما يؤدي الى نشر البطالة في صفوف الرجال، كما وقع في بلادنا منذ أخذت المرأة طريقها الى وظائف الدولة فقد أصبح عدد كبير من حملة الشهادات الثانوية والعليا عاطلين عن العمل، يملؤون المقاهي، ويقرعون أبواب الحكومة طلباً للوظائف، بينما تحتل أمكنتهم فتيات لا يحملن غالباً مثل مؤهلاتهم وكفاءاتهم. ومثل ذلك يقع الآن في أمريكا فقد أدت مزاحمة المرأة للرجل إلى بطالة متفسية في الرجال تزداد يوماً بعد يوم، وسترى في "الملاحق" ما يؤيد هذا.

2-     إذا ثبت أن إشتغال المرأة يؤدي الى بطالة الرجل، كان من المحتمل أن يكون هذا الرجل الذي زاحمته زوجها أو أباها أو أخاها، فأي ربح إقتصادي للأسرة، إذا كان اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة عميدها والمكلف بالانفاق عليها؟

3-     إن مصالح الشعوب لا تقاس دائماً بالمقياس المادي البحت، فلو فرضنا أن اشتغال المرأة يزيد في الثروة القومية، إلا أنه من المؤكد أن الأمة تخسر بذلك خسارة معنوية واجتماعية لا تقدر، تلك هي خسارتها بانسجام الأسرة وتماسكها، فقد ذكرنا فيما مضى – وسترى ذلك في الملاحق – أن الغرب خسر كثيراً باشتغال المرأة، حيث انهار صرح الأسرة، وفسدت أخلاق الأولاد، فأي الخسارتين أبلغ ضرراً في الأمة؟ الخسارة المادية! أم الخسارة الاجتماعية! إن الين يلحون على ضرورة إشتغال المرأة خارج بيتها لتكسب البلاد نتيجة عمل المرأة، لا يبالون بما تخسره البلاد من تفكك الأسرة، وفقدان الرقابة والرعاية على تربية أبنائها وبناتها، ومثل هؤلاء يتبنون فلسفة مادية بحتة – وهذا ما تفعله الشيوعية تماماً – ولكن المجتمع لا تتم سعادته إذا نظر الى القيم الأخلاقية والروحية والعائلية نظرة ثانوية أو نظرة ازدراء، ومجتمعنا مجتمع متدين تسيّر سلوكه المبادئ الأخلاقية التي جاءت بها أديانه، فلا يمكن أبداً أن ينظر إلى الأسرة بالمنظار الذي تنظر به الشيوعية والحضارة الغربية المادية اليها، وإلا كان ذلك خراباً للمجتمع في نظر أديانه ومبادئه ومثله الخلقية، ورسالته الانسانية.

إن النظر الى كل فرد في المجتمع كآلة منتجة لا تهتم الدولة إلا بزيادة إنتاجها، هو رجوع بالانسان الى الوراء.... إلى عهود الرق والعبودية والسخرة... وهذا ما لا ترضاه الانسانية الكريمة في انسان مجتمعنا المتدين الراقي بعواطفه وأخلاقه ومثله العليا...

4-     على أن هذه النظرة المادية لا تنطبق على واقع حياتنا وحياة المجتمعات الأخرى حتى في الشيوعية نفسها، فهنالك – في كل مجتمع – فئات معطلة عن الانتاج المادي، فالجيوش والموظفون لا يزيدون في ثروة الأمة المادية، وقد رضيت كل الأمم بأن يتفرغ الجيش لحماية البلاد، دون أن تلزمه بالعمل والكسب، فهل يقال أن هذا تعطيل للثروة البشرية يؤدي الى انخفاض الثروة القومية في البلاد؟ أم إن هؤلاء المنادين باشتغال المرأة خارج بيتها يوافقون على حرمان الأمة من جهود أفراد الجيش الاقتصادية في سبيل مصلحة أعلى وأثمن من المنفعة الاقتصادية؟ وإذا كان كذلك فهل يكون التفرغ لشؤون الأسرة أقل فائدة للأمة من تفرغ الجيش لحماية البلاد؟ أم يريدون أن ترهق المرأة بالعملين معاً؟ إن حياة الناس – أي ناس كانوا – ليست كلها تحسب بحساب الربح والخسارة المادية، فالكرم والشهامة والتضحية والوفاء، وبذل العون للآخرين كل ذلك خسران مادي، ولكنه ربح عظيم لا يتخلى عنه الناس الشرفاء الذين يعتزون بكرامتهم الانسانية. وليست صيانة الأسرة، ورعاية الطفولة، وتربية الأولاد بأقل شأناً في نظر الانسان الراقي المعتز بانسانيته من تلك القيم الاخلاقية التي لا تقاس بالمقياس المادي البحت. وأخيراً فإن خوض الأمة معارك الدفاع عن حياتها أو انتزاع استقلالها من أيدي المغتصبين، ترحب به كل أمة، بل لا تستطيع أي أمة كانت أن تفعل غيره، فكم تحلق بالأمة من خسائر مادية وبشرية في سبيل الدفاع المشروع؟ وهل يجرؤ أحد على أن يدعو الأمة الى تسريح جيشها، وعدم شراء الأسلحة والذخائر أو صنعهما، وعدم مقاومة المغيرين المعتدين بحجة أن في ذلك كله خسارة مادية، واضراراً بالانتاج القومي والثروة العامة في البلاد؟.

5-     ثم أي معنى لقول من يقول: ان وجود المرأة في البيت يعودها الكسل ولذلك تسمن نساؤنا أكثر من الغربيين، إن مثل هؤلاء لا يعرفون متاعب البيت وأعماله، وكيف تشكو المرأة من عنائه، فما يمسي المساء إلا وهي منهوكة القوى تروح عن نفسها بالاجتماع الى جاراتها وصديقاتها. والبنت ما دامت في المدرسة فهي تتلقى العلم فلا يجوز ارهاقها بالعمل معه. واذا انتهت من المدرسة لا تمكث في بيت أبيها وأمها إلا بمقدار ما تتهيء للانتقال الى بيت الزوجية، فهي في هذه الحالة تتلقى دروساً عملية عن أمها في إدارة البيت وأعماله وشؤونه، فلا يجوز مع ذلك إرهاقها بالعمل خارج البيت.... إن الذي أؤكده في الموضوع أن اعمال المرأة في البيت – بنتاً كانت أم زوجة – لا تقل عن أعمالها خارج البيت مشقة وعناءً. وكثيرا ما تكون أكثر مشقة وإرهاقاً.

 

أما ما يزعمون من سمن المرأة الشرقية فهذه نكتة لا تستحق المناقشة لولا اننا سمعناها كثيرا من هؤلاء المتحمسين لعمل المرأة خارج بيتها، ذلك أن السمن والنحافة تابعان لنظام التغذية "ومما لا ينكر أن نظامنا في الطعام يؤدي الى السمنة في الرجل والمرأة على السواء، بل الملاحظ أن السمن عند الرجال في الغرب كما شاهدنا ذلك، ويؤكد هذا ان الاعراب المقيمين في الصحراء قل أن يوجد فيهم السمين، ولقد لاحظت في احدى المرات التي أديت فيها فريضة الحج وقد حضره من مختلف أنحاء الجزيرة العربية ما يبلغ نحواً من ثلاثمائة ألف بدوي، لاحظت حينئذ أنه قل أن يوجد بينهم سمين، بل إني لم أر من هذا العدد الضخم سميناً واحداً قط. فالقضية تابعة لنظام التغذية ونوع الغذاء لا الى الراحة أو التعب.

 

الخطر المرتقب:

من هذا كله يتبين لنا أن الخطر الذي يحدق اليوم بالحضارة الغربية كما أحدق من قبل بالحضارتين اليونانية والرومانية نتيجة تبرج المرأة واختلاطها الفاحش بالرجال، سيحدق بنا نحن أيضاً مع فارق واضح، وهو أن هذه الحضارات التي كان تبرج المرأة مرضاً من أمراضها القاضية عليها قد بلغ أصحابها ذروة الحضارة عندهم، بينما يحدق بنا الخطر ونحن في أول طريق النهوض والتقدم، ومن العجيب أن يريد لنا بعض الناس أن نبدأ من حيث انتهى غيرنا، وأن نساير الغربيين في أمر بدؤا يعلنون أنه سيقضي على حضارتهم. وليس للأمة مصلحة في استجلاب هذا الخطر الى بيوتها وأسرها، وهي هانئة تنعم بالاستقرار والتماسك وجو الحب والثقة، الأمر الذي لا يعرفه الغربيون بعد أن تفشت فيهم تلك الأمراض، بل بدؤا يحنون اليه ويعلنون عن أسفهم للحرمان منه.

 

خطر أدباء الجنس:

وفي يقيني أن هؤلاء الذين يحرضون المرأة في أدبهم على الخروج على الآداب الصالحة التي عرفنا بها، ويغرونها بأن تتبع طريق المرأة الغربية ويعملون على حرمانها من هدوئها وسعادتها، يحملون أكبر وزر من انجراف المرأة والمجتمع في هذا التيار الضار، وقد كان الظن بهم أن يكونوا رواد نهضة حقيقية تبعث في الأمة روح الكفاح وتحبذ لها حياتها الأسروية الهانئة، ليكون مجتمعنا في نهضته الجديدة مجتمعاً متماسكاً قوي البنيان، إن هؤلاء الناس من أدباء الجنس يحملون بأيديهم معاول التهديم في صرح كياننا الداخلي المتين، وهم في هذا الطريق الذي اختطوه لا يريدون بذلك مصلحة الأمة ولا يندفعون وراء عقولهم. بل وراء أهوائهم وشهواتهم، وهم يبغون منه الاثراء المادي بنشر هذا الأدب الرخيص المدمر بين الشباب والفتيات ليقبلوا عليه ويلتهموا ما فيه. إني لا أرى فرقاً بين أثرياء الجنس وأثرياء الحرب، فكلاهما يجد في الأزمات فرصة للربح والكسب، بل في رأيي ان أثرياء الجنس أشد خطراً وأسوأ أثراً، فلماذا نتركهم يخربون بيوتنا باسم الحرية، وما كانت الحرية الخالصة من الشوائب إلا حرية بناء لا تهديم، وحرية تقدم حقيقي لا رجوع الى الوراء آلاف السنين حين كان الانسان ينطلق وراء شهواته لا يبالي بمجتمع ولا يتقيد بنظام؟

ومن الغريب أن أدباء الجنس يقصرون انتاجهم كله على هذا النوع المؤدي الى تفسخ الاخلاق وانحلال الأسرة وشيوع الميوعة، بينما نعيش أخطر مرحلة في تاريخنا كله، مرحلة الكفاح مع اسرائيل، والكفاح – كما تعلم – يقتضي أدب الرجولة لا أدب الميوعة، وأدب القوة لا أدب الضعف، وأدب التضحية لا أدب المنفعة، وأدب الحرمان لا أدب اللذة وإحياء الغرائز والشهوات. إني لأهيب بعقلاء الأمة، وشبابها وفتياتها الفاضلات الطاهرات، وبجمعياتها النسائية، أهيب بكل مخلص في هذه الأمة رجالاً ونساءً، أن يقفوا في وجه هؤلاء العابثين يمنعونهم من التخريب باسم حرية الكلمة، ويشعرونهم أن شرف الكلمة قبل حريتها، وأن تنظيم الطاقات الجنسية هو غير كبتها كما يزعمون وأننا في معركة لا سلاح لها إلا العلم والإيمان والاخلاق، وإن كل من يريد أن يُدخل الى بيوتنا.. الى بناتنا... الى زوجاتنا.. مرض الاباحية والتحلل الأخلاقي إنما هم لصوص سارقون، سارقون لأشرف ما تحتفظ به الأمة من أخلاق، وأكرم ما تعتز به من فضائل.. نحن نقول لهؤلاء.. اتركوا لنا بناتنا عفيفات، اتركوا لنا زوجاتنا وفيات مخلصات.. اتركوا لنا شبابنا شباب ثورة وكفاح لا شباب ميوعة وانحلال.. إن الذي يريد أن يهدم بيتي لا أتركه يتم جريمته باسم الحرية، ولكن آخذ على يده باسم القانون، ولا أتركه يحرق بيتي باسم الفن، ولكن أحول منه وبين ما يريد باسم الحق، باسم الكرامة، باسم القوة التي نحن أحوج ما نكون اليها. والفن اذا لم يخدم مبادئ النهضة الأساسية في الأمة كان  عبثاً ولهواً وفساداً[16].

 

التضليل باسم التحرير

إن كل ما يقال حول قضية المرأة و "تحريرها" كلام فيه قليل من الحق وكثير من الباطل والتضليل، ليس في بلادنا قضية باسم "تحرير المرأة" بعد أن حررها الاسلام، وإنما هي مشكلة كانت عند الغربيين ولا تزال، وليس طلب الاسلام حشمة المرأة وتفرغها لاداء رسالتها الاجتماعية الكبرى "كبتا" للطاقة، بل "تنظيم" لها، والتنظيم غير الكبت، ووضع كل شيء في موضعه ومنعه من تجاوز حده، أمر غير الفوضى والانفلات من كل حق للأسرة أو المجتمع. وكلنا يعلم الفرق بين "الكبت" وبين "التنظيم" كما يعلم الفرق بين "التخريب" وبين "البناء" وبين "القانون" وبين "الفوضى".

 



[1]  دائرة معارف فريد وجدي: 8/605 – 606.

[2]  أيضاً: 8 / 605  - 606.

[3]  المصدر السابق: 8 / 606.

[4]  المصدر السابق: 8 /612 – 614.

[5]  أيضاً: 8 / 616.

[6]  أيضاً: 8 / 616.

[7]  مجلة المنار للسيد رشيد رضا رحمه الله: المجلد الرابع ص 486.

[8]  الاسلام روح المدنية للشيخ مصطفى الغلاييني ص 199 الطبعة الجديدة.

[9]  الاسلام والحضارة الغربية لكرد علي: 2 / 92.

[10]  دائرة معارف فريد وجوي: 8/618.

[11]  أيضاً: 8/619، 624.

[12]  المصدر السابق: 8/621.

[13]  مجلة المنار للسيد رشيد رضا: / 486.

[14]   الاسلام روح المدنية للغلاييني: 248 من الطبعة الجديدة.

[15]  دائرة معارف حدين: 8/611.

[16]  أشبعت هذه المعاني ايضاحاً في كتابي "هكذا علمتني الحياة" الذي صدر حديثاً.

|السابق| [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإستشراق والمستشرقون 

مقتطفات من كتاب من روائع حضارتنا 

المرأة بين الفقه والقانون 

نظام السلم والحرب في الإسلام 

السيرة النبوية دروس وعبر 

هكذا علمتني الحياة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca