س6- من الواضح أنك مغرم بشخصين غراماً كبيراً: حسن البنا ومحمد الحامد حتى اعتبر ذلك بعض الناس مأخذاً عليك، واعتبروا الإطراء عليهما مأخذاً شرعياً. واستدل بحادثة موسى والخضر على دعواه في تخطئتك واستدل بحادثة الثناء على عثمان بن مظعون على خطئك في الثناء عليهما، فما الجواب؟.
جِ6- أما حبي لهما فقد تغلغل في سويداء قلبي وكنت كتبت لشيخنا الحامد رسالة قبيل وفاته بعد نبأ شاع أنه أجريت له عملية ونجحت، من قرأها يعرف شدة الحب والوجد الذي رزقني الله إياه للشيخ، ومن لامني على حب الشيخ أو حب حسن البنا فهو الملوم وكما قال ابن عمر رضي الله عنهما:
يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم
وفي الحديث: "يحشر المرء مع من أحب" فاللهم فأحشرني معهما. وأما أن في كلامي تزكية لهما دون احتراس فمن المعلوم أن الإنسان إذا تكلم فإطلاقات كلامه محمولة على تخصيصاته أو على اعتقاده، وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن كل إنسان مات وليس في شأن عاقبته وحي فهو إلى مشيئة الله صائر فإذا أطلقوا في حقه كلاماً فكلامهم محمول على ذلك، ولم تزل الأمة جيلاً بعد جيل تثني على أهل الفضل من علمائها وأوليائها دون نكير، فمن أنكر فقد بعد، وفهم بعض النصوص وغاب عنه بعضها الآخر، انظر إلى النووي رحمه الله وهو المحدّث الفقيه، في رياض الصالحين كيف وضع هذا العنوان (إجراء أحكام الناس على الظاهر) وكيف عنون لموضوعنا بهذا العنوان اللطيف: (باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه) وقد ذكر رحمه الله في هذا الباب الأحاديث التي تنهى عن المدح في الوجه ثم قال: فهذه الأحاديث في النهي، وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة، قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن، ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور، كُره مدحه في وجهه كراهة شديدة، وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك. ومما جاء في الإباحة قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "أرجوا أن تكون منهم" أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها. وفي الحديث الآخر: "لست منهم" أي لست من الذين يسبلون أزرهم خيلاء، وقال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك". والأحاديث في الإباحة كثيرة، وقد ذكرت جملة من أطرافها في كتاب الأذكار. ولعل ثناءنا على الشيخين بعد وفاتهما يدخل في معنى الحديث الذي ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة وهو:
حديث: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم" أبو داود في الأدب والترمذي في الجنائز من حديث معاوية بن هشام عن عمران بن أنس المكي عن ابن عمر رفعه بهذا، وقال الترمذي والطبراني إنه غريب، وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي البخاري عن مجاهد عن عائشة مرفوعاً: لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا، ولأبي داود من حديث وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عنها مرفوعاً: إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه، وكذا هو عند الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عثمان عن هشام، وللنسائي من حديث منصور ابن صفية عن أمه عنها قالت: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك بسوء فقال: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة. ألا يحق لي أن أخاطب هؤلاء المنكرين عليّ بما قاله الشاعر:
فقل للذي يدّعي في العلم معرفة عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء
وليعلم الناقد أنني لست وحدي الذي يثني على البنا والحامد فما أعرف أحداً عرفهما إلا وأثنى عليهما وذلك عندي علامة على ولايتهما، وهذه نصوص أضعها بين يدي الناقد لعله ينتفع بها:
أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت الرجل يعمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن" أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:" يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت". رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن فقال: تساندا وتطاوعا وبشرا ولا تنفرا، فخطب الناس معاذ فحثهم على الإسلام والتفقه والقرآن وقال أخبركم بأهل الجنة وأهل النار إذا ذكر الرجل بخير فهو من أهل الجنة وإذا ذكر بشر فهو من أهل النار. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون. وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنباوة أو بالنبأة يقول يوشك أن يعرفوا أهل الجنة من أهل النار قالوا: بما يا رسول الله قال: بالثناء الحسن والثناء السيء. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن عرفة وهو ثقة. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المقة من الله عز وجل – قال شريك هي المحبة – والصيت من السماء فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً فأحبوه قال: فتنزل له المحبة في الأرض وإذا أبغض عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضوه قال: فينادي جبريل إن ربكم بيغض فلاناً فأبغضوه قال فيجرى له البغض في الأرض. رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله وثقوا. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد إلا وله صيت في السماء فإن كان صيته حسناً وإن كان صيته في السماء سيئاً وضع في الأرض رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. ألا ترى أن الصيت الحسن والثناء الطيب علامتان نتعرّف بهما على خيارنا؟ وهل عليّ من حرج أن أثنى على من كان الثناء عليهما علامة على الفضل؟.