س7- هل بالإمكان أن تعطينا صورة عن الشيخ محمد الحامد رحمه الله.؟
جِ7- كان رحمه الله من أورع خلق الله فيما نعلم، شهد بذلك كل من عرفه، ولقد قال عصام العطار في خطبة ألقاها في ألمانيا الغربية بتاريخ 01/08/1982: إن الشيخ الحامد رحمه الله هو شيخ حماة وشيخ سورية ولا أعرف ولا أعلم ولم أسمع عن شخص في مشرق الدنيا ومغربها أورع من الشيخ الحامد. ابتدأ حياته سلفياً فقرأ الكثيرلابن تيمية ثم استقر على مذهبية سلفية تتمسك بالنصوص، وعلى تصوف فقهي يتقيّد بالفقه، كان آية في التحقيق العلمي وكان متشدداً في الفتوى وكان لا يفتي إلا إذا درس ودارس واطمأن وكان ناصحاً مشفقاً يحس كل المسلمين بشفقته ورحمته وخلوص نصيحته، لا يقابل السيئة بمثلها وكم كان حريصاً على وحدة المسلمين، فهو لا يرى أن هناك تناقضاً بين المسلمين يبيح لهم أن يدخلوا في خصومات مع بعضهم وينسوا الردة والمرتدين، وكان بحراً في العلوم كلها لا تطرق باباً من العلم إلا وقد أخذ بذؤابته ويعرف دخنه وينبه على الأخطاء المحتملة فيه، كان بحراً في العقائد وفي الفقه وفي التصوف وفي الأصول وفي التفسير والحديث والتاريخ، وكان عارفاً بعصره عارفاً بأنواع الضلال فيه هذا مع أدب لا يبارى ولا يجارى، كان شاعراً فصيحاً إذا خطب لا تمسك عليه غلطة، وكان قريباً بعيداً حسّاس النفس، كريمها، عفّ اللسان، متأدباً مع العلماء، انظر نقاشه للدكتور السباعي وردّه عليه في اشتراكية الإسلام فإنك لا تجد أروع من ذلك يرد وهو في أعلى درجات الحب وكم أرجو أن يأخذ كل مسلم من ذلك درساً، وكان يخشى على عقائد الناس وسلوكهم فإذا رأى فكرة خاطئة لم ينم حتى يطمئن أنه قام بواجبه نحو الله فيها فإذا قرأ جريدة فرأى خطأ أو جاءته رسالة تشعره بخطأ أو عرف أن هناك خطأ ينتشر صال وجال كثيراً ما كادت مواقفه تودي بحياته أو بوظيفته، وكم من مفاهيم صححها وضلالات دفنها في الاعتقاد أو في السلوك وساعد على ذلك ثقة لا حدود لها فإذا قال للإخوان المسلمين شيئاً قالوا سمعاً وطاعة وإذا قال للصوفيين شيئاً أخذوا به وتركوا ما ينبههم عليه، وإذا قال للسلفيين شيئاً كان محل قبول لأنه يأتي مع الكلمة بدليلها، وكان لا يسكت على مخطئ يقول أمامه كلمة بل كان ينصح ويصحح، فكم صحح لغة وكم صحح بيت شعر فيه غلو أو خطأ يقوله منشد، وكان مع المذهبية ومع التحقيق، كان يخشى من دعوى الاجتهاد وما يترتّب على ذلك من فوضى في الفتوى، خاصّة وهو يرى أنّ من تصدر للاجتهاد كانوا يخالفون الإجماع في فتاواهم، كان ذلك منه شفقة على الإسلام والمسلمين لا سدّاً لباب مفتوح فهو يرى التحقيق ويحترم أهله، أمّا عبادته وتقواه فحدّث بها ولا حرج فقد كان دائم التلاوة لكتاب الله مداوماً على الذكر اليومي لحلقات الذكر مع تحرير ذلك كله مما يقره أهل العلم. ولقد صاغ مدينته حماة صياغة جعلها مؤهّلة لكل خير ومن ههنا وجد في حماة جيل يشكل النموذج لما ينبغي أن يكون عليه أبناء العالم الإسلامي، جيل اجتمع فيه العلم الصحيح المنبثق عن عقيدة سليمة وتقوى عارمة تملأ القلب ورغبة في رضوان الله تحرّك روح الجهاد فاجتمع لشباب حماة علم وتقوى وجهاد ولولا الشيخ ما كان شيء من ذلك وما خرج على يد إخوانه وتلامذته من خير فإن ذلك أثر عنه، وكان مع جلالته وهيبته ذا دعابة صادقة وفكاهة نادرة تأتي في محلها تطييباً وتطبيباً بشكل يحار فيه من لا يعرف الشيخ، لقد ربى إخوانه على التمسك بالنصوص وعلى احترام أهل العلم والفقه وعلى الأخذ من الأولياء والتلقي منهم مع التمسك بالنصوص والفقه وربى إخوانه على حب حسن البنا وحب الإخوان المسلمين وحب جميع المسلمين وكان يربي إخوانه على أن يضعو يدهم بيد كل مسلم مهما علا من أجل أن تقمع هذه الردة، وكان مع هذا كله جميل الهيكل وضيء الوجه من نظر إليه نظرة أدرك أنّه أمام وليّ لله عز وجل.
وهو مع هذا غزير العبرة كثير البكاء ولم أر بين علماء المسلمين ممن رأيت وقابلت من ينطبق عليه قوله تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً} [مريم: 58] إلا شيخنا الحامد وشيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. لقد كان رحمه الله مستوعباً لمذاهب أهل السنة والجماعة في العقائد والفقه والسلوك كما كان مستوعباً لعقائد الفرق الضالة عارفاً دقائقها وكان درّاكاً لضلالات العصر عارفاً ببدع الاستغراب عارفاً بوجهات المستشرقين والمستغربين ولذلك كان كثير التصويب لمن يسمع لهم لأنه كان يعرف القول ولازمه ولازم لازمه فإذا أحسن بشيء ما من الخطأ في القول أو بلازمه أو بلازم لازمه كان يصححّ ومن ههنا كان لا يستغرب من عايشه أن يصحح له في الجلسة الواحدة الكثير، ومن ههنا تأتي القصّة التي رواها بعض الناس على لساني وحملها مالا تحتمل من أنه سجّل الشيخ إحدى عشرة ملاحظة على محاضرة من محاضرات الأستاذ البنا، فالذي يعرف شيخنا الحامد ويعرف دقته لا يستغرب أن يسجّل الملاحظات الكثيرة على كل من يتكلم أمامه فلقد كان دقيق التدقيق على الكلام وعلى لازمه ولازم لازمه، وكان رحمه الله يذكر لنا هذه الحادثة مزكيّا حسن البنا، وكيف أن حسن البنا أعلن في محاضرة لاحقة عن أن الشيخ الحموي لاحظ عليه كيت وكيت وأن الحق معه في كيت وكيت، كان الشيخ يقص علينا هذه القصة من باب أن حسن البنا على عظمته لم يكن يستنكف أن يعلن أمام الملأ أجمع عن أنه أخطأ إذا كان فعلاً قد وقع في الخطأ. وقد اجتمع له رحمه الله مع الاستقامة الكرامة، وقد عرفت له الكرامة من شبابه وقد رأى إخواننا في مصر من كراماته وقد رأى تلامذته من كراماته الكثير وبعض كراماته مشهورة في حماة معروفة. وما ذكرته هو بعض مافيه فهل يلومني في حبه إلا سفيه. وكان الشيخ رحمه الله على وزنه العلمي وعلى قوة شخصيته يرى أن حسن البنا رحمه الله مجدد قرون وليس مجدداً لهذا القرن فحسب وقد واطأه على ذلك الأستاذ الندوي حفظه الله وقد فهم بعضهم من ذلك أنه نفي لوجود مجدد دين في القرون الخالية وليس هذا صحيحاً بل نوعية التجديد كانت من السعة في دعوة الأستاذ البنا بحيث شملت جوانب واستهدفت أهدافاً لم تتطرق إليها دعوات التجديد في بعض القرون السالفة.