من السابعة والأربعين الى التاسعة والأربعين
(سنة 1982 – 1984 م)
بعد خروجي من القيادة عدت الى العكوف على التأليف، وكان للتنظيم العالمي قيادة مؤقتة لها حكم مكتب الارشاد، وكانت هذه تعد لاجتماع مجلس شورى التنظيم العالمي، وكان هذا المجلس على أبواب تشكيل جديد، اذ طولبت الأقطار أن تقدم ممثليها له، وكانت لائحة هذا المجلس تنص على أن لمكتب الارشاد أن يرشح ثلاثة يوافق عليهم مجلس الشورى، فيكونوا أعضاء فيه، وقد وقع الترشيح في جملة من وقع علي وعرض اسمي على مجلس الشورى فقبله، فأصبحت بذلك عضوا في مجلس الشورى العام، وصادف ذلك اللقاء الأول لمجلس الشورى العام، فدعيت اليه، وكان ذلك في نيسان (أبريل) الشهر الذي خرجت فيه من قيادة الاخوان المسلمين في سورية، كان الاجتماع مباركا، وكان المفروض أن تبحث فيه أمور ذات بال، فلم يسع الوقت، فاتفق على لقاء استثنائي، ولكن لم أستطع الحضور، واختارني مجلس الشورى العام لعضوية مكتب الارشاد في غيابي ودون استشارتي. اجتمع مكتب الارشاد اجتماعه الأول ودعيت اليه فقدمت اعتذاري عن العمل وذكرت جملة أسباب:
1- ان هذا الثوب فضفاض علي فلست مؤهلا للباسه وسني لا يصلح لهذا المقام.
2- ان لي خصوماتي الكثيرة وهذا المقام لا يصلح له من كان كذلك.
3- ان طبيعتي وأخلاقي وتركيبي النفسي لا تجعلني مؤهلا لهذا العمل.
4- وأخيرا فان تجربتي في العمل في القيادة السورية أوصلتني الى أن المجموعة العاملة اذا لم تكن متفاهمة متلاحمة فالعمل يتعرض في كل لحظة للانكسار.
لم يقبل اعتذاري وشاركت في الاجتماع الأول. كانت انجازات اجتماع المكتب جيدة واتفق على لقاء لاحق، وكان الاجتماع ايجابيا، وتم اجتماع ثالث لمكتب الارشاد قبل شباط (فبراير) موعد اجتماع مجلس الشورى العام، وفي هذه الاجتماعات الثلاثة توضحت معالم السياسة للمرحلة المقبلة الى حد كبير، وتوضحت معالم البناء الذي على مكتب الارشاد أن يقيمه. وأهم شيء في السياسات الاخوانية الجديدة موقف الاخوان من الحكومات، فالمناصحة هي الوسيلة التي ينبغي أن تعتمد مع كثير من الحكومات.
***
الذين يعملون في العمل الحزبي السياسي مضطرون لمسايرة كثير من الأمور التي لا يرتاحون اليها، وقد يضطرون للصمت على أخطاء أحزابهم والدفاع عنها لأن هذا جزء مما يفرضه الانضباط الحزبي، ثم هم يضطرون لمسايرة أهواء الرؤساء والمرؤوسين وأصحاب القرار وأصحاب الأصوات الانتخابية للاحتفاظ بمواقعهم. ولم أكن أهتم لذلك. وكنت أرى أن وضع الاخوان المسلمين كتجربة رائدة في العمل الاسلامي لا يصلحه ذلك لأنه اذا أصبح العضو في الاخوان المسلمين أسير ذلك فان الجماعة معرضة للجمود والانغلاق ثم الموت، ولكن لا بد من صيغة أجمع فيها بين كل ما أعتبره مصلحة للاخوان المسلمين وبين انضباطي الحزبي داخل الجماعة. كنت أرى أن الحل في نقطتين، واحدة في الجماعة وواحدة في نفسي، أما الجانب الذي له علاقة في الجماعة فهي أن تكون الجماعة في مؤسساتها وأشخاصها ونظرياتها التنظيمية ومراتب العضوية فيها وخططها العملية على المستوى المطلوب. وأما الجانب الذي له علاقة بي فهو أن أبتعد عن المنافسات الإدارية وأن أقول بحرية كل ما أرى أن للجماعة مصلحة فيه مهما كلفني ذلك، وقد حاولت بالنسبة للجماعة الكثير من أجل تطويرها ان في مناهجها الدراسية التربوية أو في محاولة تطوير نظرياتها التنظيمية أو أنظمتها أو مؤسساتها، فمثلا حاولنا كثيرا أن نربط بين درجات العضوية والثقافة والالتزام والخصائص والتخصص. أما اعتزال الادرايات – والاداريات هي التي تسبب المماحكات والحساسيات والتخوفات والمنافسات – فكثيرا ما وجدتني في وضع لا مفر لي منه من أن أشارك، واذا شاركت فلا بد أن أعطي المقام حقه. كانت السنتان اللتان أعقبت أحداث حماة حاسمتين في مستقبل سورية الاسلامي. وكان أدبي في هذه المرحلة النصيحة، لكنني اضطررت لموقفين لم يكن لي منهما بد:
الموقف الأول: ان المفاوضة للمصالحة مع حافظ أسد تجاوزت حد المصلحة.
الموقف الثاني: عندما قررت القيادة السورية قطع المساعدات عن بعض من قذفت بهم ظروف المعركة الى خارج سورية فلم أستطع السكوت، وكانت محصلة هذين الموقفين تأزم الوضع بيني وبين القيادة السورية، وتجاوزنا هذه الأزمة بصعوبة. كنت في هذه السنة عاكفا على التأليف مع شيء من الرعاية للاخوة الحمويين خاصة. قبلت استقالتي في سنة 1984 – من مكتب الارشاد – من مجلس الشورى للتنظيم العالمي، وكانت معلقة.