مرت على سورية عهود فيما بعد الاستقلال حتى الوحدة نجملها فيما يلي:
عهد الديمقراطية الأولى، عهد حسني الزعيم، عهد أديب الشيشكلي، عهد الديمقراطية الثانية، عهد الوحدة.
وصل عدد الاخوان المسلمين في الديمقراطية الأولى في دمشق وحدها حوالي خمسة وسبعين ألفا، وكانوا اذا نزلوا باستعراض ينزل من جوالتهم حوالي ألفي كشاف. جاء عهد حسني الزعيم فألغى الأحزاب ثم استمر ذلك في عهد أديب الشيشكلي، وكان الاخوان يعملون سرا في عهد أديب الشيشكلي، ولم يطل عهد حسني الزعيم، فلما جاءت الديمقراطية الثانية أخذ الاخوان المسلمون قرارا عجيبا هو أن يعكفوا على التربية وألا يدخلوا الانتخابات، فخالفهم في ذلك الأستاذ محمد المبارك واستقال من الاخوان ورشح نفسه، فسقط في الاقتراع الأول، ونجح في الاقتراع الثاني بعد أن عمل له الاخوان المسلمون وكنت فيمن سافر الى دمشق للعمل من أجل الانتخابات، كانت سورية تمور مورا في التحركات السياسية، وكان واضحا أنها تسير نحو هاوية خطيرة، وكان على الاخوان المسلمين أن يكونوا أكثر الناس حيوية سياسية في ذلك العهد، وكان المفروض أن يتعقل الحزبان اللذان حصلا الاستقلال: الحزب الوطني وحزب الشعب، وكان تحالف بين حزب الشعب والحزب الوطني والاخوان المسلمين وشخصيات وكتل مبعثرة، وتجميع لقوى هؤلاء في الجيش يمكن أن ينقذ سورية وأن يبقيها في المسار الديمقراطي ولكن الاخوان غلبت عليهم عقلية التميز والأنفة من التحالفات، والحزب الوطني تحالف مع اليسار، فوجد ما يسمى بالتجمع القومي، وحزب الشعب حاول على مستوى البرلمان أن يكتل، ولكن لا قاعدة طلابية، ولا قاعدة شعبية، ولا المخابرات ولا الجيش كانوا بجانبه، وكانت الأحزاب ذات الفكر الجديد تتمثل بالحزب الشيوعي الذي أصبح قوة عسكرية وانتخابية، وبالحزب القومي والاجتماعي الذي صفي بعد تورطه في قتل عدنان المالكي، وبحزب البعث وبالحزب العربي الاشتراكي، وكان هناك حزب سطع في مرحلة سابقة ثم خبا وهو الحزب التعاوني الاشتراكي. تجمع اليسار كله: حزب البعث العربي الاشتراكي والشيوعي مع الحزب الوطني بقيادة صبري العسلي، وكان وراءه المخابرات وقوى كبيرة في الجيش، وفي هذا المناخ نزل الدكتور السباعي في انتخابات فرعية فسقط أمام رياض المالكي، فانتصر اليسار على الإسلاميين وعلى اليمين بآن واحد. كانت غلطة كبرى للحزب الوطني، وكانت السنين خداعة، عصفت بالعقول، وكان اليسار يشتغل بذكاء، فقد سيطر على مراكز القوة كلها في الجيش وفي المخابرات وأجهزة الأمن والوزارات والحركة الثقافية، وأوجدوا مقاومة شعبية مسلحة من أنصارهم فوقعت سورية وهي في ظل الديمقراطية في قبضتهم، وههنا طرح بعض الضباط شعار الوحدة مع مصر، وكان وقتها شعار لا يقاوم، فتجاوب معه الجميع وبديمقراطية كاملة.
وقعت سورية ميثاق الوحدة فجاء عهد جديد وكان من شروط الوحدة أن تحل الأحزاب نفسها، فكان ذلك، وحل الإخوان المسلمون أنفسهم وانفرد الحزب الشيوعي فلم يعلن حل نفسه، وهكذا وجد عهد جديد في سورية. كان الاخوان المسلمون قد خرجوا من عهد أديب الشيشكلي منقسمين على أنفسهم، فاستقبلوا عهد الديمقراطية الثانية، وهم ضعفاء. وقد أصيب الدكتور السباعي بجسده بعد الانتخابات، فزاد ذلك من قلة الفاعلية. وسورية تمور كالبرلمان، ونحب ههنا أن نسجل مرة ثانية لأسرة فارس الخوري مع أنها أسرة نصرانية تلاحمها مع الاخوان المسلمين، وأن فارس الخوري كان يرى أن المنقذ لسورية هو أن يستلم الاخوان المسلمون سورية، كما سجل ذلك في مذكراته.