يعرف العالم، بل ويعترف، أن القرن الرابع عشر الهجري قد امتاز دون غيره من القرون الهجرية الأخيرة، بقيام مدرسة جديدة طال تشوق المسلمين إليها في مشارق الأرض ومغاربها منذ قرون – هي حركة الإخوان المسلمين، التي أنشأها وكونها ونظمها وبرمجها ووضع لوائحها وبين منهجها وهدفها ووسائلها الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس الحركة والمرشد الأول لجماعة الإخوان المسلمين.
ولئن كان الإمام المجاهد ابن تيمية وتلامذته، قد أدوا إلى الفقه الإسلامي وتوضيح مناهج السلف ما يعد غرة في جبين الفقه الإسلامي، ولئن كانوا قد سجنوا وعذبوا في سبيل التمسك برأيهم الصحيح، ولئن كانوا قد جاهدوا في سبيل الله بالسيف والمزراق فعلا، ولئن كانت لهم مدرستهم التي لا تنكر، ولئن كنا نحن الإخوان المسلمون نعتبرهم أساتذة لنا، إلا أنني أقرر وأنا كامل الإيمان والصدق، أن مدرسة الإمام الشهيد حسن البنا كانت أعمق أثرا وابعد فاعلية في نفوس شباب المسلمين، ذلك لان مدرسة الإمام ابن تيمية أخرجت فقهاء وعلماء حقا، ولكن مدرسة البنا أخرجت مجاهدين في ميادين القتال، ومثلا في مواقف النضال، كما أن مدرسة ابن تيمية اقتصرت على المحيط الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط وبعض البلاد الإسلامية المتنائية، بينما بسطت مدرسة البنا تعاليمها على ارض القارات الخمس التي تكون هذه البسيطة التي يحيا عليها البشر أيامنا هذه. يضاف إلى ذلك أن القوى التي حاربت ابن تيمية كانت مقصورة على حكام الشام ومصر، أما حركة البنا فان كل قوى الشر من صليبية وصهيونية وشيوعية، تناصبها العداء وتحمل عليها حملات ضارية، لا مثيل لشناعتها وبشاعتها، وخستها ودناءتها، بل وحرضت هذه القوى الطاغية كل حكام البلاد الإسلامية الذين يدورون في فلك تلك القوى الظالمة الشريرة، حرضتهم على الفتك بالاخوان المسلمين ومطاردتهم في كل مكان. ورغم ما أوقعته تلك القوى من إيذاء بجماعة الإخوان المسلمين، فما زالت هذه الجماعة تحافظ على كيانها، وتستبسل في التمسك بتعاليمها، وتقدم الآلاف من الشهداء، في رضاء وقناعة ورجولة بهرت العالم كله وحملته على الاعتراف بأن رجال الإخوان المسلمين مُثلا منقطعة النظير، في التمسك بالعقيدة، والأريحية في العطاء الذي لا حد له.
"مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" ()..
ولا أقول هذا انتقاصا لفضل ابن تيمية ومدرسته على المسلمين، فما ينكر ذلك إلا جاحد، ولا يماري فيه إلا معاند، وأعوذ بالله من أن يكون مسلم من بين هؤلاء المعاندين، ففضل ابن تيمية فوق مستوى شبهات الممترين، ولكني أقوله تقريرا لحقيقة تكابر فيها القلوب الضالة المركوزة بين حنايا الصدور، واعتذر إلى الإمام ابن تيمية ومدرسته، إلا أن ابن تيمية وتلامذته قسوا كثيرا على معارضيهم في الرأي وتناولوهم بألفاظ مرة قاسية، وهو الأمر الذي حرص الإمام الشهيد على الابتعاد عنه والنفور منه، وتوصية تلامذته بعدم الإساءة إلى احد من معارضيهم في الرأي أو الاتجاه، فلم يَزل لسانه يوما أو قلمه بكلمة نابية ضد احد، بل عف وسما، وسامح وصفح صفح الكرام القادرين، وكان دائما وقافا عند قول العلي الكبير..
" ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور"()
فكان الصابر على الأذى، الغافر لمن أساء واعتدى.
هناك أيضا أمر آخر، لا دخل فيه للرجلين، ابن تيمية وحسن البنا، ففي عهد ابن تيمية كانت أجهزة الإعلام محدودة، فلم يحظ ابن تيمية في عهده بما حظي به حسن البنا في حياته من شهرة وذياع صيت، ونباهة ذكر في كل أنحاء العالم، فعرفه الناس، وكتب عنه الكتاب، وتحدثت عنه الصحف والمجلات فكان هذا العامل الذي لا دخل لأحد الرجلين فيه.
"ذلك الفضل من الله" ()
وللرجلين عندنا المكانة العليا.
لم يأت حسن البنا بدين جديد، فهو متبع ولا مبتدع، ولم يأت بمفهوم جديد للإسلام، لا يعرفه المسلمون الآن ومن قبل، ولكن دوره المنبه المذكر، الصارخ بالمسلمين أن هبوا وعودوا إلى دينكم فقد طال بكم الرقاد، واستبدت بكم الغفلة، التي لا تليق بالمسلم الكيس الفطن، أو إن شئت تشبيها ارق كتشبيه المغرمين بالأدب ورقته، الأمر الذي لم أمارسه ولا أتقنه، فقد كان دوره دور النسمة الواعدة البليلة في أوقات السحر، تذود غبارا لامس الناعم من أوراق الزهر الحالمة، في الهزيع الأخير من الليل، حتى تشرق الشمس، ويصحو النوام على روعة الورد والياسمين، والآس والنسرين، في أبهج ما تكون متعة المسبحين بجميل صنع الله، الرانين إلى روعة خلق المبدع العلام.
وسرت الدعوة، دعوة الإمام الشهيد، سريان الحياة في جنيات الغثاء الاحوى، فتترعرع، حين كادت أن تضمحل وتذوي، فأورثتها يقظة وعزة ومنعة، أنتجت عملا وتطبيقا وتنفيذا، راع التماعه قلوب أعداء الشريعة السمحاء. ومن أعجب العجب انه لم تتعرض جماعة إسلامية لمثل ما تعرضت له جماعة الإخوان المسلمين، وما ذلك إلا لأن أعداء الإسلام أيقنوا – عن دراسة – بخطورة هذه الدعوة على آمالهم التي خططوا لتحقيقها منذ مئات السنين، واخذوا ينفذون مخططاتهم في تؤدة وهدوء وخطى وئيدة ثابتة، وخبث دفين، في صور شتى وألوان متخالفة لم يشعر بها كثير من المسلمين، فلم يعرفوا ماذا يراد بهم، والى أين يساقون؟ فلما تجلت دعوة الإخوان المسلمين بروعتها على الوجود، تبين أعداء الإسلام مكمن الخطورة على ما يؤملون، ولهذا كان الإخوان المسلمون نقمة كل كاره للإسلام ومن يحركونهم.
وفي هذا الموجز لست بمتحدث عن نشاط الإخوان المسلمين في مختلف المجالات بجميع أسمائها ومسمياتها بل ولا النتائج التي أسفرت عنها تلك النشاطات، لا لعدم أهميتها ولكن لان التعرض لها يستدعي مجلدات ضخمة لا يتسع لها حيز هذا الموجز البسيط، ولكن الحديث هنا عن فهم الإخوان المسلمين لدينهم، وتلمسهم لكل أغواره وأبعاده العملية، وتذوقهم لحلاوة آيات الكتاب الكريم، وطلاوة أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، الحسن منها والصحيح والمرسل والمرفوع، واستفتائهم لقلوبهم الطاهرة المستنيرة، وبعدهم عن الدخول في نقط الخلاف الفقهية، ومعاشرتهم الحقة لسيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) العملية في كل مناحي الحياة قدر طاقتهم، ملتزمين للأثر النبوي الكريم وعمل الصحابة الأبرار (رضي الله عنه) وأرضاهم أجمعين، الذين التزموا الأثر النبوي حبا وطاعة، حتى يبلغ الأمر بعبد الله بن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في التزامه، أن يحرص على أن يوطئ أقدام ناقته مواطئ أقدام ناقة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حله وترحاله.
عشت مع الإخوان المسلمين وفيهم، عشرات السنين ما بين شدائدهم ورخائهم، في انطلاقاتهم إذا ما أتتهم الأحداث، وفي التربص إذا ما حدت قوى الظلم والشر من هذا الانطلاق المشرف النبيل، فكان الشكل مطابقا للمضمون ومعبرا عنه، على ابهر صور الموافقة بين الشكل والموضوع، لذا رأيت لزاما علي ووفاء لبيعتي وإشهارا لما قد لا يعرفه الكثيرون من غير الإخوان أن اعرض للناحية الروحية فيهم، وما أضفته عليهم من خلال وسجايا عجز الاكثرون عن مجاراتهم فيها، لأنهم لم يعايشوا دينهم كما عايشه الإخوان المسلمون.وكل الذي ابتهل به إلى الله، أن يطهرني من التعصب لطائفة من المسلمين أحببتهم وعشقتهم، وان كنت لم أف بحقهم عملا واجتهادا ونشاطا وتضحية، وكل عذري في هذا التقصير أنني ضعيف الجهد قليل العلم، واهي الطاقة، وما اعتذر ولا استتر إلا وراء ما فهمته من قوله تبارك وتعالى تقريرا ودعاء وابتهالا.
" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين" () .. صدق الله العظيم
وبداءة، أقرر صادقا، أنني لم أف الأمر حقه من البيان، ولا أنكر أنني خطاء، شأن كل ادمي ولكني إذا تبينت الخطأ تبت وانبت. ويسعدني حقا أن يردني كل ذي علم إلى الصواب فيما يراه من الأخطاء فكلي تسامح عن كل من يتناول هذه النظرة بالنقد أو التهجم أو الإنكار.
" ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا"().
" ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير"().