لقد دخل الإخوان المسلمون سجون عبد الناصر، وخلفوا وراءهم أبناءهم وزوجاتهم ومن يعولونهم، بلا عائل ولا معين من البشر، وكان أولاد الكثيرين يتعثرون في دراستهم تعثرا مزعجا، فماذا كانت النتيجة عندما احتسبوا كل ذلك عند الله، ولم يشغلوا به أنفسهم في سجونهم، ثقة منهم بربهم، وتوكلا عليه، باعتباره جل وعلا نعم الخليفة في الأهل والمال والولد؟.. وحتى عندما ساومهم الظالمون على إطلاق سراحهم مقابل تخليهم عن بيعتهم، بتأييد الظالمين، أبوا وأصروا على ما هم عليه، وفضلوا ما عند الله على ما عند الناس، فكانت العاقبة أن حفظ الله عليهم أزواجهم، وفتح على أبناءهم فلم يتعثروا حتى حصلوا على أجازاتهم الدراسية النهائية، واليوم ترى انه ما من أخ صبر على المحنة واحتسب وحمد وشكر، إلا وهو في بسطة من الرزق، وسعة من العيش ، ونباهة في الذكر، وعلو في المنصب، وذلك الفضل من الله، وكفى به وليا ونصيرا وعليما.
وهذه حقيقة، والحقائق ثابتة الأصول، وطيدة الأركان، لا سبيل إلى تغيرها أو تبديلها أو خروجها عن حقيقتها التي أوجدها الله تعالى فيها وعليها، فالحدث المفجع يفجع بحقيقة نوازله، ولا بد لنا من الاعتراف بهذا، وليست آلام الحدث سببها صورة الكارثة نفسها، لأن الصور تتغير وتتبدل بمرور الأيام، وصروف الملابسات، وهذا لا يعنينا قطعا فيما يختص بالنازلة نفسها، أما حقيقتها فلن يقدر على إيقافها وتعطيل آثارها إلا الخلاق الذي أوجدها، وهو وحده القادر على تغييرها وتبديلها، وهنا موقف الإيمان الحق، فمن آمن وسلم بأن الله لا يجري قضاءه عبثا، اطمأن قلبه، وأيقن أن وراء ما ساءه شيء يعلمه الله، وقد يكون فيه خيرا كثيرا، وهنا تهون قسوة الحقيقة على المؤمن الذي يعلم أن هناك ربا، من اظهر صفاته انه الرحمن الرحيم. ولهذا لم تبدل الأحداث رغم قسوتها شيئا من اليقين عند المؤمن، فيستقبل الأمر، لا جزعا ولا مشفقا ولكن مؤمنا بالله، واثقا في رحمته وقدرته، قدرة الله الذي يقلب الليل والنهار، ويفعل ما يشاء لما يريد ويختار، ألا تراه سبحانه يقول في كتابه الكريم:
" والسموات مطويات بيمينه"()..
وان هذه اليمين التي تشير إليها الآية الكريمة هي التمكن من طي السموات والأرض، أي القدرة التي تفعل ما تشاء، كيفما تشاء عندما يشاء، وما دام هو القادر حقا وصدقا على طي السموات والأرض وكشط هذه السماء التي نراها فهو قادر على إزالة وتغيير كل شيء، حتى الحقائق التي يعتبرها البشر حقائق لا سبيل إلى تغييرها.
لقد تعلم الإخوان من إمامهم الشهيد، مما قرأ في كتاب الله تعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ومن علم الفقهاء، وما أفاء الله عليه من صفاء التوحيد الخالص، حتى إذا قرءوا:
"ليس كمثله شيء"() ..
استبان لهم، كما استبان لأسلافهم، من الخُلّص الموحدين، أن هذه المثلية إنما هي مثلية لغوية، وليست مثلية عقلية، ذلك لان عقول البشر اعجز واقصر من أن تدرك من ماهية الذات العلية شيئا، وأنى للمخلوق أن يدرك من ذات ربه تصورا، مهما شطح به الخيال، فاستقرت عندهم حقيقة قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : " البحث عن الذات إشراك، والقصور عنها إدراك"، فاطمأنت قلوبهم فعلا إلى الحقيقة القائلة: "كل ما خطر ببالك، فالله وراء ذلك"، وقد تعلمت منهم ذلك فبات الأمر عندي فوق مدركات العقول. انه الإيمان الحق والتوحيد الخالص، الذي نبتهل إلى الله ضارعين أن يحيينا عليه وان يميتنا عليه، وان يلهمنا به حجتنا يوم العرض الأكبر عليه.
بهذا الفهم لم يختلط الأمر على الإخوان المسلمين، ولم يدخلوا فيما دخل فيه غيرهم، عندما اختلط عليهم فهم الصفات، وقد ضرب احد الصالحين مثلا لاختلاف معاني الصفات، صفات الله سبحانه فقال: كل حبة قمح فيها من الحقائق ما في أختها، كما نعلم أيضا أن هذه الحبة ليست عين الحبة الأخرى، وان كانتا تحتويان على حقائق متماثلة، فانهما مثلان. كذلك شأن الأسماء الإلهية كل اسم جامع لما جمعت الأسماء من الحقائق، ثم نعلم على سبيل القطع أن هذا الاسم، ليس هو هذا الاسم الآخر، هكذا علم الإخوان وهكذا علموا غيرهم، وهكذا كنت من هذا الغير الذي تعلم على أيديهم، من اجل هذا تجد عند الإخوان المسلمين، ما لا تجده عند غيرهم، مما أعانهم، لا على ما حل بهم، ولكن على الرضاء بكل قضاء أجراه الله عليهم، فلم ينطووا على كره ولا على حقد لأحد.
وإذا كان العلم البشري الواحد، قد يتعلق بالمعلومات الكثيرة، والإرادة الواحدة تتعلق بالمرادات المتعددة، والقدرة الواحدة بالمقدرات الكثيرة، كما يقول بعض الصالحين، فهل لا يتيقن عندنا أن الله على كل شيء قدير، مهما تعددت صفاته؟ إن الله سبحانه وتعالى قد ركب في عباده العديد من الصفات التي قد يتمشى بعضها مع بعض، وقد يتعارض بعضها مع بعض، ليعلم وهو العليم من قبل، أين يذهب كل مخلوق من أوامره ونواهيه، ولتكون الحجة عليهم من أنفسهم. ففي الإنسان معرفة للحق، وفيه تبين للهدى، وكلا الامرين متقابلان في النفس البشرية، وفي الإنسان عقل يميز وفيه شهوة غلابة عمياء. وهكذا، أدرك الإخوان أن أنفسهم واقعة بين قوتين جبارتين، الروح والمادة، هذه ترتفع بها إلى أسمى الحقائق، وتلك تنزل بها إلى أحط النزوات، والحرب بينهما طاحنة لا تهدأ، وكلاهما من الله.
" قل كل من عند الله"() ..
فمن اهتدى فله الحسنى، ومن ضل فله السوء.
"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا"()..
"انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا"()..
وهذا أيضا تعلمته على يد الإخوان المسلمين، مما فتح الله به عليهم، جزاء توحيده الخالص، وقلبهم النظيف وفهمهم الصحيح.
بهذا تعلمت من الإخوان المسلمين أنهم ابعد الناس عن الشخصيات، لا يألفون إنسانا إلا على قدر مستواه من الصلاح والتقوى، وعلى قدر ما يقدمه لدينه وللمسلمين وللناس أجمعين من نفع وخير، على أن يفكر في غيره قبل أن يفكر في نفسه، ويهتم بما ينفع الناس، قبل أن يفكر في نفعه الخاص. لهذا أحبوا مرشدهم الأسبق كما أحبوا مرشدهم السابق، لأنهم وجدوا فيهم ما يأملون ويحبون، إنهم لم يحبوا واحدا من المرشدين السابقين لتكوينهما العضوي، ولكن لما هدوهم إليه من خير الدنيا والآخرة، ذلك لان الله سبحانه أمر سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يقتدي بهدي الأنبياء والمرسلين الذين سبقوه عليهم جميعا الصلاة والسلام، ولم يأمره أن يقتدي بهم لذواتهم وشخصياتهم، ولذلك قال جل وعلا:
"فبهداهم اقتده"() ..
ولم يقل فبهم اقتده، وهكذا فهم الإخوان المسلمون، أن الله وحده هو المعبود والمقصود والمطلوب والمرغوب والأمل والغاية والمنتهى. إننا جميعا قاصدون، وهو وحده المقصود، ولا شيء غيره، لأنه أوجد كل شيء في هذا الوجود، لهذا الوجود، ولم يوجده له جل وعلا، إنهم لهذا حرصوا على أن يكون علمهم بالله فوق كل علم يتعلمونه، لان الله هو الأجل الأعلى، فالعلم به وله يعلو فوق كل علم، ومعلوم، فاتخذوا الدنيا معبرا يعبرونه إلى الآخرة، فعبروه ولم يعمروه، وكان أول شعارهم "الله غايتنا" فتعلمت منهم، سائلا ربي أن ينفعني بما علمت.
استبان للإخوان المسلمين في وضوح كامل، أن ما يعملون من الأعمال، بعدما علموا، أن هذه الأعمال ليست مقصودة لذاتها، ولكنها تعمل وتؤدى وتمارس، للشيء الذي عملت أو أديت أو مورست من اجله، ألا ترى أن الكلمة إذا نطق بها الإنسان، فانه لا يقصد بها، من نطقها إخراج حروفها، ولكنه يرمي من النطق بها، المعنى الذي تؤدي إليه هذه الكلمة المنطوقة. فهم إذا صلوا، لم يقصدوا أبدا الحركات والقراءات التي يؤدون بها هذه الصلاة، في شكلها المادي، ولكنهم تعلقت أذهانهم بالحصول على ما قصدت به هذه الحركات المبتدأة بالتكبير، والمنتهية بالتسليم، روعة في الفهم، وجلال في الأداء، وانتهاء إلى ما ثبت من أن الصلاة إنما:
"تنهى عن الفحشاء والمنكر" ()..
فان لم يحققوا هذا المعنى من الصلاة في أخلاقهم، ومعاملاتهم، فان صلاتهم هذه لم تزدهم من الله إلا بعدا. ولما استيقنوا من هذا، ازدان خلقهم بالحلم وطول الأناة فلم يقابلوا شرا بشر، لان ما أصابهم كان يرمى إلى القضاء على ما ازدانوا من إيمان ويقين، فتركوا المقصود من ذلك الإيذاء، إلى صاحب المقصود، جل وعز، واحتسبوا الأمر كله عند صاحب الشأن أولا وأخيرا. إنهم لم يغضبوا لأنفسهم لأنهم يعلمون أن الغضب ظلمة في القلب، وقد قال بعض الفاقهين لهذا المعنى: " إن الغضب ظلمة في القلب، ولذلك لما غضب يونس عليه الصلاة والسلام، اسكنه الله في ظلمة بطن الحوت"، ما أكثر ما تعلمت من الإخوان المسلمين، إنهم السعداء الذين لا يشقى بهم جليسهم.
إنهم لما علموا أن الله قسم الصلاة بينه وبين عباده نصفين، اقبلوا على حمده والثناء عليه إقرارا بفضله في الأولى والآخرة، وساءلوا أنفسهم من نحن، حتى تقع القسمة بيننا وبين صاحب كل شيء، ومالك كل شيء وخالق كل شيء؟ أيقنوا أن هذا الحمد والثناء الذي تقدموا به إلى ربهم ما كانوا ليقدروا عليه، لولا انه هو وحده الذي أقدرهم عليه.
"وما بكم من نعمة فمن الله"()..
علموا أن الغيب لله، وانه احتفظ به لنفسه دون غيره، وعلموا انه ما دام قد جعل الغيب لنفسه، فقد جعل من بين منافع الليل انه جنة لأهل طاعته سبحانه، فان أحدا لا يعلم ما الله فاعل بعباده، لأنه استتر بالغيب في هذا المجال، ومن هنا فقهوا بأن الليل لا يمكن أحدا من معرفة ما يباشره المتهجدون بالليل، فستر الله تعالى تهجدهم بالليل بحجاب ظلمة الليل التي ارسلها إليهم.
"وجعلنا الليل لباسا"()..
لباسا لهم، فالبصر مكفوف بالظلمة، والسمع مكفوف بهدوء الليل وسكونه، والقلب مكفوف بالانقطاع عن مشاغل الناس بالنهار، فصفوا أقدامهم واسهروا ليلهم، وقوفا أمام الحبيب العظيم، وهم يناجونه:
يا مؤنسي بالليل إن هجع الورى ومحدثي من بينهم بنهار
وفهموا كل الفهم المعنى الذي تضمنه الحديث ما معناه: "كذب من ادعى محبتي، فإذا جن الليل نام عني".
ومن جليل ما تعلمته من الإخوان المسلمين، من روائع الصلاة، أن بين الإنسان وبين مقام القرب من الله، والمثول في ساحة الشهود، هضاب وتلال وصحاري مهلكة، لابد له أن يتخطاها وان يتجاوزها ليحظى بمنازل القرب، ورياض الرضاء، فالنفس لها مطالب، لها مطالب شائكة، وهناك الشهوات التي طلما أطاحت بالكثير من البشر، وهناك مال محبب اقتناؤه للنفس وبهرج وزينة وغنى واقتناء، بيّنها كتاب الله عندما قال:
"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب"..
وكلها صعاب وعقبات وموانع وسدود، قّل من يستطيع تذليلها والنفوذ منها إلى بر الأمان، والخدم والحشم والرئاسة والمكانة والسيطرة والسلطان، كل تلك موانع تقطع طريق الوصول إلى منازل القرب ومخيمات الصفاء. ولكن الإخوان المسلمين كان من فضل الله عليهم، إنهم سجدوا فأحسنوا السجود، وتذللوا في سجودهم، فبلغوا الذروة من العز والإكرام، سجدوا وطال سجودهم طمعا في تحقيق قول الله تعالى: "واسجد واقترب"()، وقد تعلمت ذلك واني لبين الخوف والرجاء، الخوف من تفرد الله أن يفعل ما يشاء، فلا يسأل عما يفعل، وبين الرجاء في رأفة ارحم الراحمين.
إن الأنفاس التي نصعدها لا نحصرها ولا ندري متى عنا تزول، وأنها لأنفاس غالية..غالية جدا.. غاية في النفاسة، لان كل نفس منها مضى لن يعود، ومن العناية الفائقة ألا تخرج هذه الأنفاس الثمينة إلا في العزيز الغالي، ومن اجل هذا ، فالاخوان المسلمون لم يضيعوا أنفاسهم الغالية في الحقير التافه من الأمور.. السينما الماجنة، المسرح الخليع، الرياضة الضارة، الترفيه الرخيص، السمر المبتذل. عرفوا أنهم خلقوا للعبادة، وهذه الأنفاس من بين ما يعينهم على الوصول إلى منازل القرب من الكريم الوهاب، فصعدوا أنفاسهم في الجد في العمل.. في السعي.. في شد الأزر.. في تكوين البنيان المرصوص.. في الناس، ولئن كان وجود الإنسان على هذه الأرض أمر استفاده الإنسان فعلا، فقد كان من اثر ذلك انه جُبل على التحصيل، فإن بذل وإن انفق وإن اخرج، فقد تغلبت فيه النفخة الربانية على العجينة الطينية، فهو قد تخلص من خسة الشح، وهذا أكثر ما رأيته في مجتمعات الإخوان المسلمين، فهل حصلت من ذلك على نصيب؟ .. أرجو وآمل.