الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخلاص
المؤلف: جمعة أمين
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب الأول - من دلائل الإخلاص بوجه عام

الباب الأول

من دلائل الإخلاص بوجه عام

لما كان الإيمان هو حركة قلبية لابد له من صورة عملية واقعية، يتجلى فيها، ليثبت وجوده، ويترجم عن حقيقته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 'ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل'.

ومن ثم يرد مثل هذا التعقيب كثيرا في القران الكريم لتقرير هذا المعنى الذي يقرره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعريف الإيمان وتحديده وإخراجه من ان يكون كلمة تقال باللسان، أو تمنيا لا واقعية له في عالم العمل والواقع.

وكذلك الإخلاص هو حركة قلبية وكان لابد له من دلائل ظاهرة لتدل على وجوده حتى لا يكون كلمة تقال.

ولكي يحقق المسلم الإخلاص في قلبه ويترجمه سلوكا في حياته يجب ان يضع نصب عينيه أمورا بينّها لنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كمعالم على طريق المخلصين يعرفون بسيماهم وسلوكهم يراها الناس حياة فيهم فيطمئنوا لظاهرهم ويتولى المولى سبحانه وتعالى سرائرهم والعبرة بالخواتيم.

من هذه الدلائل.:

أولا: صدق النية والإرادة ومراقبة الله تعالى عند كل عمل

وهو الا يكون له باعث في الحركات والسكنات الا الله تعالى فان مازجه شيء من حظوظ النفس بطل الصدق. قال بعض السلف: اني لاستحب ان يكون لي في كل شيء نية حتى أكلي وشربي ودخولي الخلاء ولذلك من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلمنا الاعتصام من لوثات الرياء 'اللهم اني أعوذ بك من ان أشرك بك شيئا اعلمه واستغفرك لما لا اعلمه'.

فالمخلصون بحق يتحكمون في عاداتهم، ويستعلون على شهواتهم، ولا تستعبدهم ملذاتهم، ولا يستلذهم هواهم بصدق النية ومراقبة الله تعالى وإتباع ذلك العمل الصالح. لان الله لا يقبل عملا الا بركنين أساسيين:

1-تصحيح النية وتحقيق الإخلاص

2-موافقة السنة والشرع أي صواب العمل.

وبالركن الأول يتحقق صحة الباطن، وبالثاني صحة الظاهر، وقد جاء في الركن الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم 'انما الأعمال بالنيات'[1] فهذا هو ميزان الباطن.

وجاء في الركن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم 'من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد'[2].

وقد جمع المولى سبحانه وتعالى الركنين في آية واحد فقال: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) [3].

فإسلام الوجه لله: إخلاص القصد والعمل له، والإحسان فيه متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته. قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) [4]. أحسن العمل أخلصه وأصوبه، وقيل له يا أبا علي: ما أخلصه وما أصوبه؟ قال: ان العمل إذا كان خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا –والخالص: ان يكون لله، والصواب ان يكون على السنة. ثم قرأ الفضيل قوله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [5].

وبهذا الصدق في النية والارداة يزداد لدى المخلصين رصيد الإيمان ومدخر البر والإحسان، ويحققون انتصارات على النفس والهوى والشيطان فيصيروا عبادا للرحمن. فيأخذون لله، ويتركون لله، ويحبون لله، ويبغضون لله، فهم دائما متيقظون إذا مسهم طائف من الشيطان لعزمهم الجازم على السير في طريق الله. يرافقون كل معين، ويفارقون كل معوق.

لان المخلص حقا من ملك نفسه حين يرغب وحين يرهب وحين يغضب وحين يفرح، وحين يمسك وحين يشتهي، وهذا الشعور يدفع المسلم للالتزام بمنهج الله أمرا ونهيا، تحليلا وتحريما، ويصدر هذا الالتزام من قلب محب لله لان الحب يورث شدة الولاء، ويبعث على العمل والاجتهاد ويدفع لرضا الإله ولو بذل النفس لتحقيق ذلك الهدف الأسمى.

 

 

فهذا مسلمة

حاصر مسلمة حصنا فندب الناس إلى نقب منه فما دخله احد، فجاء رجل من عرض الجيش فدخله ففتحه الله عليهم فنادى 'مسلمة' أين صاحب النقب؟ فما جاء احد. فنادى اني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه الا جاء.

فجاء رجل فقال: استأذن لي على الأمير، فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه، فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له فقال: ان صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثا: الا تسودوا اسمه في صحيفة الخليفة. ولا تأمروا له بشيء. ولا تسألوه ممن هو؟

قال: فذاك له، قال: أنا هو. فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة الا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.

فحق للحسن البصري ان يقول: ان المؤمن والله ما نراه الا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديثي. وان الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه.

وصدق لقمان الحكيم حين قال لابنه: يا بني ان الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فان فتر سائقها ضلت عن الطريق، وان فتر قائدها حرنت، فإذا اجتمعا استقامت'[6].

ولكي يأخذ عمل المسلم حقه من الإتقان والإحسان، عليه ان يراقب الله تعالى فيه: ولهذا حين سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك.

وهذا مطلوب في كل عمل ديني أو دنيوي، فإحسان العمل فريضة على كل مسلم لان الله كتب الإحسان على كل شيء ولا يحفز على الإحسان شيء مثل يقينه بان الله مطلع عليه وناظر إليه يسمع ويرى.

ان الداعي إلى الله يتعرض في عمله لكثير من المواقف التي لو لم يراقب الله فيها لحبط عمله والعياذ بالله، فهو محدث لبق، فصيح لَسöنْ، عالم مقنع. مؤثر جذاب، محبوب محب، شفوق خدوم، خلوق إلى آخر ما يجب ان يتوفر فيه من صفات كريمة، وكل تلك الصفات قد تجره إلى الإعجاب بنفسه، أو الرغبة ان يُعجب الناس به. وهذا وذاك طارد للإخلاص، موقع في الرياء، أو النفاق فليكن من ذلك على حذر بمراقبة الله تعالى ليكسر العجب في كل أمر يسلكه وذلك بالآتي:

1-      ان يرى التوفيق من الله تعالى، لأنه إذا رأى التوفيق من الله تعالى فانه يشتغل بالشكر ولا يعجب بنفسه.

2-      ان ينظر إلى النعماء التي انعم الله بها عليه، فإذا نظر في نعمائه اشتغل أيضا بالشكر عليها واستقل عمله ولا يعجب به.

3-      ان يخاف ان لا يتقبل منه، فإذا اشتغل بخوف القبول لا يعجب بنفسه.

4-   ان ينظر إلى ذنوبه التي أذنب قبل ذلك، فإذا خاف ان ترجح سيئاته على حسناته فقد قل عجبه، وكيف يعجب المرء بعمله ولا يدري ماذا يخرج من كتابه يوم القيامة، انما يتبين عجبه وسروره بعد قراءة الكتاب[7].

 

 ثانيا: استصحاب معية الله والتوكل عليه

المسلم الصادق يلجأ إلى ربه في كل أمر من الأمور ويشعر بمعيته. فإذا مسه الضر قال: رب اني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين. وإذا اشتد ظلام لياليه: نادى في الظلمات ان لا اله الا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين، وإذا اشتد المكر والكيد له قال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، وإذا أحس بالوحدة والغربة قال: رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، وإذا جمع الناس له قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وإذا أعيته الحيل قال: ان معي ربي سيهدين، وإذا أرادوا إفقاره قال: رب اني لما أنزلت إلي من خير فقير، وإذا ساوموه على دعوته قال: آمنت بما انزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا واليه المصير.

وهكذا يستشعر المسلم معية الله في كل حركة وسكنة فينيب إليه ويسلم له قياده: إذ ان المعية تتحقق بالإنابة إليه وهي تتضمن: محبته سبحانه، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عمن سواه ولفظة 'الإنابة' التي تتحقق بها معية الله، تحمل معنى الإسراع والتقدم. فالمنيب إليه المسرع لمرضاته. والراجع إليه في كل وقت، المتقدم في محرابه للوفاء بالعهد، المستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.

ان السعادة الدنيوية والأخروية مدارها على هذا الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله الذي يعصم من الضلالة، فلا يقع في بدعة أو أي آفة من آفات العمل، والاعتصام به يعصم من الهلكة بالتوكل عليه، والاحتماء به، ثقة فيه سبحانه، واطمئنانا لأمره دون حرج في النفس كما قال سبحانه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) ففي هذه الآية ثلاث مراتب: التحكم – وسعة الصدر بانتفاء الحرج – والتسليم.

وهذه هي الاستقامة التي لا تتحقق الا في معية الله سبحانه وتعالى في الأمور كلها (وهو معكم أينما كنتم) فيشعر المسلم ان الخلق فقراء إلى الله، ضعفاء بدونه لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا حياة ولا موتا ولا نشورا.

ترى ذلك في موقف موسى عليه السلام يوم ان قال له أتباعه: إنا لمدركون حين رأوا البحر أمامهم والعدو خلفهم، لكن موسى عليه السلام أجاب بيقين: كلا ان معي ربي سيهدين.

وقالها رسولنا صلى الله عليه وسلم حين خشي عليه أبو بكر الصديق من أعدائه فقال وهو في الغار: لو نظر احدهم تحت قدمه لرآنا؟ قال صلى الله عليه وسلم ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما[8] (لا تحزن ان الله معنا) [9].

وتتحقق هذه المعية كما اخبرنا ربنا في قوله (وقال الله اني معكم لئن أقمتم الصلاة واتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا).

انه شعور المؤمن بالافتقار إلى الله، والشعور به، وذلك يحتاج من العبد المخلص: علم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله وذكر يؤنسه. وبذا تتحقق المعية، فإذا تحققت انزل الله السكينة على عبده وأيده بجنود لم تروها.

وهذه السكينة ليست خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم بل هي منة من الله للمؤمنين المخلصين (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا).

انها سكينة تطمئن بها قلوبهم، وتسكن إليها جوارحهم وتنطق بها ألسنتهم بالصواب والحكمة، وتحول بينهم وبين قول الخطأ والفحش، واللغو، والهجر، وكل باطل؟ يقول ابن عباس  رضي الله عنه كنا نتحدث ان السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه[10].

معية الله في الدعاء:

ان المؤمن حيت تضيق به الأرض بما رحبت ويظن انه أحيط به يجأر بالدعاء إلى الله يطلب معيته ويرجو جواره (أليس الله بكاف عبده؟) لان الدعاء استشعار بالضعف الإنساني، واعتراف بالإله القوي فيناديه الضعيف كي يكون معه يحميه ويحفظه ويرعاه ويكلأه بعنايته، فيتحقق بذلك أسمى أنواع العبودية.

إذ الدعاء مخ العباد، وسمة المخلصين، وسلوك الصادقين، بل والأنبياء والمرسلين المبعوثين رحمة للعالمين، فهم يلجأون إليه في صغير الأمر وكبيره، يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم 'القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس فأسالوه وانتم موقنون بالإجابة، فانه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل'[11].

وكيف لا ينادونه وهو القريب؟ وكيف لا يسألونه وهو المجيب؟ وكيف لا يطلبونه وهو المعطي؟ فيقضي حوائج السائلين (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [12].

ولذا كان التوسل بالعمل الصالح لوجهه سبحانه سببا للإجابة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) فكأن المولى سبحانه وتعالى يأمرنا بأن نطلب حاجاتنا متوجهين إليه وحده مخلصين له الدين، فإذا حقق العبد الإخلاص بترك المعاصي وفعل الطاعات كان الله معه واستجاب دعاءه[13]، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء'[14]، فانه يشعر العبد بالقرب من الله.

ومعية الله تتطلب التوكل عليه، فالمسلم إذا استشعر هذه المعية كان لزاما عليه ان يتوكل على الله فهو حسبه وهو نعم المولى ونعم النصير.

التوكل على الله:

والتوكل على الله شعور بهيمنة الله على الحياة، وبأن حركاتها وسكناتها محكومة بحوله وقوته لا يمكن ان تدن منه أو تبعد عنه.

واستقرار هذا الشعور في القلب يجعل صلة الإنسان بربه عميقة، وركونه إليه باديا، لان التوكل دلالة علم الله وصفاته وما ينبغي له ولذلك فان المتوكل بهذه اليقظة الفكرية والنفسية أهل لان يظفر برعاية الله وتوفيقه ومحبته (ان الله يحب المتوكلين) [15] ، (ومن يتوكل على الله فهو حسبه. ان الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدر) [16].

أي ان الله يكفي من لاذ به، واعتمد عليه وهو سبحانه يستحيل ان يفوته ما يريد، فهو بالغ أمره لا محالة، بيد انه ادار الكون على قوانين مقدرة وسنن معلومة (وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم) [17].

ومن الجهل –والجهل طريق الكفر ان لم يكنه- ان يتوقع احد الخذلان والضياع مع ارتباطه بالله (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد، ومن يهد فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام) [18].

والتوكل يعني ركون الإنسان إلى الله فيما لا طاقة له به لأنه لا يستطيع عمله، ولذلك أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي الذي سأله عن الناقة: اتركها وأتوكل أم اعقلها وأتوكل؟ فقال: اعقلها وتوكل.

من اجل ذلك نبه المولى المجاهدين –إذا ضمتهم جنبات الميدان- ان يكون انتباههم حادا، ويقظتهم بالغة (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) [19].

ولقد رأى احد الائمة فقيرا ينطلق إلى الحج دون زاد، فسأله أين زادك؟ فقال: أنا متوكل على الله. فقال له: أمسافر وحدك؟ قال: بل مع القافلة. فقال له: أنت متوكل على القافلة.

وهذا الصنف جاهل بالإسلام ومعرفته بالله غامضة يشوبها حمق كثير، لان التوكل إيمان بالغيب بعد استنفاد كل الوسائل المقررة في عالم الشهادة، إيمان بالله بعد أداء كل ما يرتبط بالنفس من واجبات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: 'لا يحملنكم استبطاء الرزق ان تأخذوه بمعصية الله، فان الله لا ينال ما عنده الا بطاعته'[20] ويقول المولى عز وجل (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا) قال الخواص: ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية ان يلجأ إلى احد غير الله تعالى.

وأصحاب الرسالات أحق الناس بهذا التوكل لأنهم في حاجة إلى ذكر الله والاطمئنان إليه، والإيمان بغيبه، كل ذلك مصدر انس وقوة لهم، لأنهم يتعرضون لمخاوف مزعجة، ولا يثبتون فيه على الروع والغبن الا لأملهم في الله، واستنادهم إليه، والا بالتوكل الذي ينير أمامهم ظلمات الحاضر ويجرئهم على مواجهة الجبروت بعزم، وهم يقولون (وما لنا الا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) [21]، ذلك لان القوى الشريرة التي يواجهها حملة الدعوات ليست عدوا سهلا. ومكرهم لتزول منه الجبال، فموسى وهارون عليهما السلام عندما أمر بالذهاب إلى فرعون لنصحه ودعوته قائلا: (ربنا إننا نخاف ان يفرط علينا أو ان يطغى. قال لا تخافا إنني معكما اسمع وأرى) [22] فيزول الخوف بمعية الله، لان معية الله والخوف من البشر لا يجتمعان.

لان صحبة الله والتوكل عليه هو المؤنس في هذه الوحشة، وهو المشجع في هذه الرهبة، وذاك معنى التوكل في تلك المواقف، وهو ما نزل به الوحي على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما طرقته الرسالة فقال الله له (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا اله الا هو فاتخذه وكيلا. واصبر على ما يقولون) [23].

وهكذا يكون التوكل على الله بحسن الصلة به، فإن حسن الصلة بالله يعطي المؤمنين قوة معنوية لا يقدرها الا الذين يعيشون في المجال الرباني الكريم ان الله قوي لا يغلبه غالب، عزيز لا تقهره قوة، وحسن الصلة به يدخل المؤمنين في دائرة العزة والغلبة، فيشملهم الله بعنايته، ويكلؤهم برعايته، فلا تتغلب عليهم قوة، ولا ينتصر عليهم عدو (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).

وجميل التوكل على الله، معناه التفويض والاستسلام لأمر الله، والله تبارك وتعالى يسلم من فوض أمره إليه، ولا يخذل من استسلم له لان ذلك الفعل قبيح لا يليق بجلاله وكماله، وهو –عز وجل- قد وعد المؤمنين به بالنصر، ووعده لا يتخلف (إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).

وكذلك عندما يطلب من المؤمنين المخلصين لدينهم ان يشتروا حياتهم وراحتهم واستقرارهم بنبذ الإيمان والعودة إلى الضلال القديم يأبون الا الصمود على الحق، وتحمل الأذى في سبيله ويقولون: (قد افترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا ان نعود فيها الا ان يشاء الله ربنا. وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [24].

وأساس هذا الثبات والرجاء ان مرد الأمر على تطاول الزمن إلى الله أو انه إذا وهب النصر فلن يعترضه احد، وانه سبحانه ناصر جنده لا محالة، وان الباطل يأخذ جولته ثم يتلاشى، وان ليس أمام أهل الإيمان الا التعويل على الله، والتأميل فيه (ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [25].

ان التوكل على غير الله قصير العمر، أو عديم الجدوى، أما التعلق بالله فهو ارتباط بالمصدر الدائم للخير، ودليل للإخلاص لهذا الدين ولذلك قال المولى (وتوكل على الحي الذي لا يموت)، (وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) [26].

فهو السلام الروحي الذي يجعل من الضعف قوة، ومن القلة كثرة، فمهما كان طغيان الباطل (فتوكل على الله انك على الحق المبين) وفي ذكر الله أمره بالتوكل مع إخباره بانه على الحق دلالة على ان الدين بمجموعه في هذين الأمرين:

1-      ان يكون العبد على حق في قوله وعمله، واعتقاده ونيته

2-      ان يكون متوكلا على الله واثقا به

لان العبد آفته: اما من عدم الهداية: وإما من عدم التوكل، فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله.

ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له (ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).

وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعا 'لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا'.

وفي السنن عن انس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال –يعني إذا خرج من بيته- بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة الا بالله، يقال له: هديت ووقيت وكفيت فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف برجل قد هدي وكفي ووقي'[27].

يقول بعض العارفين: 'المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه الا ثدي أمه' كذلك المتوكل لا يأوي الا إلى ربه سبحانه، وعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه.

وللتوكل ثلاث علل تؤثر في كمال التوحيد الخالص، وتنشأ عن أوهام تجعل العبادة ناقصة:

أحداها: ان يترك ما أمر به من الأسباب، استغناء بالتوكل عنها، فهذا عجز وتفريط وإضاعة، لا توكل عبودية وتوحيد كمن يترك الأعمال التي هي سبب النجاة ويتوكل في حصولها، ويترك القيام بأسباب الرزق، -من العمل- والحراثة والتجارة ونحوها- ويتوكل في حصولها، ويترك طلب العلم، ويتوكل حصوله، فهذا توكله عجز وتفريط، كما قال بعض السلف: لا تكن ممن يجعل توكله عجزا، وعجزه توكلا.

الثانية: ان يتوكل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه، كمن يتوكل في حصول مال أو زوجة أو رياسة،  واما التوكل في نصرة دين الله، واعلاء كلمته واظهار سنة رسوله، وجهاد اعدائه فليس فيه علة بل هو مزيل للعلل.

الثالثة: ان يرى توكله منه، ويغيب بذلك عن مطالعة المنة وشهود الفضل واقامة الله له في مقام التوكل، وليس مجرد رؤية التوكل علة، كما يظنه، بل عليه ان يرى ان توكله من عين الجود، ومحض المنة وانه توفيق الله تعالى.

فهذه العلل الثلاث هي التي تعرض في مقام التوكل وغيره من المقامات، وهي التي يعمل العارفون بالله وأمره على قطعها، فعلى المسلم المخلص الا يترك بهذه العلل ما هو أعلى منها، والا يعلقها بحظه، والانتفاع بها عن المقصود، وان يراها توفيقا ربانيا وجودا وكرما. وهكذا يتضح ان معنى التوكل ليس اطراح الأسباب، وإهمال السنن وانتظار الحصاد بغير زرع، أو نمو الزرع بغير تعهد، بل هو بذل كل ما في الوسع، وترك النتائج لله وثقة فيه، ويقينا بوعده، وإيمانا بنصره وتأييده.

وهذا اليقين هو عين الإخلاص لله، فما أحوجنا إليه لنواجه به أحفاد فرعون، وأبي جهل، والقردة والخنازير وعبد الطاغوت، وكل جبار في الأرض، ونحن واثقون ان الله معنا (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).

 

 

 

ثالثا: الصدق مع الله قولا وعملا

الصدق مع الله شكر في السراء وصبر عند البلاء وتوبة عند الذنوب لان الكمال الإنساني في نظر الإسلام يتم بصدق الحديث، وتحري الحق، وتنزيه القلب عن ان يخطر به السوء، ولقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: كل محموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما محموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد[28].

فنقطة البدء في عمل المسلم: تطهير القلب واستقامة اللسان الا ان الصدق يشتمل على الأعمال الظاهرة والباطنة على حد سواء.

كما انه يشتمل على معان مختلفة:

صدق اللسان، وصدق النية والإرادة، وصدق العزم وصدق الوفاء بالعهد، والصدق في الأعمال الظاهرة لتدل على ان باطنه مع ظاهره سواء، والصدق في مقامات الدين والذي يتحقق به التوكل ، والإنابة، والاستقامة، والسكينة والتواضع، والصبر، والشكر والثقة وغير ذلك من المقامات.

ولأهمية الصدق كدليل من أدلة الإخلاص، ولان الله سيسأل (الصادقين عن صدقهم) فان المسلم يسأل ربه الصدق في كل شيء (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) [29] (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) [30] ويسأله ان يكون (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) [31] وان يكون له (قدم صدق).

يقول ذا النون: الصدق سيف الله ما وضع على شيء الا قطعه، لان: الوفاء بالعمل، واستواء السر مع العلن، وكلمة الحق عند من تخافه وترجوه، وهو قول الحق في مواطن الهلكة، ولا ينجي العبد يوم القيامة الا الصدق (يوم ينفع الصادقين صدقهم) و (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) [32] والمخلصون بحق هم الذين يلبون نداء الله (يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [33].

فالمخلص لدينه صادق مع ربه في كل خطوة يخطوها لا يهمه رضى الناس بسخط الله لان 'من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس'[34].

وللصادقين المتقين المخلصين صفات وسلوك أجملها المولى سبحانه وتعالى في قوله (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من امن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب النبيين واتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) [35].

فهم –كما رأيت- الذين جمعوا بين الاعتقاد والسلوك 'ان الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وان الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وان الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار، وان الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا'.

ومن اجل ذلك كانت صفة الصدّيق وهي مشتقة من الصدق وصف المولى لأنبيائه في معرض المدح والثناء (واذكر في الكتاب إبراهيم انه كان صديقا نبيا) وقال (واذكر في الكتاب إسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا)، وقال (واذكر في الكتاب إدريس انه كان صديقا نبيا).

ولما كان الإيمان نصفه شكر ونصفه صبر كان كلاهما من دلائل الإخلاص، فالمخلص إذا انعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.

 

رابعا: التحلي بالأخلاق الفاضلة:

لا يكون المسلم مسلما بحق الا إذا اخلص دينه، وملأ قلبه نور الهداية، وزكى نفسه بالتقوى، فكل ما يصدر عنه هو قبس من نور الإسلام الوضّاء، وفيض من ينابيعه الصافية.

فالإخلاص للعقيدة إيمان بالله وتقديس له، ومن شأنه ان يوقظ حواس الخير، ويربي ملكة المراقبة، ويبعث على طلب معالي الأمور، وإشرافها، وينأى بالإنسان عن محقرات الأمور وسفاسف الأعمال.

والله سبحانه وتعالى هو الكمال المطلق، والرحمة الواسعة، ولا يدخل في حظيرته الا من تخلق بأخلاقه واتصف بصفاته التي تحقق فيه الكمال الإنساني بتقوى الله وحسن الخلق، فتقوى الله يصلح بها ما بينه وبين الله فيحبه الله، وحسن الخلق يصلح به ما بينه وبين الناس فيحبه الناس، فيجمع بذلك بين محبة الله في السماء ومحبة الناس على الأرض مصداقا لقوله تعالى: (ان الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) [36].

ولقد جاء في الأثر 'تخلقوا بأخلاق الله'، ذلك لان التوحيد الخالص له أثره الأخلاقي (أفمن يعلم انما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى، انما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) [37].

فأي أخلاق كريمة هذه التي يكتسبها المسلم المخلص لدينه والمتخلق بأخلاق لا اله الا الله ، فرسالة الإسلام رسالة تربية قبل أن تكون رسالة تشريع ونظام ، ورسالة أخلاق قبل أن تكون رسالة جهاد وقتال ، ورسالة سمو قبل أن تكون رسالة اتساع وانتشار ، ولذلك فإن جوهر رسالتنا أخلاق وقيم، ووسيلتها قدوة وتربية، وأول ميادينها النفس والقلب ولا يتحقق الإخلاص الا بصلاحهما.

فليست العبادات الكثيرة من الصلاة والصوم والصدقة هي المظاهر الوحيدة التي تدل على الإخلاص، فثمة سلامة القلب، وطهارة النفس قبل أي شيء هي خير عند ربك ثوابا وخير أملا، يقول صلى الله عليه وسلم : 'ان بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكن دخلوها برحمة الله، وسخاوة الأنفس، وسلامة الصدور' فقد افلح من اخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليما، ولسانه صادقا، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة.

والإسلام يفتح باب الخير من طريق الخلق، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: 'المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم'[38]، و' ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وان الله يبغض الفاحش البذئ'[39].

ان الإخلاص الكامل يلد الخلق القوي حتما، أرأيت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كيف كان قدوة وأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، أليس هو الإنسان الذي جسد المولى فيه الإسلام وقال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: 'انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق' فكان صلى الله عليه وسلم مثالا حيا لتعاليم الإسلام وزكاه المولى فقال عنه (وانك لعلى خلق عظيم) وأدبه فأحسن تأديبه، وقضى بين قومه عمرا قبل الرسالة وهم يسمونه الصادق الأمين.

ثم يبدأ هو بتزكية أصحابه (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود) [40].

ان الإسلام يعرض هذه القدوة ليس للإعجاب السالب، ولا للتأمل التجريدي في سبحات الخيال، انه يعرضها على المسلمين ليحققوها بإخلاصهم في ذوات أنفسهم، كل بقدر ما يستطيع لان الإسلام يرى ان القدوة أعظم وسائل التربية فيقيم تربيته الدائمة على هذا الأساس، ولذلك وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي معاذ بن جبل رضي الله عنه فيقول: 'يا معاذ أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتفقه في القران، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك ان تسب حكيما، أو تكذب صادقا أو تطيع آثما، أو تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومدر، وان تحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية'[41].

بهذه الأخلاق ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا احيوا الحق بذكره، وأماتوا الباطل بهجره، فتجردوا من عبودية كل شيء سوى الله.

فالتوحيد الخالص عندهم بُعد عن الدنس والرجس، دنس الشرك ونجسه (انما المشركون نجس) وليس هناك أنجس من التحلي بأخلاقهم والتخلي عن أخلاق المسلمين المخلصين.

واما عبادتهم فهي تدعم عقيدتهم وتربط القلب بخالقه وبذلك تتحقق التقوى:

فصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، حتى ان الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها قال: 'هي من أهل النار'.

وزكاة تطهر النفس وصيام وحج، فجميع العبادات والمعاملات، وكل أوامر الله ونواهيه انما تتجه هذا الاتجاه الأخلاقي الذي يتحقق بإخلاص العبودية لله وحده.

أولئك يسارعون في الخيرات:

والمخلصون في كل زمان ومكان يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، وفعل الخيرات من محاسن الأخلاق وهم الذين قال المولى فيهم: ( ان الذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة انهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) [42] فالمتصفون بتلك الصفات الجميلة هم الذين يسارعون في الخيرات والطاعات لنيل أعلى الدرجات وهم الجديرون بها السابقون إليها.

يقول الإمام الفخر:اعلم ان ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن:

فالصفة الأول: دلت على حصول الخوف الشديد

والصفة الثانية: دلت على التصديق بوحدانية الله

والصفة الثالثة: دلت على ترك الرياء في الطاعات

والصفة الرابعة: دلت على ان المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصدّيقين[43].

وهكذا كانوا: صفاءا في القلب، ونقاءا في الضمير، وطهارة في النفس، وصدقا في القول، وأمانة في الأداء، وحفظا للأعراض والأنفس والأموال، يقول انس رضي الله عنه مخاطبا بعض التابعين 'أنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات'[44].

فأين نحن إذن من صدق الصديق، وعدل عمر، نبل عثمان، وبسالة علي، وفروسية خالد، وحنكة عمرو، وحلم معاوية، وإقدام ابن الزبير؟!.

ان المخلصين أصبحوا بهذه الأخلاق اقرب الناس مجلسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة كما اخبرهم بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم :'ان من أحبكم إلي وأقربكم إلي مجلسا يوم القيامة، احاسنكم أخلاقا، الموطئون اكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وان أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيقهون'[45].

ان الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لم يصف اقرب الناس إليه بحسن الخلق فحسب، بل تجاوز ذلك إلى علاقاتهم بالناس، ومعاملتهم لهم ومشاعرهم نحوهم، فأكنافهم –وهي جوانب حياتهم ووجوه صلاتهم بالناس- موطأة ممهدة ليس فيها كبرياء ولا تعاظم، وليس فيها صولة باطلة، بل هي الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، التي دعا إليها القران، واتضحت الصورة وضوحا تاما بقوله صلى الله عليه وسلم: 'الذين يألفون ويؤلفون'، فهي ألفة متبادلة، وهو اتصال شعوري بينهم وبين إخوتهم المؤمنين، لا جفاء بينهم ولا بغضاء.

وإذا كانت تلك صورتهم، فكيف كانت منزلتهم في ميزان الحق؟ وكيف تكون درجاتهم يوم القيامة؟ انه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم الذي يسعى إليه كل مخلص، فإذا عرف المخلصون ان حسن الخلق يمنحهم حب الرسول صلى الله عليه وسلم فأخلق بهم ان يسارعوا إليه ويتنافسوا فيه.

فأين هذا من أصحاب الخلق المذموم الذين يبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم اشد البغض، والذين يبعدون عنه يوم القيامة اشد الإبعاد انهم أولئك الثرثارون.. المتشدقون.. المتفيقهون.

صفات ثلاثة .. في هذا الحديث الشريف-توضح الملامح، وتكشف خفايا تلك النفوس التي استحقت من رسول الله صلى الله عليه وسلم البغض، والرسول لا يبغض الا في الله، فهم إذن ابعد الناس عن  الله لأنهم قوم خوت قلبوهم من الإخلاص، فهم لا ينظرون الا إلى الناس، ولا يعملون الا رياء وسمعة –ان كان لهم عمل- وانما يكتفون بالقول بدلا من العمل، وبالادعاء بدل من الحقيقة، فهم لذلك يكثرون القول وأكثره كذب أو لغو فهم 'ثرثارون' يفيض منهم الكلام دون وعي، ويتكلمون بما يضر لا بما ينفع، ويضيفون إلى تلك الخطيئة، خطيئة أخرى هي التصنع في الكلام، وتكلف النصاحة، والادعاء والتكلف لا يدل على نفس سوية مخلصة. انما يدل على نفس مريضة تعاني الغرور والكبرياء الكاذب، وتريد ان تشعر بالتفوق على غيرها بغير جهد ولا استحقاق بالرغم من:

العجز والتواني عن العمل، والقعود عن الجهاد، والتكبر والغرور والرياء فكيف إذا أضيف إلى ذلك 'التفيهق' وهو ادعاء العلم من العيّي الذي يدعي الفصاحة.

فهل بقي شيء من جوانب هذه النفوس البغيضة لم نره واضحا للعيان؟ وهل يبقى بعد ذلك شك لدى أي مخلص في ان طريق الخلق الفاضل أولى بالإتباع، وان الخلق الذميم أولى بالاجتناب؟ لان المسلم الخلوق إذا تخلى عن أخلاقه (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) [46]، تلين اكنافهم لإخوانهم المؤمنين اما أعداؤهم فلا يرون منهم الا البأس والجفاء (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) [47].

انها الشخصيات الأخلاقية صاحبة الأيدي المتوضأة التي افتقدناها في زماننا هذا والتي نحاول ان نحققها بالإخلاص قبل ان نمسك بالسيف للجهاد في سبيل الله في وجه أعداء الإسلام إذا اعتدوا علينا فيفتح الله بهذه الأخلاق قلوب العباد قبل فتح البلاد وصدق الإمام المرشد حين قال: 'أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم'.

خامسا: الوقوف عند الحلال والحرام واتقاء المتشابه:

عن النعمان بن بشير ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات[48]، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك ان يوقعه، الا وان لكل ملك حمى، الا وان حمى الله في أرضه محارمه، الا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب'[49].

فالمتأمل في هذا الحديث الشريف يسأل نفسه، مَن مöن المؤمنين المخلصين يجهل أمر الحلال والحرام؟ وهو أمر يعلم من الدين بالضرورة لان الحلال ما احل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه'[50].

وإذا كان هناك من يجهل، أليس من الإخلاص ان يسأل ليتعلم فما أسهل هذا لان أصول التحليل والتحريم في الإسلام ترجع إلى مبادئ واضحة مركوزة في الفطرة الإنسانية (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث[51]).

ومع هذا الوضوح في أمر الحلال والحرام، والأصول التي يقوم عليها التحليل والتحريم، فان هناك مسائل بعينها قد تشتبه امام الإنسان فيحير أمامها ولا يمكن الفصل فيها، كأن يكون فيها منفعة من جانب ومضرة من جانب آخر ولا يستطيع ترجيح ايهما على الأخرى، أو يكون هناك أمر من الحلال قد يلابسه أمر من الحرام، أو تتماثل أدلة التحريم قوة مع أدلة الحل، ولكن وجود هذه المتشابهات لا تقدح في وضوح أمر الحلال والحرام في الإسلام لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'لا يعلمهن كثير من الناس' فدل ذلك على ان هناك قليلا من الناس يعرفون الحقيقة في هذه المسائل، ويدركون حكم الشرع فيها وأولئك هم الراسخون في العلم، أما الكثرة من الناس فانها تختلف في هذه المسائل ما بين محلل ومحرم.

ان قوله صلى الله عليه وسلم: 'لا يعلمها كثير من الناس' قد أفاد الاحتراز وهذا ما يفعله المخلصون في مثل هذه الحالات، لانها أمور بين الحلال والحرام لا تبلغ ان تكون حراما صريحا ولا حلالا صريحا ولانها كذلك فهي مُشبّهات.

وكأني بسائل يسأل فأين الحكم الصواب؟

ويأتي الجواب النبوي الحكيم: 'فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه' فماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يعلمنا من قوله 'اتقى' في اجتناب الشبهات؟

كأنه صلى الله عليه وسلم أراد ان يوحي إلينا بخطر هذه الشبهات وسوء عقبى من هجم عليها بغير حذر، وخبط في بيدائها بغير دليل حتى لا يستخف بها احد، ولا يتهاون بأمرها وهو حينئذ 'وقع في الشبهات' أي سقط فيما لا يحمد عقباه، انه تعبير يدل على عدم ورع من يرتكبون هذه الأمور المتشابهة ولا يتحرجون من فعلها، ولا يدققون في البحث والتحري، وهم لا محالة يقعون في الحرام لأنهم يغشون المحظورات دون مبالاة، وهذا راجع إلى ضعف الإخلاص أو انعدامه وشتان بين المخلصين الذين يتقون والذين لا يتقون.

ان التدين ليس علما فحسب ولكن قبل العلم إخلاص النية، وتسليم لأمر الله، وحرص على رضوانه، لذا كان الإخلاص مناط الأمر كله، لان ليس للإيمان من حقيقة الا ما يستقر في القلب، فهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وصلح ما يصدر عنه من أعمال وأقوال، وان فسد فسد الجسد كله، وصار كل ما يصدر عنه شرا وفسادا.

ومن هنا فان من الورع إذا كان الأمر له وجهان متضاربان فيتساءل المخلص: أي الناحيتين يسلك؟ فيرجح على الفور الحظر على الإباحة لبراءة عرضه ودينه، وسيره مع الحزم في هذه الميادين يرسخ قدمه في طريق الحق ويجعله بعيدا عن أسباب الإغواء والإغراء، اما التهاون فربما بدأ خفيف الأثر لكنه قد يجره إلى ما لا يطيق[52].

وإذا سمعت إلى الروايات الأخرى للحديث السابق فلأبي داود ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'انه من يرتع حول الحمى يوشك ان يخالطه وان من يخالط الريبة يوشك ان يجسر وفي رواية النسائي: 'فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان اترك، ومن اجترأ على ما شك فيه من الإثم أوشك ان يواقع ما استبان' وفي رواية الطبراني: 'الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك شبهات، فمن أوقع بهن، فهو قöمْنñ ان يأثم، ومن اجتنبهن فهو أوفر لدينه'.

 

سادسا: التدقيق في اختيار الصديق:

اختيار الأصدقاء الذين يعينون على الخير، ويرشدون إليه، مما يهتم به الإسلام، ويحرص عليه اشد الحرص، إذ الإنسان يفيد بمعاشرة الأصدقاء كثيرا مما هو في حاجة إليه من جميل الخصال، وتهذيب السلوك، وصقل النفس.

ذلك لان الإسلام دين الجماعة، ولا يقوم الا بها والمولى يذكرنا بذلك في كل ركعة نركعها (إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم) هكذا بلغة الجمع وليس بلغة المفرد حتى انه سبحانه اقسم بان الإنسان في خسران ثم استثنى (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) وهو استثناء للجماعة، ولقد سنّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نقرأ: (والعصر ان الإنسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) حتى نجتمع وحين نفترق لنتذكر ان يد الله مع الجماعة[53].

وأنت تسمع دعوة القرآن (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) [54] ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ' الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل'[55] ويقول: 'لا تصاحب الا مؤمنا ولا يأكل طعامك الا تقي'[56].

وقد ارشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما ينبغي ان يكون عليه الصديق فقال: 'صاحبوا من تذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطööقه'[57].

ويبين ان واجبه يفرض عليه ان يكون قوة عاملة تضاف إلى قوة أخيه في العمل، وتقتضيه ان يكون دافعا وحافزا له إذا لاحظ عليه شيئا من الغفلة والكسل فقال صلى الله عليه وسلم: 'خير الإخوان من إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك'.

وهذه وصية علقمة لابنه يقول: 'يا بني، إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب من إذا خدمته صانك، وإذا صحبته زانك. وان قعدت بك مؤونة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وان رأى منك حسنة عدها، وان رأى سيئة سترها، اصحب من إذا سألته أعطاك، وان سكت عنه ابتداك وان نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وان حاولت أمرا آمرك، وان تنازعتما آثرك[58].

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لولا ثلاثة لما أحببت البقاء: لولا ان احمل على جياد في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.

وأنت تحب المرء لا تحبه الا لله، فتحب مصادقته لإيمانه وعبادته، وطاعته، وهذا ما يرشدنا إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: عليك بإخوان الصدق تعش في اكنافهم، فانهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقليك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك الا الأمين، ولا أمين الا من يخش الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى.

ولذلك فان المسلم المخلص لدينه يتحرى الصحبة المؤمنة ويصير معها، ولا يركن إلى الذين ظلموا، كما أمره الله بذلك: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون[59]). أي فلا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا، إلى الجبارين الطغاة الظالمين. أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد ويعبّدونهم لغير الله من العبيد، لا تركنوا إليهم فان ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه، ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير: (فتمسكم النار) جزاء هذا الانحراف.

يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: من أراد ان يصحبنا فليصحبنا بخمس:

يوصل إلينا حاجة من لا تصل إلينا حاجته

ويدلنا من العدل ما لا نهتدي إليه

ويكون عونا لنا على الحق

ويؤدي الأمانة إلينا والى الناس

ولا يغتب عندنا أحدا

ومن لم يفعل فهو في حرج من صحبتنا والدخول علينا.

فالتدقيق في اختيار الصديق أثر من آثار الإخلاص، ويعين على تحقيقه مصاحبة الأخيار، ومجانبة الأشرار.

 

 

سابعا: تفقد القلب ومحاسبة النفس:

كل ما ذكرناه من دلائل الإخلاص يحتاج من المسلم إلى وقفة مع القلب يتفقده خشية ان يعتريه ميل أو زيغ، أو حسد أو حقد أو ضغينة، أو سوء ظن، أو غيبة أو نميمة، كما يحتاج إلى وقفة مع النفس يحاسبها عما طرأ عليها من كبر أو بطر أو اشر حتى يحافظ على استمرارية إخلاصه لدينه.

ولسائل ان يسأل وما أهمية هذه الوقفة؟ انها وقفة تفقدية لان رسالة الإسلام، رسالة تربية قبل ان تكون رسالة تشريع ونظام. ورسالة أخلاق قبل ان تكون رسالة جهاد وقتال، ورسالة سمو وقيم قبل ان تكون رسالة اتساع وانتشار. ولهذا فنحن في حاجة إلى هذه الوقفة مع النفس والقلب.

تفقد القلب:

 ان معاصي القلوب اخطر من معاصي الجوارح لا يشك مسلم فاهم لدينه في ذلك، لان الأكل من الشجرة المحرمة –كما فعل آدم عليه السلام- معصية، دون التكبر على الله كما فعل إبليس.

فيجب على المسلم ان يتفقد مواطن قلبه التي يجول فيها وهي: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية، فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له.

فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها.

والثلاثة العالية: علم يتبين، وعقل يرشده، واله يعبده، والقلوب جوالة في هذه المواطن[60].

ولذلك حين سؤل ابن عباس رضي الله عنهما بما نلت العلم؟ قال: بلسان سئول وقلب عقول. ويقول قتادة رضي الله عنه: خلق الله سبحانه وتعالى الملائكة عقولا بلا شهوة، وخلق البهائم شهوة بلا عقول، وخلق الإنسان له عقل وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو مع البهائم.

والقلب بالنسبة لأعضاء الجسد كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عند أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'ألا ان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله'[61] فهو ملكها، وهي المنفذة لما يأمرها به، والقابلة لما يأتيها من هدايته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسئول عنها كلها لان كل راع مسئول عن رعيته.

ولما كان الإخلاص محله القلب، كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أول ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه وعلاجها، هم ما تنسّك به الناسكون، لتحقيق ذل العبودية، وإشعار القلب إخلاص العمل، ودوام اليقين، فإذا اشرب القلب العبودية بالإخلاص صار عند الله من المقربين، وشمله النجاة من إبليس اللعين (إلا عبادك منهم المخلصين).

فالعمل الصالح مصدره عن إخلاص القلب الذي فيه تتقبل الأعمال الصالحة فيزداد به إيمانا مع إيمانه، والعمل السيء مصدره عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب، من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت فلا تبقى فيه حياة ولا نور له.

فالقلب –كما رأيت – يوصف بالحياة كما يوصف بالموت لذلك فإن له أحوالا ثلاثة هي: القلب السليم (الصحيح) – والقلب المريض (السقيم) – والقلب الميت.

 

وسلامة القلب لا تتم مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء[62]:

1-من شرك يناقض التوحيد

2-وبدعة تخالف السنة

3-وشهوة تخالف الأمر

4-وغفلة تناقض الذكر

5-وهوى يناقض التجرد والإخلاص

ان المسلم في حاجة إلى نظرة فاحصة إلى قلبه من ان يعتريه شك أو ريب أو دخل أو دخن، ثم يقّوم عمله حتى لا يلتبس بشيء غير الإخلاص، فان وجد الشيء لابد له من صبر على احتمال مرارة الدواء التي لابد منها. والمخلص بحق من وفقه الله للعلاج.

قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذöبْه بالذكر. وسأل رجل السيدة عائشة رضي الله عنها: ما دواء قسوة القلب؟ فأمرته بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وتوقع الموت.

كما شكا رجل من ذلك إلى مالك بن دينار، فقال: أدم الصيام، فإن وجدت قسوة فأطل القيام، فان وجدت قسوة فأقّل الطعام.

وقال الازدي سمعت إبراهيم الخواص يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر – وجلاء النظر – وقيام الليل – والتضرع عند السحر- ومجالسة الصالحين[63].

وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكثر ان يقول: ' يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك' فقلت: يا رسول الله، انك تكثر ان تدعو بهذا، هل تخشى؟ قال: 'وما يؤمنني يا عائشة، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الله، إذا أراد ان يقلب قلب عبد قلبَهُ –وقلّب الوسطى والسبابة'[64].

ولذلك كان الصحابي يقول لأخيه: اجلس بنا نؤمن ساعة فإن القلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا.

فكانوا يتفقدون القلب كي يتحقق الإخلاص منه، ويستمر القلب حيا (ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) فالقلب الحي السليم ينظر ويرى ويبصر ويميز بين الضار والنافع و لا يحمله الا المخلصون.

ضرر الذنوب:

ولا شك ان ضرر الذنوب على القلب كضرر السموم على الأبدان فهي تضعف في القلب تعظيم الرب، فلو تمكن وقار الله وعظمته في قلب لما تجرأ على معاصيه، والذنب اما يميت القلب أو يمرضه مرضا مخوفا، أو يضعف قوته، ولابد كي ينتهي ضعفه من ان يتخلص من الثمانية التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي: 'الهم، الحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين، وقهر الرجال' وقد اجمع السائرون إلى الله ان القلوب لا تعطي مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها، تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة، حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دواءها، ولا يصلح ذلك الا بمخالفة هواها، فهواها مرضها، وشفاؤها مخالفتها، فان استحكم المرض قتل أو كاد.

وكما ان من نهى النفس عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيم البتة، بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة، وهذا أمر لا يصدق به الا من باشر قلبه هذا وهذا[65].

يقول الإمام مالك للإمام الشافعي حين اجتمع به: اني أرى الله تعالى قد ألقى عليك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية، بل ان داود بن نصر يقول: إذا خرج العبد من ذل المعصية إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال، واعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس، نعم ان المعاصي ذُل، والطاعة عز ونور، ولا يزال هذا النور يضعف بالمعاصي ويضمحل، وظلام المعصية يقوي حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم حتى يصاب بالعمى (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ  يقول: 'ان لله تعالى في أرضه آنية هي القلوب، فأحبها إلى الله تعالى ارقها واصفاها، واصلبها، اصلبها في الدين، واصفاها في اليقين، وارقها على الأخوان'.

محاسبة النفس:

إذا كان تصحيح النية قبل العمل، والمراقبة عند العمل، فان المحاسبة تأتي بعد العمل، فعن شداد بن اوس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني'[66].

ففي هذه الجمل القصيرة المبنى الغزيرة المعنى يقفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم امام مقارنة عميقة بين مسلكين يتوزعان البشر، وعاقبتين يلقاهما كل منهما! ويثير فينا نوازع التأمل في سعي الإنسان في هذه الدنيا، ويلفتنا إلى حكمة تميز الإنسان عن بقية المخلوقات الأرضية بنعمة العقل، والى مسئولية الإنسان العاقل نحو ما وهبه الله إياه من مواهب خاصة. كما يشير إلى الصراع الدائم الذي يواجهه الإنسان بين العقل والهوى، وتلك هي العقبة الكبرى التي يهيب الإسلام بالبشر ان يوجهوا هممهم إلى اجتيازها. وفي هذا الصراع تظهر حقيقة الإنسان، ويتحدد اتجاهه بين الخير والشر، ويتبين اختياره بين الهوى والضلال.

والمؤمن العاقل من دان نفسه ووجه قواها إلى طاعة الله والخضوع له، ومخالفة هواه، وهذا يتطلب منه محاسبة نفسه عن كل عمل قام به، جاء عن عمر رضي الله عنه : 'حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل ان توزن عليكم) وعن ميمون بن مهران: 'التقي اشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح' وأصل ذلك في قوله تعالى: (ولا اقسم بالنفس اللوامة) [67].

ولما كانت النفس مطية العبد الذي يسير عليها إلى الجنة أو النار كان لابد من معرفة طبيعتها حتى نتعامل معها، فهي لها قوتان، قوة إقدام، وقوة إحجام، فلابد للعبد ان يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكا عما يضره.

والمحاسبة للنفس كي تكون مصروفة إلى ما ينفع دائما تدفع إلى الاجتهاد في تصويب الخطأ، واستكمال النقص، والتطلع إلى الكمال، وتبعد المرء عن الإعجاب بنفسه، والغرور بعمله، والازدراء لغيره[68].

فلابد ان يسأل المسلم نفسه: هل يصلح ما قدمه ان يلق به الله أو لا يصلح؟ والمقصود من هذا النظر إلى ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد ليوم الميعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله.

وبداية المحاسبة ان تقايس بين نعمته عز وجل وجنايتك، فحينئذ يظهر لك التفاوت، وتعلم انه ليس الا عفوه ورحمته، أو الهلاك والعطب، فاعرف قدر ما ضاع منك وابك على نفسك بكاء من يدري مقدار الفائت.

وبهذه المقايسة تعلم ان الرب رب والعبد عبد، ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها، وعظمة جلال الربوبية، وتفرد الرب بالكمال والأفضال فتسيء الظن بنفسك، لان حسن الظن بها يمنع من كمال التفتيش، ويلبّس عليك فيرى المساوئ محاسن والعيوب كمالا.

داء الرضا عن النفس:

يقول ابن عطاء السكندري:

اصل لكل معصية وغفلة، شهوة الرضا عن النفس، واصل كل طاعة ويقظة وعفة، عدم الرضا عنها، لان تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من ان تصحب عالما يرضى عن نفسه!! فأي تعلم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه.

فلا يبحث عن الشفاء الا من أحس المرض، واما من أصيب بعلة فلم يشعر بها ولم يستشف منها، فان جراثيمها تستشري في أواصله حتى تأتي عليه.

وكذلك النفس الإنسانية لا يطلب لها العافية الا من أدرك ما بها من أدواء والشعور بالنقص أول مراحل الكمال. وقد قال الله تعالى على لسان احد أنبيائه المطهرين (وما أبريء نفسي ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم) [69].

فإذا وجدت امرئ راضيا عن نفسه فافقد فيه الأمل لأنه ينطوي على ركام من العيوب والنقائص وهو لا يلتمس الخلاص منها بل انه فاقد الشعور بوضاعتها وهيهات لمثل هذا اكتمال أو نجاة.

والعلم النظري لا يرفع قدر أصحابه، فأي قيمة لشخص يختزن في رأسه قدرا من المعلومات ولكن نفسه طافحة بآثام لم تعالج. وخشونة لم تهذب، ثم هو مع ما يختزن من معرفة لا يدري انه عليل، مثل هؤلاء يكون علمهم آفة، لأنه يقوي جهالتهم ولا يزيلها، ويغرهم بما أوتوا بدلا من ان يزيل من أنفسهم ما يسوءها.

وأفضل من هؤلاء رجل قليل المعرفة عميق الإخلاص كثير التفتيش عن عيوبه، مجتهد في تزكية نفسه وترقية أحواله، وان هذا أرجى عاقبة وأرقى عاجلة من العلماء الكبار إذا رضوا عن أنفسهم، وغفلوا عن إصلاحها، فرب أشعث اغبر لو اقسم على الله لأبره، ورب عالم أضله الله على علم.

فلا يغتر المسلم بنفسه حتى ولو سمع مدح الناس له. فالناس يمدحونك كما يظنون فيك. فكن أنت ذاما لنفسك لما تعلمه منها.

فهل يغشى المسلم الصادق نفسه لان الله ستره فانطلقت ألسنة الناس تمدحه ما يفعل هذا المخلص؟.

فتش عن عيوب نفسك:

الواجب على المخلص ان يفتش عن عيوب نفسه لينقيها منها ويستحضر ما بها من أخطاء كي يصوبها، وما فيها من نقائص كي يكملها، فإذا قال الناس هو كامل فلا يخدع بمقالتهم عن حقيقة ما يعرف عن نفسه 'فاجهل الناس من ترك يقين ما عنده بظن ما عند الناس'.

لقد كان الرجل من المخلصين إذا مُدح قال اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني فوق ما يظنون، وهذا داء من يُنصف نفسه ويخشى ربه[70]. يقول يحيى بن معاذ: يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين، بكاء على نفسه، وثناء على ربه.

ولذلك لا يسيء الظن بنفسه الا من عرفها، ومن أحسن الظن بنفسه فهو من اجهل الناس بنفسه، والرضا بالطاعة دليل على حسن ظن العبد بنفسه، وجهل بحقوق الربوبية، وعدم عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق ان يعامل به، فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها[71].

ان محاسبة النفس تعتبر من الأصول الأخلاقية والتربوية في الإسلام والتي تحقق الإخلاص. كيف لا؟ والمسلم يحاسب العين على ما ترى، والأذن على ما تسمع، واللسان على ما يقول، واليد على ما امتدت، والرجل على ما سعت والبطن على ما حوت، بل والعقل فيما يفكر، ذلك لان النفس فيها كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان، وحيل أصحاب السبت، وتمرد الوليد، وجهل أبي جهل.

غير ان محاسبة النفس ومجاهدتها تذهب ذلك كله فمن استرسل مع نفسه فهو من جند الشيطان ولا يصلح لعقد (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) لان الله ما اشترى الا سلعة هذبها الإيمان فخرجت من طبعها إلى بلد سكانه التائبون العابدون الحامدون السائحون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله ولا يتحقق ذلك الا بمحاسبة النفس ومجاهدتها.

والناس يرددون اليوم كلمة ..(النقد الذاتي) ولا حرج في استعمال الكلمة، انما الحرج في اعتبار هذا المعنى جديدا علينا، مقتبسا من غيرنا، وما هو الا محاسبة النفس التي جاء بها قرآننا وسنتنا، وحفلت به مصادر ثقافتنا[72].

اليقظة تعين على المحاسبة:

يقول الإمام ابن القيم أول منازل العبودية 'اليقظة' وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، فمن أحس بها فقد أحس بالفلاح والا فهو في سكرات الغفلة.

فالمسلم المخلص لدينه في حاجة إلى اليقظة والانتباه من نومه وغفلته، ولن يكون ذلك كذلك الا إذا حاسب هذه النفس أولا بأول. ذلك لان أساس المشاكل في الدنيا هي من النفوس قبل الظروف، فكم تعقدت ظروف امام تلك المشاكل بين المخلصين ولكنهم ذللوها بتسامحهم وسلامة صدورهم وسخاوة نفوسهم.

وكم كانت الحلول واضحة ميسرة ولكن فساد النوايا وخبث الطوايا واعوجاج النفوس جعلت تلك الحلول الواضحة معقدة بشح النفس وأثرتها وعملها لمصلحتها، فكان لابد لمخلصين من وقفة مع النفس نحاسبها على الصغير والكبير.

وتأمل قصة بني آدم عليه السلام التي حكاها القران حين (قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الآخر. قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك اني أخاف الله رب العالمين، اني أريد ان تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه. قال يا ويلتى أعجزت ان أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين) [73].

انها صورة لرجلين احدهما ملك نفسه وساسها، وزكاها فافلح، وآخر قادته نفسه وسولت له قتل أخيه فقتله، فكان أحط تفكيرا من الغراب لا عقل يفكر ولا خُلق يجمل، ذلك لان المسلم لن يخبت لربه ويطيع أمره في تأدية شعيرة، أو تنفيذ شريعة أو تحلي بأخلاق كريمة، أو تخلي عن الرذائل وعن كل منكر ينهى عنه الا إذا انتصر على نفسه وقادها إلى الخير ليسعد في الدنيا والآخرة، لأن الإنسان في معركة مستمرة مع النفس استمرار الليل والنهار، فهو في حاجة إلى دوام محاسبتها.

فتأمل هذه النفس المطمئنة، نفس عمر رضي الله عنه حين حدثته نفسه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس، اني كنت أرعى الغنم لخالات لي من بني مخزوم فكنّ يحفنّ الحفنة من تمر على رعايتي، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما هذا يا عمر؟ والله ما زدت الا ان هزأت بنفسك، فقال عمر: إلى هذا قصدت يا ابن عوف، وقفت امام المرآة فأعجبتني نفسي، وقلت: صرت يا عمر أمير المؤمنين، وصارت الكلمة تخرج من فيك يهتز لها المشرق والمغرب، وما يعصى لك أمر، فأردت ان أؤدبها على مشهد من الناس، فقلت: هل نسيت يا عمر التمر ورعاية الغنم[74].

فهذه وقفة صادقة مع النفس بالرغم من انه لا يؤثر في الإخلاص ما يخطر على البال من المحبة في إطلاع الناس على ما يفعل من طاعة، فان هذا مما لا يمكن دفعه ولا الاحتراز منه، اما إذا استقر هذا الخاطر في النفس وفعل المرء ما يلفت النظر إليه، قاصدا إطلاع غيره كان مرائيا[75].

ومع هذا فاننا نجد يقظة من كان يفر الشيطان منه، يخاف على نفسه من الكبر والعجب فكان يعالجها بهذا الدواء الذي يهمله كثير من الناس.

فكم من نفوس وضيعة أردت أصحابها بأثرتها؟ وكم من نفوس رفيعة رفعت أصحابها بإيثارها، وتاريخنا الإسلامي مليء بهذه الصور الوضيئة المضيئة فنفوس نفيسة تأمر أصحابها بكل خير، ونفوس تعيسة تأمر أصحابها بالسوء فتهلكهم، (وما أبرئ نفسي ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم) وصدق حسن البصري رضي الله عنه حين قال: ان المؤمن والله ما نراه الا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديثي نفسي؟ وان الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه[76].

قال ابن عباس في قوله: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا؟ فقال: 'اما انه سيقال لك هذا'. وروى الحافظ بن عساكر عن امامة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: 'قل: اللهم اني أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك وتقنع بعطائك' وصدق بعض السلف حين قالوا: المؤمن اشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح.

فما أحوج المسلم المخلص لدينه إلى هذه الوقفة مع النفس يجاهدها ويشعر بحلاوة المجاهدة، ومرارة الهزيمة ليحقق النصر المرجو فيتفقدها ان يطرأ عليها كبر أو بطر أو شر يقول لها: يا نفس ما غرك بربك الكريم الذي خلقك؟ يا نفس قد افلح من زكاك وقد خاب من دساك، يا نفس ان الرابح يوم القيامة من ربح نفسه ولو خسر الدنيا والناس جميعا، والخاسر يا نفسي من خسر نفسه ولو ربح الناس والدنيا جميعا (قل ان الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة الا ذلك هو الخسران المبين) فأعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك.

قال الحسن: المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وانما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وانما شق الحساب يوم القيامة على قوم اخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، ان المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه فيقول: والله اني لأشتهيك وانك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، ان المؤمنين أقوام أوقفهم القران، وحال بينهم وبين هلكتهم، ان المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم انه مأخوذ عليه في سمعه وبصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله[77].

فهل يتفطن من يريد ان يحقق الإخلاص في نفسه لهذه الحقائق قبل (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين، أو تقول لو ان الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو ان لي كرة فأكون من المحسنين) [78] قال أبو ذر: يا رسول الله أرأيت ان ضعفت عن بعض العمل؟ قال: 'تكف شرك عن الناس فانها صدقة منك على نفسك'.

بين النفس والقلب:

اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على ان النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وانه لا يُدخَلُ عليه سبحانه ولا يوصل إليه الا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها.

ولذلك فهم يقسمون الناس إلى قسمين:

1-      قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها

2-      وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم

قال تعالى: (فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فان الجحيم هي المأوى، واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى).

فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين يميل إلى هذا الداعي مرة والى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء[79].

ولذلك نصح لقمان ابنه فقال: يا بني ان الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فان فتر سائقها ضلت عن الطريق، وان فتر قائدها حرنت، وان اجتمعا استقامت.

ان النفس إذا أُطمöعَتْ طمعت، وإذا فوَّضْتَ إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت الأمر إليها فسدت.

واحذر نفسك واتهمها على دينك، وانزلها منزلة من لا حاجة له فيها. ولا بد له منها.

وان الحكيم يذل نفسه بالمكاره، حتى تعترف بالحق، وان الأحمق يخير نفسه في الأخلاق، فما أحبت منها أحب، وما كرهت منها كره[80].

ومحاسبة النفس نوعان:

1-قبل العمل:

وهو ان يقف المسلم عند أول همّöه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.

قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند هَمّöه، فان كان لله مضى، ون كان لغيره تأخر.

ولكي يحقق ذلك يسأل نفسه هذه الأسئلة:

1-هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟

2-هل فعله خير له من تركه أو تركه خير له من فعله؟

3-هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال والمصلحة من المخلوق؟

4-هل له أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟

2-بعد العمل:

وهي ثلاثة أنواع:

أولا:

محاسبتها على طاعة، قصّرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور هي:

1-الإخلاص في العمل

2-النصيحة لله فيه

3-متابعة الرسول فيه

4-شهود مشهد الإحسان فيه

5-وشعور منّة الله عليه

6-شعوره بالتقصير فيه بعد ذلك كله

فيحاسب نفسه: هل وفىّ ذلك كله حقه؟

ثانيا:

ان يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا من فعله

ثالثا:

ان يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ أم أراد به الدنيا وعاجلها؟

 

 

وجماع ذلك:

ان يحاسب نفسه أولا على الفرائض فان تذكر فيها نقصا تداركه ثم يحاسبها على المناهي فان زلت قدمه فيها تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة ويتداركها بالذكر والإقبال على الله، ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشيت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه، ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ كل ذلك قبل ان يسأل في (يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم) (فوربك لنسألهم أجمعين عما كانوا يعملون) وكما قال تعالى: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) وقال: (ليسأل الصادقين عن صدقهم).

فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟ قال مجاهد: (يسأل المبلغّöين المؤدين عن الرسل-يعني: هل بلغوا عنهم- كما يسأل الرسل، هل بلغوا عن الله؟ ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين) (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين).

وبذلك يكون المسلم المخلص لدينه استجاب لنداء الله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس  ما قدمت لغد واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون).

النفس والهوى:

ولا تحسبن محاسبة النفس بالأمر الهين لا يكلف الإنسان الا استعراض ما فعله وكفى، انه جهد وجهاد يسبق المحاسبة، ذلك لان النفس مجبولة على حب الهوى فهي مفتقرة إلى المجاهدة والمخالفة، ومتى لم تزجر عن الهوى، هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به، فاستأنست بالآراء الفاسدة، والأطماع الكاذبة والأماني العجيبة، فهي في حاجة إلى مراجعة ومحاسبة 'والكيس من دان[81] نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني'[82].

وأفضل الأعمال ما أكرهت عليه الأنفس، 'فالمجاهد من جاهد نفسه في الله عز وجل'[83].

فعن ابن البجيري، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أصاب النبي صلى الله عليه وسلم يوما جوع شديد فوضع حجرا على بطنه ثم قال: 'الا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، الا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، الا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم، الا رب متخوض متنعم فيما أفاء الله على رسوله ماله عند الله من خلاق، الا وان عمل الجنة حزنة بربوة، الا وان عمل النار سهل بشهوة[84]، الا رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا'[85].

ولذلك قالوا: ان جهاد النفس اكبر من جهاد الأعداء لان النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب لانها لا تدعو الا إلى ما تشتهي من حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث، والحكيم من يذل نفسه بالمكاره حتى تعترف بالحق، وان الأحمق يخير نفسه في الأمور فما أحبت أحب وما كرهت منها كره، يقول ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون لنفسه اشد محاسبة من الشريك لشريكه.

ويقال ان تميما الداري نام ليلة لم يقم يتهجد فيها، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع[86]. وعن علي بن سعيد قال: رأيت في النوم امرأة لا تشبه نساء الدنيا، فقلت من أنت؟ قال: حوراء قلت: زوجيني نفسك، فقالت: اخطبني إلى سيدي قلت: فما مهرك؟ قالت: حبس نفسك عن مألوفاتها[87].

ان من ملك نفسه عز، ومن ملكته نفسه ذل، ومن صبر على مخالفة نفسه أوصله الله إلى مقام أنسه.

ان المولى سبحانه حذر خيرة خلقه من الهوى، وبين ان إتباع الهوى حجاب عن الهدى ومزلقة عن الحق (يا داود أنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).

ويقول لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) ويقول جل وعلا: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) ويقول: (فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) ويصف الكافرين الظالمين فيقول: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله) ويقول: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا) ومن المهلكات التي اخبرنا عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم: 'هوى متبع' ان جهاد النفس لابد وان يستهدف وجه الله أولا وأخيرا في كل حركة وسكنة، حتى يصدق فيه قول الله: (ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت).

ان الحق في هذا القران لبيّن، وان حجة هذا الدين لواضحة، فما يتخلف عنه احد يعلمه الا ان يكون الهوى هو الذي يصده، وانهما لطريقان لا ثالث لهما: اما الإخلاص للحق وخلوص الهوى، وعندئذ لابد من الإيمان والتسليم، واما مماراة في الحق وإتباع للهوى فهو التكذيب والشقاق، ولا حجة من غموض في العقيدة أو ضعف في الحجة، أو نقص في الدليل، كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون.

ولذلك تسمع المولى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: (فان لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله. ان الله لا يهدي القوم الظالمين) [88].

وهكذا جزما وقطعا: كلمة من الله لا راد لها ولا معقب عليها (فان لم يستجيبوا لك) ان الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين، متجنون لا حجة لهم ولا معذرة، متبعون للهوى، معرضون عن الحق الواضح، الذي لا يحيد عنه الا ذو هوى يتبع هواه[89].

الأكمل هداية:

ان أكمل الناس هداية وإخلاصا لدينه أعظمهم جهادا، وافرض الجهاد، جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهوى بحسب ما عطل من الجهاد. قال الجنيد في قول الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) قال: والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص.

ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر الا من جاهد هذه الأعداء باطنا، فمن نصر عليها نصر على عدوه ومن نُصرت عليه نصر عليه عدوه.

والعبد الصالح يستشعر تقصيره دائما، وحاجته إلى عون ربه إذا زلت قدمه، وهو بالرغم من المحاسبة أولا بأول الا انه يشعر دائما انه من الخطائين، فإذا أحس بخطئه تنبهت عوامل الخير في نفسه فأناب وأسرع إلى التوبة يصل بها ما أمر الله به ان يوصل، ولقد علم الله من الإنسان ضعفه فيسّر عليه السبيل في جهاده لنفسه وفتح له باب الإنابة ليتوب توبة نصوحا ليعيد ترتيب نفسه ويعود إلى ربه مخلصا له الدين.

 

فلا تكن من الغافلين:

ان العبد إذا تيقظ فحاسب نفسه وتبين له تقصيره وخطأه ندم، وتاب واستغفر، محا الله سيئته، وأنسى جوارحه ما عملت، ومسح آثار معصيته حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب، وصدق المولى إذ يقول: (ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين).

ولا يزال العبد يراقب نفسه حتى يبلغ درجة الإحسان فيعبد الله كأنه يراه، وليس اضّر على النفوس من الغفلة، ولا أضيع للفائدة من التسويف، (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يدعو ويقول 'اللهم لا تدعنا في غمرة، ولا تأخذنا على غرة، ولا تجعلنا من الغافلين' ورحمة بالعباد فان المولى يأمرنا ان نذكره في كل حين فيقول: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) [90] فأنت امام لحظة بالغداة، ولحظة بالعشي، ولحظة بالسحر، تستطيع ان تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ الأعلى فتظفر بخيري الدنيا والآخرة، وأمامك يوم الجمعة وليلتها، وأمامك موسم الطاعات وأيام العبادات، وليالي القربات، فاحرص على ان تكون من الذاكرين لا الغافلين ومن العاملين لا العاطلين واغتنم وقتك، ما ان ينبثق فجر يوم جديد الا وينادي مناد، يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فاني لن أعود إليك إلى يوم القيامة.

ان يقظة الضمير أو النفس ودقة الشعور، وحياة الوجدان جعلها الإسلام قوام صلاح النفس، فهي الحارس الذي يحصي على المسلم خواطره وهواجسه، وألفاظه وكلماته، وأعماله وتصرفاته، لأنه لا يفارقه لحظة من ليل أو نهار في خلوة أو اجتماع، ويزنه بميزان دقيق يميز الخير من الشر ويعلن الجزاء لساعته سرورا وابتهاجا ورضى وطمأنينة وراحة وسلاما إذا فكر أو قال أو فعل خيرا، وسعيرا وجحيما ووخزا أليما ونارا تلظى بين الضلوع والجوانح إذا انحرف عن الطريق أو ضل سواء السبيل حتى انه ليفر بنفسه إلى القصاص العادل وان كان الموت، كما حدث في قصة ماعز والغامدية.

انها اليقظة في نفس المؤمن أصاب أم اخطأ: معرفة بالله، وإحساس برقابته ليفوز بجنة الدنيا قبل جنة الآخرة ولا يحظى بذلك الا المخلصون.

 



[1] فتح الباري 1/15

[2] مسلم 3/6343

[3] سورة لقمان جزء من الآية 22

[4] سورة الملك الآية 3

[5] سورة الكهف جزء من الآية 110

[6] الدعوة قواعد وأصول للمؤلف ص 49

[7] تنبيه الغافلين ص 304

[8] البخاري

[9] سورة التوبة الآية 40

[10] تهذيب مدارج السالكين ص 498

[11] رواه احمد عن عبد الله بن عمر

[12] سورة البقرة الآية 186

[13] منهج القرآن في عرض عقيدة الإسلام للمؤلف ص 50

[14] رواه الترمزي وابن ماجه

[15] سورة آل عمران الآية 123

[16] سورة الطلاق الآية 3

[17] سورة الحجر الآية 21

[18] سورة الزمر الآية 36-37

[19] سورة النساء الآية 71

[20] رواه البزار

[21] سورة إبراهيم الآية 12

[22] سورة طه 45-46

[23] سورة المزمل 8-10

[24] سورة الأعراف 89

[25] سورة آل عمران الآية 160

[26] سورة الشعراء 217

[27] تهذيب مدارج السالكين ص 335

[28] دعوة الإسلام الشيخ سيد سابق ص 164

[29] سورة الإسراء الآية 80

[30] سورة الشعراء الآية 84

[31] سورة القمر آية 55

[32] سورة الأحزاب الآية 24

[33] سورة التوبة الآية 119

[34] رواه الترمزي

[35] سورة البقرة الآية 177

[36] سورة مريم الآية96

[37] سورة الرعد 19-22

[38] رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها

[39] رواه الترمزي عن أبي الدرداء بإسناد صحيح

[40] سورة الفتح الآية 29

[41] أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد

[42] سورة المؤمنون 57-61

[43] صفوة التفاسير للشيخ الصابوني ص 313 ج3

[44] رواه البخاري

[45] رواه احمد والترمذي وشرحه مقتبس بتصرف من كتاب روائع البيان النبوي للدكتور مصطفى عبد الواحد ص11

[46] سورة المائدة الآية 54

[47] سورة الفتح الآية 29

[48] أو متشابهات جمع متشابه وكلها بمعنى واحد

[49] رواه البخاري كتاب الإيمان ومسلم واحمد وغيرهم

[50] كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي والبغوي عن سلمان رضي الله عنه

[51] سورة الأعراف الآية 157

[52] الجانب العاطفي من الإسلام الشيخ الغزالي ص 200

[53] سنتناول هذا الموضوع فيما بعد حين نتكلم عن ركن الأخوة في غير هذا الكتاب بمشيئة الله تعالى

[54] سورة الكهف 28

[55] رواه الترمزي عن أبي هريرة

[56] رواه احمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي سعيد

[57] دعوة الإسلام الشيح سيد سابق ص 70

[58] المرجع السابق ص 71

[59] سورة هود 113

[60] الفوائد لابن القيم ص 134

[61] رواه البخاري ومسلم عن نعمان بن بشير في حديث 'الحلال بين والحرام بين'

[62] الجواب الكافي لابن القيم ص 127

[63] هذه الأقوال من كتاب ذم الهوى لابن القيم الجوزي ص 69

[64] أخرجه الحاكم

[65] الجواب الكافي ص 74 لابن القيم

[66] رواه الإمام احمد والترمذي وابن ماجه وأبو داود وقالوا حديث حسن

[67] سورة القيامة الآية 2

[68] اولويات الحركة الإسلامية الدكتور القرضاوي ص 79

[69] سورة يوسف الآية 53

[70] الجانب العاطفي في الإسلام للشيخ الغزالي ص 161

[71] تهذيب مدارج السالكين ص 115 بتصرف

[72] اولويات الحركة الإسلامية للدكتور القرضاوي ص 79

[73] سورة المائدة 27-31

[74] من كتاب إصلاح النفس والمجتمع للأستاذ البنا بتصرف

[75] دعوة الإسلام الشيخ سيد سابق ص 78

[76] منهج القرآن في عرض عقيدة الإسلام ص 232 للمؤلف

[77] رسالة في أمراض القلوب لابن القيم ص 79

[78] سورة الزمر 56-58

[79] رسالة أمراض القلوب لابن القيم ص 75

[80] الجانب العاطفي من الإسلام للشيخ الغزالي ص 128

[81] من أدان نفسه: اخذ لنفسه من نفسه من صحته لسقمه ومن غناه لفقره ومن دان نفسه:استعبد نفسه وأذلها لطاعة الله

[82] حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الترمذي وقال حسن، وابن ماجه

[83] حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد جيد

[84] الأرض المنبسطة السهلة

[85] أورده ابن الجوزي في كتاب ذم الهوى ص 38 وقال حديث ضعيف وذكره السيوطي في الجامع الصغير باختلاف يسير وقال رواه البيهقي

[86] ذم الهوى لابن الجوزي ص 45

[87] المصدر المرجع السابق ص 49

[88] سورة القصص 50

[89] الظلال ج 5 ص 2700

[90] سورة الأعراف 205

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإخلاص 

التضحية والفداء في الإسلام 

منهاج حسن البنا بين الثوابت والمتغيرات 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca