من دروس الحج: التجرد والمداومة على الطاعات
أ.د. عبد الرحمن البر
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد
وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل بيتَه الحرام مثابة للناس وأمناً، ودعاهم لأن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، ونادى خليله إبراهيم عليه السلام، فقال: {وَأَذّöن فöي النَّاسö بöالْحَجّö يَأْتُوكَ رöجَالاًوَعَلَى كُلّö ضَامöرٍ يَأْتöينَ مöن كُلّö فَجٍّ عَمöيقٍ} (الحج:27)
فقام إبراهيم عليه السلام فقال: أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فجاوبتْه النطفُ في الأصلاب والأرحام، لبيك اللهم لبيك ، فمَنْ كتب اللهُ له السعادة لبَّى مع الملبّöين، وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله سيد النبيين، وإمام الأولياء والمتقين، القائل صلي الله عليه وسلم : «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفöرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مöنْ ذَنْبöهö»([1])، اللهم صلّö وسلّöمْ وبارöكْ عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين .
أيها الأخوة الأحباب الأكرمون، إن الحج مدرسة عظيمة، وفريضة كريمة، هو الفريضة الوحيدة التي سمى الله بها سورة في القرآن الكريم، فليس في القرآن سورة اسمها الصلاة ، أو الزكاة أو الصيام، لكن فيه سورةً عظيمةً تُسَمَّى سورة الحج، لأن الحج مدرسة عظيمة، وفيه مجال كبير لتربية النفوس والأرواح، ميلاد جديد، هكذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول صلي الله عليه وسلم : «مَنْ حَجَّ لöلَّهö فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمö وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»([2]) الحج ميلاد جديد يولد فيه الإنسان من جديد، ولذلك قال صلي الله عليه وسلم: «إöنَّ الْحَجَّ يَهْدöمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ»([3]) كل ما سبق من الذنوب يأتي الحج فيهدمها، ويبدأ الإنسان رحلة جديدة مع الله، كلها صفاء، كلها نور، كلها قرب من العزيز الغفور جل وعلا.
الحج، هو فريضة كريمة علق الله بها قلوب الصالحين، فتجد الأفئدة من مشارق الأرض ومغاربها، تهوي إلى البيت العتيق، العربي وغير العربي، الذي يفهم الكلام، ويقرأ القرآن ويعي معانيه، والذي لا يقرأ ولا يعي المعاني، الكل تعلق قلبه بهذا البيت الكريم منذ أن أقام دعائمه الخليل إبراهيم عليه السلام ودعا الناس بأمر ربه إليه، من يومها وقلوب المؤمنين في كل الأجيال وفي كل البلاد تتعلق بالبيت العتيق، ولا تجد مسلما وقلبه لا يهتز عند ذكر البيت، ويهفو للقاء رب البيت تبارك وتعالى، هذه فطرة، ملأ الله قلوب العباد شوقا لهذا البيت، ورغبة في أداء هذه الفريضة.
ولذلك وحتى لا يحزن الناس، ولا يصيب كثيرا من الناس الهم، بين الله أن غير القادر لا حرج عليه، لأن القلب بطبعه مشتاق، فيتألم حين لا يستطيع، فلهذا جعل له ربه أن لا شيء عليه ما دام غير قادر لأنه يعلم ما في قلبه من الرغبة، وما في قلبه من الحب والشوق، فقال: {وَللهö عَلَى النَّاسö حöجُّ البَيْتö مَنö اسْتَطَاعَ إöلَيْهö سَبöيلاًوَمَن كَفَرَ فَإöنَّ اللَّهَ غَنöيّñ عَنö العَالَمöينَ} (آل عمران: (97))
ولهذا كان الحج مدرسة عظيمة، فيها من الدروس والعبر والآيات، ما نحن في أمس الحاجة إليه، وإلى تعلُّمه، ربما نكون مشتاقين لزيارة البيت العتيق، والطواف حول الكعبة المشرفة، ربما تكون قلوبنا معلقة، بزيارة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والمشي في الأرض المباركة التي وطأتها أقدامه الشريفة، لكن يمكننا إذا لم يتيسر لنا الحج يمكننا أن نعيش مع رحلة الحج بأرواحنا وقلوبا وأن ندخل مدرسة الحج، فنتعلم منها، الدروس النافعة، حتى يحقق لنا الله تبارك وتعالى لنا الخير، تعالوا بنا أيها الأحبة إلى هذه المدرسة الكريمة الإلهية الربانية النورانية، لنتلقى منها بعض الدروس والعبر.
أول درس في الحج: هو أن نعرف معنى الإسلام على الحقيقة، كيف نكون مسلمين؟ هل الإسلام هو أن أقول أنا مسلم؟ يقول الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام بعد أن تكلم عن بنائه للبيت، ودعائه لربه بأن يجعل ذريته أمة مسلمة، يقول { وَمَن يَرْغَبُ عَن مّöلَّةö إöبْرَاهöيمَ إöلاَّ مَن سَفöهَ نَفْسَهُوَلَقَدö اصْطَفَيْنَاهُ فöي الدُّنْيَاوَإöنَّهُ فöي الآخöرَةö لَمöنَ الصَّالöحöينَ* إöذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلöمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لöرَبّö العَالَمöينَ } (البقرة 130-131)
يا إخواني الكرم هل كان إبراهيم غير مسلم حين قال له ربه أسلم؟ هل كان إبراهيم في ذلك الوقت كافرًا ؟ فيكون معنى الكلام : اترك الكفر وادخل في الإسلام؟ لا... كان إبراهيم مسلما، إذاً لماذا يقول له ربه: أسلم؟ فيجيب هو فيقول: أسلمت لرب العالمين؟
المسألة فيها سر، والإسلام إذاً ليس كلمة تقال باللسان، قال أسلم، أي أسلم لي نفسك خالصا، بحيث لا يكون لي فيك شريك، كلما أمرتك بأمر لا تتردد، وكلما نهيتك عن شيءٍ لا تجادلْ، وكلما لفتُّ نظرَك إلى أمر لا تتأخر، سلّöمْ لي نفسَك، هذا معنى الإسلام، وفهم سيدنا إبراهيم معنى الطلب، فهم ما يعنيه الله من «أسلم»، فقال كلمته الرائعة: أسلمت لرب العالمين، يا رب أنا كلي لك، مُرْني بما شئتَ .
ولم يتركه الله في هذه الدعوى من غير اختبار، إنما أراد أن يحقق إبراهيم معنى الإسلام على الحقيقة، قال: ما دمت أسلمت لرب العالمين فهذا الولد فلذة الكبد الذي رُزöقْتَه على كöبَر، وأنت في أمسّö الحاجةö والشوق إليه، اخرُجْ به وبأمه فدعهما في أرض صحراء مهلكة، لنرى إن كنتَ تستجيب لله حقًا فيما هو شاق عليك، كما تستجيب لما هو يسير أم لا؟
ولم يتردد إبراهيم عليه السلام، فأخذ هاجر وابنها حتى وصل بهما إلى وادي غير ذي زرع، حيث أمره الله أن يتركهما، لم يسأل ربه، ماذا سيأكلون؟ وماذا سيشربون؟ وكيف سيعيشون؟ وما الفائدة في أن أضعهم في الصحراء؟ ولماذا لا تتركهم معي أعلمهم الإسلام ويكونوا مسلمين؟ ولم يدخل في أي حوار مع الله، هو الله قال له خذهم من هنا وضعهم هنا، فلم يتردد، والتفت راجعا، ونادته هاجر: يا إبراهيم لمن تتركنا؟ فلما ألحت هاجر عليه، ولم يجب، وهي تعرف إبراهيم وكيف إسلامه لله، «قَالَتْ لَهُ: آللهُ الَّذöى أَمَرَكَ بöهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَتْ إöذًا لاَ يُضَيّöعُنَا»([4]). وترك ابنه في هذا المكان، ورفع يده إلى السماء، وقال:{رَبَّنَا إöنّöي أَسْكَنتُ مöن ذُرّöيَّتöي بöوَادٍ غَيْرö ذöي زَرْعٍ عöندَ بَيْتöكَ المُحَرَّمö رَبَّنَا لöيُقöيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئöدَةً مّöنَ النَّاسö تَهْوöي إöلَيْهöمْوَارْزُقْهُم مّöنَ الثَّمَرَاتö لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } (إبراهيم: (37)).
نجح في هذا الامتحان، لكن الولد يكبر وهو يزوره، وكلما كبر يوما، ازداد حبه في قلب أبيه، فلما بلغ إسماعيل السعي وصار شابا يملأ العين وامتلأ به قلب أبيه حبا، قال له ربه: يا إبراهيم أأسلمت؟ قال: أسمت رب العالمين، قال: اذبح إسماعيل، فلم يسأل لماذا؟ و ما الحكمة؟ لم يقل: إن إسماعيل عابد طائع لا يستحق الذبح، بل أتى ولده وقال: {يَا بُنَيَّ} من منطق أنه أب يمتلئ بإحساس الأبوة والشفقة والرحمة {إöنّöي أَرَى فöي المَنَامö أَنّöي أَذْبَحُكَ}، ولم يقل له إني رأيت في المنام أنك تُذبح ، لا ، ولكنه {قَالَ يَا بُنَيَّ إöنّöي أَرَى فöي الْمَنَامö أَنّöي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتö افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجöدُنöي إöنْ شَاءَ اللهُ مöنَ الصَّابöرöينَ} }الصافات:102{ كانت النتيجة أن رب العزة يقول: {فَلَمَّا أَسْلَمَاوَتَلَّهُ لöلْجَبöينö} (الصافات:103).
إسلام كامل ويضع السكين ويتثاقل عليها أن تذبح إسماعيل، ولكن الله ناداه {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إöبْرَاهöيمُ .قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إöنَّا كَذَلöكَ نَجْزöي المُحْسöنöينَ .إöنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاءُ المُبöينُ . وَفَدَيْنَاهُ بöذöبْحٍ عَظöيمٍ } (الصافات:104-107).
ولو ذهبت مع سيرة إبراهيم عليه السلام لوجدت كيف أنه أسلم الإسلام الحقيقي، الذي يرى أن أمر الله نافذ عليه في شدته وفي رخائه، في رضاه وفي سخطه، في عسره وفي يسره.
وهكذا المسلم حين يسمع آية من كتاب الله بنطفئ نار غضبه وتخمد ثورة شهوته وغريزته ويستسلم لأمر الله، مثلما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أخرج البخاري عن ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما – قَالَ: قَدöمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حöصْنö بْنö حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنö أَخöيهö الْحُرّö بْنö قَيْسٍ ، وَكَانَ مöنَ النَّفَرö الَّذöينَ يُدْنöيهöمْ عُمَرُ ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالöسö عُمَرَ وَمُشَاوَرَتöهö كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا . فَقَالَ عُيَيْنَةُ لاöبْنö أَخöيهö: يَا ابْنَ أَخöى، لَكَ وَجْهñ عöنْدَ هَذَا الأَمöيرö فَاسْتَأْذöنْ لöى عَلَيْهö . قَالَ: سَأَسْتَأْذöنُ لَكَ عَلَيْهö .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لöعُيَيْنَةَ فَأَذöنَ لَهُ عُمَرُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهö قَالَ: هöيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابö ، فَوَاللَّهö مَا تُعْطöينَا الْجَزْلَ ، وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بöالْعَدْلö . فَغَضöبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بöهö ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمöيرَ الْمُؤْمöنöينَ إöنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لöنَبöيّöهö - صلى الله عليه وسلم - {خُذö الْعَفْوَ وَأْمُرْ بöالْعُرْفö وَأَعْرöضْ عَنö الْجَاهöلöينَ}(الأعراف:199)وَإöنَّ هَذَا مöنَ الْجَاهöلöينَ . وَاللَّهö مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حöينَ تَلاَهَا عَلَيْهö، وَكَانَ وَقَّافًا عöنْدَ كöتَابö اللَّهö»([5])
سيدنا عمر رضي الله عنه دخل عليه الرجل وهو جلف جاف غليظ لا يعرف من يخاطب ولا كيف يتكلم، فقال ما قال أمام الناس ، فغضب عمر، ورأى أصحابه الغضب في وجهه، لكنه ما إن تليت عليه الآية الكريمة {خُذö العَفْوَوَأْمُرْ بöالْعُرْفöوَأَعْرöضْ عَنö الجَاهöلöينَ} حتى كان كمن صب عليه ماء بارد، وانطفأ كل الغضب الذي كان في وجه عمر .
هذا هو الإسلام، حينما يقال لك قال الله لا تفكر ولا تتردد ولا تجادل ولا تحاور، لأن هذا معنى العبودية، هذا معنى الإسلام ، أسلمت لرب العالمين، والحج يعلمنا هذا بصورة واضحة، رب العزة يقول لك: اخرج من بلدك إلى مكة وستجد بناء من أربعة جدران، تطوف حوله سبعة أشواط، وبعد ذلك تصعد وتسعى بين جبلي الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم تذهب إلى عرفات فتجد واديا عبارة عن أرض منبسطة فيها جبل صغير اسمه جبل الرحمة، تظل هناك يوم التاسع من ذي الحجة طوال النهار، إلى أن يدخل الليل، وحين يأتي الليل تنزل إلى مزدلفة وتبيت فيها، وحين يصبح النهار تذهب إلى منى وترمي الجمرات، ترمي اليوم الأول الجمرة الكبرى بسبع حصيات، وفي اليوم الثاني والثالث والرابع ترمي الجمرات الثلاث، وتبيت هذه الليالي في منى، لماذا؟ ما أكثر السفهاء الذين قالوا لماذا؟حتى بلغ السفه ببعضهم أن دعوا كل بلد لبناء كعبة محلية وعمل مناسك الحج لكل مسلم في بلده.
هذا هو نفس الفكر الذي فكر فيه أبرهة الحبشي ، لما وجد العرب يعظمون الكعبة، فقال في نفسه: لماذا يعظمون هذه الكعبة وهي مجرد بناء من الأحجار ؟ فبنى كنيسة أحسن وأضخم وأفخم من الكعبة، من وجهة نظره، وانتظر الناس تحج إليه فلم يأت أحد ليحج إليها، لأن الله لم يعلق بها القلوب، بل دخل أحد الإعراب فقضى حاجته فيها !!! واستشاط غضبا وجهلا([6])، وجاء ليهدم الكعبة في قصة الفيل المعروفة.
هو يظن أن المسألة بناء يبنى وفقط، لا، القضية إسلام لرب العالمين، لماذا جعل السعي بين الصفا والمروة سبعا ولم تكن خمسا، أو أربعة أوثلاثة أو عشرين؟ هذا لا تقول فيه لماذا؟ أنت تذهب إلى الحج لتتعلم: كيف تقول {سَمöعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإöلَيْكَ الْمَصöيرُ} (البقرة:285) ، لتتعلم كيف تكون مسلما، تنفذ أمر الله ، ولا تسأل لماذا؟ لأن هذا هو مقتضى العبودية، لأنه هكذا يريدك، يريد أن يعلمك أنك حينما تسمع آية من القرآن، لا تجادل، وحينما يقرأ عليك حديث النبي العدنان صلى الله عليه وسلم لا تجادل، إنما تقول: سمعنا وأطعنا.
ففي الحديث: «إöنَّ إöبْرَاهöيمَ لَمَّا أُمöرَ بöالْمَنَاسöكö عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عöنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إöبْرَاهöيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بöهö جöبْرöيلُ إöلَى جَمْرَةö الْعَقَبَةö، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بöسَبْعö حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عöنْدَ الْجَمْرَةö الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بöسَبْعö حَصَيَاتٍ. قَالَ : وَثَمَّ تَلَّهُ لöلْجَبöينö ، وَعَلَى إöسْمَاعöيلَ قَمöيصñ أَبْيَضُ، وَقَالَ: يَا أَبَتö إöنَّهُ لَيْسَ لöي ثَوْبñ تُكَفّöنُنöي فöيهö غَيْرُهُ، فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفّöنَنöي فöيهö، فَعَالَجَهُ لöيَخْلَعَهُ فَنُودöيَ مöنْ خَلْفöهö {أَنْ يَا إöبْرَاهöيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} فَالْتَفَتَ إöبْرَاهöيمُ فَإöذَا هُوَ بöكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَقَد رَأَيْتُنَا نَبöيعُ هَذَا الضَّرْبَ مöنَ الْكöبَاشö – قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ بöهö جöبْرöيلُ إöلَى الْجَمْرَةö الْقُصْوَى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بöسَبْعö حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ»([7]).
فعل إبراهيم وإسماعيل وهاجر هذا، لأن الإسلام استسلام لله، وليس للعبد أن يطلب من سيده علة لعمل، الله رب العالمين يريد منك أمراً فلا تقل له لماذا؟ يجب أن نتعلم كيف تكون العبودية، كيف يكون السمع والطاعة، الحج يعلم المسلم هذا، ولذلك رب العزة جل وعلا يقول:{فَلاَوَرَبّöكَ لاَ يُؤْمöنُونَ حَتَّى يُحَكّöمُوكَ فöيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجöدُوا فöي أَنفُسöهöمْ حَرَجاًّ مّöمَّا قَضَيْتَوَيُسَلّöمُوا تَسْلöيماً }(النساء:65).
لا يتم إيمان المؤمن إلا حينما يسلم تمام التسليم لأوامر الله ورسوله {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهöمْ أَنö اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوö اخْرُجُوا مöن دöيَارöكُم مَّا فَعَلُوهُ إöلاَّ قَلöيلñ مّöنْهُمْوَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بöهö لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْوَأَشَدَّ تَثْبöيتاً} (النساء:66).
لو أن الله قال لك: اقتل نفسك فقتلت نفسك لكان في ذلك الحياة، لو قال أخرج من بيتك فخرجت من بيتك لكنت في قصر مشيد، لأن الآمر هو الله، والعبد ليس له أن يجادل ربه، و إلا لا يكون عبدا.
قابلني أحد الدعاة المسلمين من بلد اسمها الإكوادور، وسألته: ما الذي جعلك تسلم، قال: أعجبني منظر السجود، لأن هذا علامة على أن هناك عبدا وهناك ربا، عبد يقول له ربه: اسجد وضع رأسك على الأرض فلا يقول لا، هذا معناه أنه عبد، ومعناه أنه مدرك أن له ربا.
فيا أيها المسلمون الموحدون العابدون الساجدون الراكعون، التسليم لله ليس في الصلاة فقط، ولا في الصيام فقط، ولا في الحج فقط، التسليم لله في كل أمر، القناعة بأن أمر الله فوق كل أمر، وأن في طاعته النجاة، وأن في مخالفته الهلاك، والشواهد على هذا لا تحصى، ولا تعد، سيدنا موسى أمره الله {فَأَسْرö بöعöبَادöي لَيْلاً إöنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} (الدخان:23)
اخرج أنت ومن معك من المسلمين ليلا، إنكم متبعون، وصل إلى البحر حسب الأمر، والبحر أمامه والعدو وراءه {فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانö قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إöنَّا لَمُدْرَكُونَ} (الشعراء:61) ليس لها تفسير آخر، لكن موسى يعلم أنه يستجيب لأمر الله ولهذا {قَالَ كَلَّا إöنَّ مَعöيَ رَبّöي سَيَهْدöينö} }الشعراء:62{ ، فجاء التوجيه الإلهي {فَأَوْحَيْنَا إöلَى مُوسَى أَنö اضْرöبْ بöعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فöرْقٍ كَالطَّوْدö الْعَظöيمö} (الشعراء:63) ومضى موسى عليه السلام، ووجدها فرعون فرصة فنزل وراء موسى عليه السلام في البحر، في المكان اليابس حيث جعل الله جل وعلا طريقا في البحر يبساً ، ومضى موسى إلى آخر الشط وخشي أن يلحق به فرعون، فقال: يا رب أأضرب البحر بعصاي،؟ حتى ينغلق كما انفلق؟([8]) فقال جل جلاله: {وَاتْرُكö البَحْرَ رَهْواً إöنَّهُمْ جُندñ مُّغْرَقُونَ} (الدخان:24) ليس لك من الأمر شيء، أنت استجبت للأمر ... فاترك لنا النتائج.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت العتيق قيل له: أذن في الناس بالحج. قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليَّ البلاغ. قال: فقال إبراهيم عليه السلام: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. قال: فسمعه ما بين السماء إلى الأرض، ألا ترى أن الناس يجيئون من أقاصي الأرض يلبون»([9]).
من دروس الحج كذلك أيها الأحبة: أنه ميلاد جديد. شيء عجب وأنت تقرأ القرآن في مناسك الحج، الله تبارك وتعالى يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرñ مَّعْلُومَاتñ فَمَن فَرَضَ فöيهöنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَوَلاَفُسُوقَوَلاَجöدَالَ فöي الحَجّöوَمَا تَفْعَلُوا مöنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُوَتَزَوَّدُوا فَإöنَّ خَيْرَ الزَّادö التَّقْوَىوَاتَّقُونö يَا أُوْلöي الأَلْبَابö } (البقرة:197) الحاج الذي قطع البلاد والأقطار وركب البحار أو الطيران وسافر إلى البيت العتيق أليس مدفوعا بتقواه لله؟ نعم مدفوعا بتقواه لله، فلماذا رب العزة يقول:{وَتَزَوَّدُوا فَإöنَّ خَيْرَ الزَّادö التَّقْوَى}؟
لأن التقوى لكي تكون على الحقيقة تحتاج إلى مداومة، إياك أن تظن أنك طالما حججت أووصلت إلى البيت فقد انتهيت، أنت بدأت مرحلة جديدة، تحتاج إلى عمل عظيم، ولهذا نقول: إنك قد بدأت الميلاد الجديد فتزود، واجعل مستقبل حياتك من بعد هذا اليوم التقوى، فهناك بعض الناس يفهمون الأمر خطأ، أنه سيرجع من الحج براءة فيستأنف الذنوب مرة أخرى، ويدخل في رحلة جديدة مع الشيطان، فنقول لك: لا، أنت تطهرتَ من الماضي لتبدأ عهدا جديدا، كله تقوى لله، كل يوم في حياة الحاج يجب أن يزداد فيه قربا من الله، ولذلك تجد من العجيب في القرآن، قول الله تعالى: {فَإöذَا أَفَضْتُمْ مّöنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عöندَ المَشْعَرö الحَرَامöوَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْوَإöن كُنتُم مّöن قَبْلöهö لَمöنَ الضَّالّöينَ} (البقرة:198)وماذا كان يفعل الحاج إذاً في عرفات؟ ألم يكن داعيا ذاكرا مكبرا مسبحا؟ لدرجة أن رب العزة جعل الصلاة في هذا اليوم جمعاً قصراً حتى يعطي الحاج فرصة كي يكثر من الدعاء والذكر، أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أَنَّ النَّبöيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءö دُعَاءُ يَوْمö عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبöيُّونَ مöنْ قَبْلöي لاَ إöلَهَ إöلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرöيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّö شَىْءٍ قَدöيرñ»([10])، إذا هو طول اليوم في ذكر، ومع ذلك يقول المولى جل وعلا { فَإöذَا أَفَضْتُمْ مّöنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عöندَ المَشْعَرö الحَرَامöوَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْوَإöن كُنتُم مّöن قَبْلöهö لَمöنَ الضَّالّöينَ} فتمام العمل أن تستديم عليه، أنت كنت ذاكرا الأمس، فلا تظن أن هذا الحال هنا وفقط وأنك قد أتممت ما عليك وهذه النهاية، لا . أنت بدأت رحلة ذكر، رحلة قرب إلى الله رب العالمين، فداوم عليها {فَاذْكُرُوا اللهَ عöندَ المَشْعَرö الحَرَامö}تذكر في هذه الساعة أنك كنت ضالاً فهداك، وهذا يستحق الشكر، {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْوَإöن كُنتُم مّöن قَبْلöهö لَمöنَ الضَّالّöينَ}، فالمطلوب هو المداومة على الاستغفار، فأنت قد بدأت ميلادا جديدا في رحلة إيمانية، وليس ميلاد بمعني أن تستأنف المعاصي؟ فأنت قد بدأت تتعود على حياة جديدة كلها صلة، فإياك أن تظن أن هذا في يوم عرفة فقط ، أو في مزدلفة وفقط، لا، أكمل.
بل أكثر من هذا: {فَإöذَا قَضَيْتُم مَّنَاسöكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذöكْرöكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذöكْراً } (البقرة:200) أحد السلف يفسر هذه الآية فيقول: مثل الطفل الصغير المتعلق بأبيه فتجده دائم النداء على أبيه، فلا يستطيع أن يقول غيرها، فهو يظل يقول يا رب... يا رب، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، فهو متعلق بربه، {كَذöكْرöكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذöكْراً}، انظر إلى الطفل الذي يتصور أن أباه هذا هو غاية الدنيا، هو قادر على تحريك الدنيا وقلبها، هكذا العبد الذي خرج من الحج، خرج وقد تعلق قلبه بالله، أشد من تعلق قلب الطفل بأبيه، وأكثر ذكرا لله، من ذكر الطفل لأبيه، وهكذا إخواني نتعلم أن العبادة ليست أنني في ساعة العبادة عابد ومجرد أن تنتهي أكون قد انتهيت، فهناك من يدخل المسجد فتراه أواها منيبا ومحترما جدا ويصلي ويصوم، فإذا خرج من المسجد وجدته على غير ما كان، وحينما تنصحه يقول لك: ساعة لقلبك وساعة لربك، وينسى أن رب العزة يقول لك حينما تنتهي من الصلاة لا تغتاب الناس ولا تشرب الدخان: {فَإöذَا قُضöيَتö الصَّلاةُ فَانتَشöرُوا فöي الأَرْضö وَابْتَغُوا مöن فَضْلö اللهöوَاذْكُرُوا اللهَ كَثöيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلöحُونَ } (الجمعة: (10)) لا تظن أن العبادة أن تصلي وتخرج من المسجد، وتنسى الله ، لا، فإذا خرجت فلا تنس نفسك فتنخلع من جلدك، اجعل رب العزة الذي كان معك في المسجد أمام ناظريك خارج المسجد، وأنت تتعامل مع الناس، وأنت تبيع وتشتري، وأنت تزرع وتقلع، وأنت ذاهب إلى العمل وراجع من العمل، فاذكروا الله كثيرا.
وحين تنتهي من صيام رمضان أتبعه بست من شوال ، وهكذا العامل الصالح لكي يكون صالحاً يحتاج إلى مداومة عليه، واستمرار عليه، وبهذا يولد الحاج من جديد ، الرجل الذي يذهب إلى الحج ، يخرج من الحج وقد تربى على الذكر، والفكر، والدعاء، وكذلك ستمر بالحاج أربعة أيام من يوم العيد والثلاثة الأيام التي بعده، نقول للحاج هذه أيامك ، فالنبي صلي الله عليه وسلم يقول: «إöنَّمَا هöيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذöكْرö اللهö»([11]) فأنت خارج من العبادة لتظل مندفعا في طريق الله، وهكذا يكون المسلم يزيده العمل الصالح صلاحا، فأنت أيها الحاج قد فتحت ملفا من الإيمان مع رب العزة، وفتحت خطا من التقوى، فلا تغلقه.
إذاً فقد تعلمنا من الحج أن الإسلام الحقيقي هو أن تسلم أمرك لله، وترضى بما يجري عليك، فإذا ابتلاك بالمرض فتوجه إليه وحده، وسله كشف الضر، و إذا ابتلاك بالفقر، فارجع إليه وحده وسله الغنى، إذا ابتلاك بزوجة نكدية فسله وحده أن يهدي قلبها لك، إذا ابتلاك بولد عاق شيطان، فتوجه إليه وحده، إذا ابتلاك بظالم تسلط عليك فتوجه إليه وحده، إن رزقك الغنى، فتوجه بالشكر له وحده، إن رزقك الجاه فتوجه بالشكر له وحده، يعني اجعل إسلامك صحيحا، في شدتك وفي رخائك، في عسرك وفي يسرك، هكذا نتعلم من الحج الاستسلام لله.
ونتعلم من الحج كذلك: المداومة على الطاعة، لكي تحفظ الطاعة لا بد أن تأتي بطاعة مثلها، وهذا معنى أن الحج ميلاد للفرد، ميلاد جديد لكي تستأنف عملا صالحا، غير الذي كنت تعمل، لكي تترك كل ما كنت عليه، من الآثام والمعاصي، وتسير في طريق الله رب العالمين.
نسأل الله العظيم أن يصلنا به، وأن يقطعنا عمن سواه، واستغفروا عباد الله ربكم إنه هو الغفور الرحيم.
([1]) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ك الحج باب فضل الحج والعمرة 3/176(811). وقال حديث حسن صحيح .
([2]) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ك الحج باب فضل الحج المبرور 3/382(1521) ومسلم ك الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة 2/983/1350
([3]) جزء من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه عند مسلم ك الإيمان باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج .1/112/121
([4]) القصة وردت في صحيح البخاري بطولها من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ك أحاديث الأنبياء 6/396 (3364 ).
([5]) القصة في صحيح البخاري ك التفسير باب "خُذö العَفْوَوَأْمُرْ بöالْعُرْفö" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما 8/304/(4642).
([6]) القصة كاملة في البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله 2/157.
([7]) الإمام أحمد في مسنده 1/297 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما رقم (2707).
([8]) تفسير ابن كثير 4/179
([9]) ابن أبي شيبة في مصنفه 6/329 عن ابن عباس رضي الله عنهما .
([10])أخرجه الترمذي و قَالَ هَذَا حَدöيثñ حَسَنñ غَرöيبñ مöنْ هَذَا الْوَجْهö ك الدعوات باب في دعاء يوم عرفة 5/534(3585) .
([11]) أخرجه مالك في الموطأ من حديث عبد الله بن حذافة السهمي ك الحج باب ماجاء في صيام أيام منى 1/376(135) ، ومسلم عن نبيشة الهذلي ك الصيام باب تحريم صوم أيام التشريق 2/800 (1141).