الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  مقالات مختارة

 - عرض حسب التصنيف -  - عرض حسب الكاتب -  - عرض  أبجدي -
مقالات مختارة
عنوان المقال: مَثَلُ الْمُؤْمöنö كَمَثَلö الْخَامَةö، وَمَثَلُ الْكَافöرö كَمَثَلö الْأَرَزَةö
الكاتب: الدكتور عبد الرحمن البر
التصنيف: دعوة
المصدر:الشبكة الدعوية

مَثَلُ الْمُؤْمöنö كَمَثَلö الْخَامَةö، وَمَثَلُ الْكَافöرö كَمَثَلö الْأَرَزَةö

مَثَلُ الْمُؤْمöنö كَمَثَلö الْخَامَةö، وَمَثَلُ الْكَافöرö كَمَثَلö الْأَرَزَةö
أ.د. عبد الرحمن البر
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وعضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
أخرج الشيخان عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمöنö كَمَثَلö الخَامَةö مöنَ الزَّرْعö، مöنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرّöيحُ كَفَأَتْهَا، فَإöذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بöالْبَلاَءö، وَالفَاجöرُ كَالأَرْزَةö، صَمَّاءَ مُعْتَدöلَةً، حَتَّى يَقْصöمَهَا اللَّهُ إöذَا شَاءَ».
 وفي رواية عند مسلم: «وَمَثَلُ الْمُنَافöقö كَمَثَلö شَجَرَةö الْأَرْزö، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصöدَ».
وأخرج الشيخان عن كَعْبö بن مالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمöنö كَمَثَلö الْخَامَةö مöنَ الزَّرْعö، تُفöيئُهَا الرّöيحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدöلُهَا أُخْرَى، حَتَّى تَهöيجَ، وَمَثَلُ الْكَافöرö كَمَثَلö الْأَرْزَةö الْمُجْذöيَةö عَلَى أَصْلöهَا، لَا يُفöيئُهَا شَيْءñ، حَتَّى يَكُونَ انْجöعَافُهَا مَرَّةً وَاحöدَةً».
وفي رواية عند الشيخين: «وَمَثَلُ المُنَافöقö كَالأَرْزَةö، لاَ تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجöعَافُهَا مَرَّةً وَاحöدَةً»
وأخرج أحمد والبزار بسند صحيح عَنْ جَابöرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمöنö مَثَلُ السُّنْبُلَةö، مَرَّةً تَسْتَقöيمُ، وَمَرَّةً تَمöيلُ، وَتَعْتَدöلُ، وَمَثَلُ الْكَافöرö مَثَلُ الْأَرْزَةö مُسْتَقöيمَةً لَا يَشْعُرُ بöهَا حَتَّى تَخöرَّ».
1-   شرح الحديث والمثل:
(الْخَامَةُ): الْغَضَّةُ الرَّطْبَةُ اللَّيّöنَةُ، و(الرّöيحُ كَفَأَتْهَا) و(تُفَيّöئُهَا الرّöيَاحُ) أَيْ: تُمöيلُهَا يَمöينًا وَشöمَالًا، وَذَلöكَ أَنَّ الرّöيحَ إöذَا هَبَّتْ شَمَالًا مَالَتö الْخَامَةُ إöلَى الْجَنُوبö، وَإöذَا هَبَّتْ جَنُوبًا مالت إلى الشَّمَالö، (وَتَعْدöلُهَا) أَيْ: تُقöيمُهَا، وَ(الْأَرَزَةُ) بفتح الراء وسكونها: الثَّابöتَةُ مöنَ الشَّجَر, وَهُوَ شَجَرñ مَعْرُوفñ بöالشَّامö، وَهُوَ شَجَرñ صُلْبñ شَدöيدñ ثَابöتñ فöي الْأَرْضö، وتُسَمَّى بöالْعöرَاقö الصَّنَوْبَرُ، وَالصَّنَوْبَرُ: ثَمَرُ الْأَرْزَةö، و«حَتَّى تَهöيجَ»: أَيْ تَيْبَسَ وتَصْفَرَّ، وَ(الْمُجْذöيَةُ): الثَّابöتَةُ فöي الْأَرْضö، وَ(الöانْجöعَافُ): الöانْقöلَاعُ والانْقöطَاعُ وَالöانْقöصَافُ، و(تَسْتَحْصöدَ): أي تنقلع مرة واحدة، كالزرع الذي انتهى يبسه.
خلق الله تبارك وتعالى هذه الحياة وجعلها دار امتحان لبني آدم ﴿الَّذöي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لöيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزöيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]، وجعل لهذا الامتحان صورا وأشكالا متعددة، ما بين خير وشر ﴿وَنَبْلُوكُمْ بöالشَّرّö وَالْخَيْرö فöتْنَةً وَإöلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]، وشاءت حكمة الله تعالى أن يجعل ابتلاء المؤمن وفتنته في الانتقاص من نفسه أو أهله أو ماله ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بöشَيْءٍ مöنَ الْخَوْفö وَالْجُوعö وَنَقْصٍ مöنَ الْأَمْوَالö وَالْأَنْفُسö وَالثَّمَرَاتö﴾ [البقرة: 155]، فيبتليه بمرض أو نقص في جسده، أو بفقد ولد أو حبيب أو عزيز، ويبتليه بالفقر والحاجة، ويبتليه بتسليط الظلمة عليه، ولكنه في كل ذلك متعلق بالله، مشدود إلى جنابه العظيم، لا تزيده تلك المحن إلا صلابة في دينه وقوة في عقيدته، بخلاف المنافق الذي يمهله الله ويستدرجه ويمد له في أسباب الصحة والثروة، ثم إذا ابتلاه بشيء من الشدة سقط في أول اختبار، وفي هذا الحديث يشبه النبي صلى الله عليه وسلم حال المؤمن وحال المنافق في تفاعلهما وتأثر كل منهما بالمحنة والفتنة، فالمؤمن أشبه بالنبتة الغضة اللينة التي تميل مع الرياح لكنها لا تنقلع بل تزداد مع حركات الرياح تشبثا بالأرض وارتفاعا في السماء، أما المنافق فهو أشبه بالشجرة الصماء التي لا تتحرك مع الرياح، بل تنقى على حالها حتى تأتيها ريح تقتلعها من جذورها.    
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ في غريب الحديث: هَذَا فöيمَا نَرَى أَنَّهُ شَبَّهَ الْمُؤْمöنَ بöالْخَامَةö الَّتöي تُمöيلُهَا الرّöيحُ لöأَنَّهُ مُرْزَأñ فöي نَفْسöهö، وَأَهْلöهö، وَوَلَدöهö، وَمَالöهö، يَعْنöي يُصöيبُ الْمُؤْمöنَ مöنْ أَنْوَاعö الْمَشَقَّةö مöنَ الْخَوْفö وَالْجُوعö وَالْمَرَضö وَغَيْرöهَا. وَالْكَافöرُ كَمَثَلö الْأَرْزَةö الَّتöي لَا تُمöيلُهَا الرّöيحُ، أَيْ لَا يُرْزَأُ شَيْئًا، وَإöنْ أُرْزöيَ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْهö حَتَّى يَمُوتَ، فَشَبَّهَ مَوْتَهُ بöانْجöعَافö تöلْكَ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بöذُنُوبöهö. فَكَذَلöكَ الْمُنَافöقُ وَالْفَاسöقُ يُقöلُّ لَهُمُ الْأَمْرَاضَ وَالْمَصَائöبَ لöئَلَّا يَحْصُلَ لَهُمْ كَفَارَّةñ وَلَا ثَوَابñ.
وَالْحَاصöلُ أَنَّ الْمُؤْمöنَ لَا يَخْلُو مöنْ عöلَّةٍ أَوْ قöلَّةٍ أَوْ ذöلَّةٍ، كَمَا رُوöيَ، وَكُلُّ ذَلöكَ مöنْ عَلَامَةö السَّعَادَةö بöشَرْطö الصَّبْرö وَالرّöضَا وَالشُّكْرö»
ومن المعاني التي ذكرها العلماء لتشابه المؤمن بخامة الزرع في السهولة والليونة: سرعة التوبة من الذنب كلما وقع فيه، فكلما مال المؤمن عن الحق تذكر أمره فاسرع بالتوبة إلى ربه واستقام على الصراط المستقيم، قال تعالى ﴿إöنَّ الَّذöينَ اتَّقَوْا إöذَا مَسَّهُمْ طَائöفñ مöنَ الشَّيْطَانö تَذَكَّرُوا فَإöذَا هُمْ مُبْصöرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، وقال تعالى في صفة المتقين المستحقين للجنة ﴿وَالَّذöينَ إöذَا فَعَلُوا فَاحöشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لöذُنُوبöهöمْ وَمَنْ يَغْفöرُ الذُّنُوبَ إöلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصöرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئöكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفöرَةñ مöنْ رَبّöهöمْ وَجَنَّاتñ تَجْرöي مöنْ تَحْتöهَا الْأَنْهَارُ خَالöدöينَ فöيهَا وَنöعْمَ أَجْرُ الْعَامöلöينَ﴾ [آل عمران: 135، 136]، وأخرج البيهقي في (شعب الإيمان) عن جَرöيرٍ بْنö عبد الحميد، قَالَ: كُنْتُ جَالöسًا عöنْدَ الْحَسَنö، إöذْ جَاءَهُ رَجُلñ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعöيدٍ، مَا تَقُولُ فöي الْعَبْدö يُذْنöبُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ؟، قَالَ: لَمْ يَزْدَدْ بöتَوْبَتöهö مöنَ اللهö إöلَّا دُنُوًّا، قَالَ: ثُمَّ عَادَ فöي ذَنْبöهö ثُمَّ تَابَ؟، قَالَ: لَمْ يَزْدَدْ بöتَوْبَتöهö إöلَّا شَرَفًا عöنْدَ اللهö، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لöي: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم؟، قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟، قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمöنö مَثَلُ السُّنْبُلَةö، تَمöيلُ أَحْيَانًا، وَتَسْتَقöيمُ أَحْيَانًا، وَفöي ذَلöكَ تَكْبُرُ، فَإöذَا حَصَدَهَا صَاحöبُهَا حَمöدَ أَمْرَهُ كَمَا حَمöدَ صَاحöبُ السُّنْبُلَةö بöرَّهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إöنَّ الَّذöينَ اتَّقُوا إöذَا مَسَّهُمْ طَائöفñ مöنَ الشَّيْطَانö تَذَكَّرُوا فَإöذَا هُمْ مُبْصöرُونَ﴾ [الأعراف: 201] الْآيَةَ.
لهذا كان المؤمن على توقع البلاء والرضا به دائما، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ليعتبر عدم حصول المرض للعبد علامة على عدم وثوق دينه، فأخرج أحمد بسند ضعيف عَنْ أُبَيّö بْنö كَعْبٍ: أَنَّهُ دَخَلَ رَجُلñ عَلَى النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «مَتَى عَهْدُكَ بöأُمّö مöلْدَمٍ؟» وَهُوَ حَرّñ بَيْنَ الْجöلْدö وَاللَّحْمö، قَالَ: إöنَّ ذَلöكَ لَوَجَعñ مَا أَصَابَنöي قَطُّ! قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمöنö مَثَلُ الْخَامَةö تَحْمَرُّ مَرَّةً، وَتَصْفَرُّ أُخْرَى».رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفöيهö مَنْ لَمْ يُسَمَّ. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 293)
وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند حسن عَنْ أَنَسö بْنö مَالöكٍ رضي الله عنه، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتö النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهö، ابْنَةñ لöي كَذَا وَكَذَا - ذَكَرَتْ مöنْ حُسْنöهَا وَجَمَالöهَا - فَآثَرْتُكَ بöهَا، فَقَالَ: «قَدْ قَبöلْتُهَا». فَلَمْ تَزَلْ تَمْدَحُهَا، حَتَّى ذَكَرَتْ أَنَّهَا لَمْ تَصْدَعْ وَلَمْ تَشْتَكö شَيْئًا قَطُّ، قَالَ: «لَا حَاجَةَ لöي فöي ابْنَتöكö». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى، وَرöجَالُهُ ثöقَاتñ. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 294)
وأخرج أحمد والبخاري في (الأدب المفرد) بسند حسن عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابöيّñ عَلَى رَسُولö اللهö صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: «أَخَذَتْكَ أُمُّ مöلْدَمٍ قَطُّ؟» قَالَ: وَمَا أُمُّ مöلْدَمٍ؟ قَالَ: «حَرّñ يَكُونُ بَيْنَ الْجöلْدö وَاللَّحْمö»، قَالَ: مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ، قَالَ: «فَهَلْ أَخَذَكَ الصُّدَاعُ قَطُّ؟» قَالَ: وَمَا الصُّدَاعُ؟ قَالَ: «عُرُوقñ تَضْرöبُ عَلَى الْإöنْسَانö فöي رَأْسöهö»، قَالَ: مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إöلَى رَجُلٍ مöنْ أَهْلö النَّارö فَلْيَنْظُرْ إöلَى هَذَا».
وفي رواية عند أحمد عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ بöرَسُولö اللهö صلى الله عليه وسلم أَعْرَابöيّñ أَعْجَبَهُ صöحَّتُهُ وَجَلَدُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «مَتَى حَسَسْتَ أُمَّ مöلْدَمٍ؟» قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أُمُّ مöلْدَمٍ؟ قَالَ: «الْحُمَّى»، قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ الْحُمَّى؟ قَالَ: «سَخَنَةñ تَكُونُ بَيْنَ الْجöلْدö وَالْعöظَامö»، قَالَ: مَا بöذَاكَ لöي عَهْدñ، قَالَ: «فَمَتَى حَسَسْتَ بöالصُّدَاعö؟» قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ الصُّدَاعُ؟ قَالَ: «ضَرَبَانñ يَكُونُ فöي الصُّدْغَيْنö، وَالرَّأْسö»، قَالَ: مَا لöي بöذَاكَ عَهْدñ، قَالَ: فَلَمَّا قَفَّى، أَوْ وَلَّى الْأَعْرَابöيُّ، قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إöلَى رَجُلٍ مöنْ أَهْلö النَّارö، فَلْيَنْظُرْ إöلَيْهö». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ، وَإöسْنَادُهُ حَسَنñ. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 294)
2 - حقيقة الابتلاء وسره (الدنيا دار امتحان وابتلاء):
إن الله خلق الإنسان بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة وجعل له تمام التكريم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنöي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö وَرَزَقْنَاهُمْ مöنَ الطَّيّöبَاتö وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثöيرٍ مöمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضöيلًا﴾ [الإسراء: 70]، ولا يعقل بعد كل هذا التكريم أن يسلط الله عليه ما فيه حرج ومشقة وشدة، خصوصا وأن المسلم يعلم يقينا أن الله أرحم بعباده من الأم بولدها، وإنما الابتلاء والشدائد لتمحيص الخلق ولإظهار حقيقة معادن الناس، قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لöيَذَرَ الْمُؤْمöنöينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهö حَتَّى يَمöيزَ الْخَبöيثَ مöنَ الطَّيّöبö وَمَا كَانَ اللَّهُ لöيُطْلöعَكُمْ عَلَى الْغَيْبö وَلَكöنَّ اللَّهَ يَجْتَبöي مöنْ رُسُلöهö مَنْ يَشَاءُ فَآمöنُوا بöاللَّهö وَرُسُلöهö وَإöنْ تُؤْمöنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرñ عَظöيمñ﴾ [آل عمران: 179] وقال سبحانه عن قتال الكفار ومجالدة الظالمين : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مöنْهُمْ وَلَكöنْ لöيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بöبَعْضٍ﴾ [محمد: 4]، بل جعل الله هذا الابتلاء سنة من سننه فقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بöشَيْءٍ مöنَ الْخَوْفö وَالْجُوعö وَنَقْصٍ مöنَ الْأَمْوَالö وَالْأَنْفُسö وَالثَّمَرَاتö وَبَشّöرö الصَّابöرöينَ﴾ [البقرة: 155]، والله يبتلي العباد بعضهم ببعض ﴿وَكَذَلöكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بöبَعْضٍ لöيَقُولُوا أَهَؤُلَاءö مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهöمْ مöنْ بَيْنöنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بöأَعْلَمَ بöالشَّاكöرöينَ﴾ [الأنعام: 53].
وقد جعل الله الابتلاء مقدمة التمكين لأنبيائه وأوليائه، فما من رسول إلا ابتلاه الله تعالى بجماعة من المكذبين الضالين، فحاربوه وصدوا عن دعوته، فصبر وصابر حتى كتب الله له الغلبة عليهم بعد طول مغالبة ﴿وَلَقَدْ كُذّöبَتْ رُسُلñ مöنْ قَبْلöكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذّöبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدّöلَ لöكَلöمَاتö اللَّهö وَلَقَدْ جَاءَكَ مöنْ نَبَإö الْمُرْسَلöينَ﴾ [الأنعام: 34]، وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذöينَ كَفَرُوا لöرُسُلöهöمْ لَنُخْرöجَنَّكُمْ مöنْ أَرْضöنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فöي مöلَّتöنَا فَأَوْحَى إöلَيْهöمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلöكَنَّ الظَّالöمöينَ. وَلَنُسْكöنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مöنْ بَعْدöهöمْ ذَلöكَ لöمَنْ خَافَ مَقَامöي وَخَافَ وَعöيدö﴾ [إبراهيم: 13، 14] وقد فقه الإمام الشافعي هذه الحقيقة، فقد قال ابن القيّم رحمه الله في الفوائد: سأل رجل الشّافعيّ رحمه الله، فقال: يا أبا عبد الله، أيّهما أفضل للرّجل أن يمكّن (فيشكر الله عزّ وجلّ) أو يبتلى (بالشّرّ فيصبر) ؟ فقال الشّافعيّ: لا يمكّن حتّى يبتلى، فإنّ الله ابتلى نوحا وإبراهيم ومحمّدا، صلوات الله عليهم أجمعين، فلمّا صبروا مكّنهم، فلا يظنّ أحد أن يخلص من الألم البتّة.  
3 - المؤمن وموقفه من الابتلاء:
المؤمن يرى أن الدنيا بأسرها دار فتنة وابتلاء، وهو يتقلب فيها ما بين ابتلاء بشيء من الخير أو بشيء من الشر، وهو في كل ذلك صابر على الشر لا ييأس من روح الله، شاكر على الخير لا يصيبه الكبر ولا البطر، ولهذا فهو لا يخلو من أجر في كل الأحوال، أخرج  مسلم عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لöأَمْرö الْمُؤْمöنö، إöنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرñ، وَلَيْسَ ذَاكَ لöأَحَدٍ إöلَّا لöلْمُؤْمöنö، إöنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإöنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»، وأخرج أحمد بسند حسن عن سَعْدö بْنö أَبöي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: «عَجöبْتُ لöلمُؤْمöنö، إöنْ أَصَابَهُ خَيْرñ حَمöدَ اللهَ وَشَكَرَ، وَإöنö أصَابَتْهُ مُصöيبَةñ حَمöدَ اللهَ وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمöنُ يُؤْجَرُ فöي كُلّö أَمْرöهö، حَتَّى يُؤْجَرَ فöي اللُّقْمَةö يَرْفَعُهَا إöلَى فöي امْرَأَتöهö».
فوائد الابتلاء بالنسبة للمؤمن:
1 – الابتلاء قرب من الله تعالى: إذا كان الإنسان يتصور أن إمداد الله إياه بالنعم هو كرامة له، وأن تتابع الشدائد عليه هو إهانة من الله لهº فإن الله تعالى يصحح هذا المفهوم الخاطئ، ويبين أن كل ذلك ابتلاء وتمحيص ﴿فَأَمَّا الْإöنْسَانُ إöذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّöي أَكْرَمَنö. وَأَمَّا إöذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهö رöزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّöي أَهَانَنö. كَلَّا﴾ [الفجر: 15 - 17] بل النظر السليم يعد الابتلاء محبة من الله لعبده وليس بغضاً لهº أخرج الترمذي وابن ماجه بسند صحيح عَنْ سَعْدö بْنö أَبöي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهö أَيُّ النَّاسö أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الْأَنْبöيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبö دöينöهö، فَإöنْ كَانَ دöينُهُ صُلْبًا، اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإöنْ كَانَ فöي دöينöهö رöقَّةñ، ابْتُلöيَ عَلَى حَسَبö دöينöهö، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بöالْعَبْدö، حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشöي عَلَى الْأَرْضö، مَا عَلَيْهö مöنْ خَطöيئَةٍ»، وأخرج  أحمد بسند صحيح عَنْ مَحْمُودö بْنö لَبöيدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزöعَ فَلَهُ الْجَزَعُ»، وأخرج البخاري عن أبي هُرَيْرَةَt قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرöدö اللَّهُ بöهö خَيْرًا يُصöبْ مöنْهُ»، قال البيهقي في شعب الإيمان: وَمَعْنَى الْحَدöيثö: أَنَّ مَنْ أَرَادَ اللهُ بöهö خَيْرًا ابْتَلَاهُ بöالْمَصَائöبö لöيُثöيبَهُ عَلَيْهَا.
2 - الابتلاء فرصة لتكفير الخطايا ومغفرةالذنوب، فقد أخرج البخاري عَنْ عَبْدö اللَّهö رضي الله عنه: أَتَيْتُ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم فöي مَرَضöهö، وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدöيدًا، وَقُلْتُ: إöنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدöيدًا، قُلْتُ: إöنَّ ذَاكَ بöأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنö؟ قَالَ: «أَجَلْ، مَا مöنْ مُسْلöمٍ يُصöيبُهُ أَذًى إöلَّا حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرö». وأخرج أحمد بسند والبخاري في الأدب المفرد وصححه الحاكم عَنْ أَبöي سَعöيدٍ الْخُدْرöيّö رضي الله عنه  قَالَ: وَضَعَ رَجُلñ يَدَهُ عَلَى النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: وَاللهö مَا أُطöيقُ أَنْ أَضَعَ يَدöي عَلَيْكَ مöنْ شöدَّةö حُمَّاكَ. فَقَالَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم: «إöنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبöيَاءö يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ، كَمَا يُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ، إöنْ كَانَ النَّبöيُّ مöنَ الْأَنْبöيَاءö يُبْتَلَى بöالْقُمَّلö حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَإöنْ كَانَ النَّبöيُّ مöنَ الْأَنْبöيَاءö لَيُبْتَلَى بöالْفَقْرö، حَتَّى يَأْخُذَ الْعَبَاءَةَ، فَيَجُونَهَا (أي يقطعها ليلبسها في عنقه)، وَإöنْ كَانُوا لَيَفْرَحُونَ بöالْبَلَاءö، كَمَا تَفْرَحُونَ بöالرَّخَاءö»، وفي بعض رواياته : «وَلَأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحًا بöالْبَلَاءö مöنْ أَحَدöكُمْ بöالْعَطَاءö»، وفي رواية لابن ماجه: «وَإöنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بöالْبَلَاءö، كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بöالرَّخَاءö».
فأي بلاء يصيب المؤمن فهو كفارة لذنوبه،  فقد أخرج البخاري عَنْ أَبöي سَعöيدٍ الخُدْرöيّö، وَعَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ y عَنö النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا يُصöيبُ المُسْلöمَ، مöنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةö يُشَاكُهَا، إöلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بöهَا مöنْ خَطَايَاهُ».
وأخرج البخاري عن عَائöشَةَ رَضöيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجö النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: «مَا مöنْ مُصöيبَةٍ تُصöيبُ المُسْلöمَ إöلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بöهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةö يُشَاكُهَا»، وأخرج مسلم عَنö الْأَسْوَدö، قَالَ: دَخَلَ شَبَابñ مöنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائöشَةَ وَهöيَ بöمöنًى، وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحöكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانñ خَرَّ عَلَى طُنُبö فُسْطَاطٍ، فَكَادَتْ عُنُقُهُ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإöنّöي سَمöعْتُ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَا مöنْ مُسْلöمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً، فَمَا فَوْقَهَا إöلَّا كُتöبَتْ لَهُ بöهَا دَرَجَةñ، وَمُحöيَتْ عَنْهُ بöهَا خَطöيئَةñ».
3 – الابتلاء رفعة للدرجات: فالمؤمن يرضى بما أصابهº لأن في ذلك رفعة لدرجاته، كما أخرج أبو داود عَنْ مُحَمَّدö بْنö خَالöدٍ السَّلَمöيّ عَنْ أَبöيهö، عَنْ جَدّöهö - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةñ مöنْ رَسُولö اللَّهö صلى الله عليه وسلم - قَالَ: سَمöعْتُ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إöنَّ الْعَبْدَ إöذَا سَبَقَتْ لَهُ مöنَ اللَّهö مَنْزöلَةñ، لَمْ يَبْلُغْهَا بöعَمَلöهö ابْتَلَاهُ اللَّهُ فöي جَسَدöهö، أَوْ فöي مَالöهö، أَوْ فöي وَلَدöهö، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلöكَ حَتَّى يُبْلöغَهُ الْمَنْزöلَةَ الَّتöي سَبَقَتْ لَهُ مöنَ اللَّهö تَعَالَى». فتح الباري لابن حجر (10/ 109) : وَرöجَالُهُ ثöقَاتñ إöلَّا أَنَّ خَالöدًا لَمْ يَرْوö عَنْهُ غَيْرُ ابْنöهö مُحَمَّدٍ وَأَبُوهُ اخْتُلöفَ فöي اسْمöهö لَكöنْ إöبْهَامُ الصَّحَابöيّö لَا يَضُرُّ.
أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عَنْ بَكْرö بْنö عَبْدö اللهö، قَالَ: «إöنَّ اللهَ لَيُجَرّöعُ عَبْدَهُ الْمُؤْمöنَ مöنَ الْمَرَارَةö لöمَا يُرöيدُ بöهö مöنْ صَلَاحö عَاقöبَةö أَمْرöهö» قَالَ بَكْرñ: «أَمَا رَأَيْتُمُ الْمَرْأَةَ تُؤْجöرُ وَلَدَهَا الصَّبöرَ(الدواء المر) - أَوْ قَالَ: الْحُضَضَ (نوع من الدواء مر) - تُرöيدُ بöهö عَافöيَتَهُ؟»
والمؤمن كذلك بصبره على البلاء يتبوأ أعلى المقامات قال تعالى: ﴿إöنَّمَا يُوَفَّى الصَّابöرُونَ أَجْرَهُمْ بöغَيْرö حöسَابٍ﴾ [الزمر: 10] وقال ايضا: ﴿وَبَشّöرö الصَّابöرöينَ. الَّذöينَ إöذَا أَصَابَتْهُمْ مُصöيبَةñ قَالُوا إöنَّا لöلَّهö وَإöنَّا إöلَيْهö رَاجöعُونَ. أُولَئöكَ عَلَيْهöمْ صَلَوَاتñ مöنْ رَبّöهöمْ وَرَحْمَةñ وَأُولَئöكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155 - 157]
4 – الابتلاء تطهير للعبد وتقوية لمعاني الإيمان في قلبه: فقد أخرج البزار والبيهقي وصححه الحاكم عن عَبْدö الرَّحْمَنö بْنö أَزْهَرَ رضي الله عنهقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمöنö حöينَ يُصöيبُهُ الْوَعْكُ أَوö الْحُمَّى، مَثَلُ حَدöيدَةٍ تَدْخُلُ النَّارَ فَيَذْهَبُ خَبöيثُهَا وَيَبْقَى طَيّöبُهَا»، وأخرج مسلم عن جَابöرö بْنö عَبْدö اللهö y أَنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أُمّö السَّائöبö أَوْ أُمّö الْمُسَيّöبö فَقَالَ: «مَا لَكö يَا أُمَّ السَّائöبö أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيّöبö تُزَفْزöفöينَ؟» (أي ترتعدين بشدة) قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فöيهَا، فَقَالَ: «لَا تَسُبّöي الْحُمَّى، فَإöنَّهَا تُذْهöبُ خَطَايَا بَنöي آدَمَ، كَمَا يُذْهöبُ الْكöيرُ خَبَثَ الْحَدöيدö»، وصحَّح ابن حبان عَنْ عَائöشَةَ رضي الله عنها عَنö النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöذَا اشْتَكَى الْمُؤْمöنُ أَخْلَصَهُ ذَلöكَ كَمَا يُخْلöصُ الكöيرُ خَبَثَ الحَدöيدö». وقد قيل: البلاء للولاء كاللهب للذهب، أي أن الابتلاء يوجب إقبال العبد على ربه ومولاه ويستلزم دعاءه واستغاثته ربه، كما قال تعالى ﴿وَإöذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَريض﴾ (فصلت: 51(، وربما كان الابتلاء سببا في حماية العبد من الطغيان واتباع الشهوات، كما قال تعالى ﴿وَلَوْ رَحöمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بöهöمْ مöنْ ضُرّ لَلَجُّوا في طُغْيَانöهöمْ يَعْمَهُونَ﴾ (المؤمنون: 75) فأخبر أنّ في ترك الرحمة لهم لطفاً ورحمة.
5 - الصبر على الابتلاء سبب لاستحقاق الجنة: فقد أخرج الشيخان عن عَطَاء بْنö أَبöي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ لöي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرöيكَ امْرَأَةً مöنْ أَهْلö الجَنَّةö؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذöهö المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتö النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إöنّöي أُصْرَعُ، وَإöنّöي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لöي، قَالَ: «إöنْ شöئْتö صَبَرْتö وَلَكö الجَنَّةُ، وَإöنْ شöئْتö دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافöيَكö» فَقَالَتْ: أَصْبöرُ، فَقَالَتْ: إöنّöي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لöي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. زاد البخاري عن عَطَاء: «أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ تöلْكَ امْرَأَةً طَوöيلَةً سَوْدَاءَ، عَلَى سöتْرö الكَعْبَةö»، وأخرج البخاري عَنْ أَنَسö بْنö مَالöكٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمöعْتُ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إöنَّ اللَّهَ قَالَ: إöذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدöي بöحَبöيبَتَيْهö فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مöنْهُمَا الجَنَّةَ» يُرöيدُ: عَيْنَيْهö.
6 – يجري على المبتلى أجر عمله الصالح قبل الابتلاء: فقد أخرج أبو داود بسند حسن وصححه ابن حبان والحاكم عَنْ أَبöي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه قَالَ: سَمöعْتُ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنö يَقُولُ: «إöذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالöحًا، فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضñ، أَوْ سَفَرñ، كُتöبَ لَهُ كَصَالöحö مَا كَانَ يَعْمَلُ، وَهُوَ صَحöيحñ مُقöيمñ».
4 - نماذج متنوعة من البلاء وتعامل المؤمنين معه:
من الأنبياء: أيوب عليه السلام: وهو الذي يضرب به المثل في الصبر، وقد حكى النبي صلى الله عليه وسلم جانبا من ابتلاء أيوب عليه السلام، فيما أخرجه أبو يعلى وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي عَنْ أَنَسö بْنö مَالöكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöنَّ أَيُّوبَ نَبöيَّ اللَّهö كَانَ فöي بَلَائöهö ثَمَانöيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرöيبُ وَالْبَعöيدُ، إöلَّا رَجُلَانö مöنْ إöخْوَانöهö كَانَا مöنْ أَخَصَّ إöخْوَانöهö كَانَا يَغْدُوَانö إöلَيْهö وَيَرُوحَانö إöلَيْهö، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لöصَاحöبöهö: أَتَعْلَمُ، وَاللَّهö لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدñ، قَالَ صَاحöبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانöيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشöفُ عَنْهُ، فَلَمَّا رَاحًا إöلَيْهö لَمْ يَصْبöرö الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلöكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرöي مَا يَقُولُ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنّöي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرّöجْلَيْنö يَتَنَازَعَانö فَيَذْكُرَانö اللَّهَ فَأَرْجöعُ إöلَى بَيْتöي فَأُكَفّöرُ عَنْهُمَا كَرَاهöيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إöلَّا فöي حَقٍّ.
قَالَ: وَكَانَ يَخْرُجُ إöلَى حَاجَتöهö فَإöذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَمْسَكَتö امْرَأَتُهُ بöيَدöهö حَتَّى يَبْلُغَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأُوحöيَ إöلَى أَيُّوبَ فöي مَكَانöهö أَنö ﴿ارْكُضْ بöرöجْلöكَ، هَذَا مُغْتَسَلñ بَارöدñ وَشَرَابñ﴾ [ص: 42] فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَلَقöيَتْهُ يَنْتَظöرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بöهö مöنَ الْبَلَاءö، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنö مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فöيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبöيَّ اللَّهö هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَوَاللَّهö عَلَى ذَلöكَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بöهö مöنْكَ إöذْ كَانَ صَحöيحًا، قَالَ: فَإöنّöي أَنَا هُوَ، وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانö، أَنْدَرñ لöلْقَمْحَ وَأَنْدَرñ لöلشَّعöيرö، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنö، فَلَمَّا كَانَتْ إöحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرö الْقَمْحö أَفْرَغَتْ فöيهö الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتö الْأُخْرَى عَلَى أَنْدَرö الشَّعöيرö الْوَرöقَ حَتَّى فَاضَ».
من الصحابة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ضرب فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثلا مختلفا في الصبر على الابتلاء، حين ابتلي بمن أساء إليه في مجلس الحكم، وكاد يقع في الاستفزاز لولا أن ذكره أحد جلسائه بالتوجيه الشرعي في كظم الغيظ، فبادر إلى كظم غيظه، فقد روى البخاري عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضöيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «قَدöمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حöصْنö بْنö حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنö أَخöيهö الحُرّö بْنö قَيْسٍ، وَكَانَ مöنَ النَّفَرö الَّذöينَ يُدْنöيهöمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالöسö عُمَرَ وَمُشَاوَرَتöهö، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا» ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لöابْنö أَخöيهö: يَا ابْنَ أَخöي، هَلْ لَكَ وَجْهñ عöنْدَ هَذَا الأَمöيرö، فَاسْتَأْذöنْ لöي عَلَيْهö، قَالَ: سَأَسْتَأْذöنُ لَكَ عَلَيْهö، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لöعُيَيْنَةَ فَأَذöنَ لَهُ عُمَرُ» ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهö قَالَ: هöيْ يَا ابْنَ الخَطَّابö، فَوَاللَّهö مَا تُعْطöينَا الجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بöالعَدْلö، فَغَضöبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقöعَ بöهö، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمöيرَ المُؤْمöنöينَ، إöنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لöنَبöيّöهö صلى الله عليه وسلم ﴿خُذö العَفْوَ وَأْمُرْ بöالعُرْفö وَأَعْرöضْ عَنö الجَاهöلöينَ﴾ [الأعراف: 199] ، وَإöنَّ هَذَا مöنَ الجَاهöلöينَ، «وَاللَّهö مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حöينَ تَلاَهَا عَلَيْهö، وَكَانَ وَقَّافًا عöنْدَ كöتَابö اللَّهö».
فهو قد تأثر بالبلاء في أول الأمر وانفعل به كبشر، ولكن سرعان مارجع إلى سابق حالته عندما ذكر بالقرآن وكان وقافا عند كتاب الله.
وهكذا كان موقفه يوم البلاء العظيم يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن أَبي سَلَمَةَ أَنَّ عَائöشَةَ رَضöيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه عَلَى فَرَسöهö مöنْ مَسْكَنöهö بöالسُّنْحö حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجöدَ، فَلَمْ يُكَلّöمö النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائöشَةَ رَضöيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَيَمَّمَ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُسَجًّى بöبُرْدö حöبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهöهö، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهö، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: «بöأَبöي أَنْتَ يَا نَبöيَّ اللَّهö، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنö، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتöي كُتöبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا». قال أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنöي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضöيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنهخَرَجَ، وَعُمَرُ رضي الله عنه يُكَلّöمُ النَّاسَ، فَقَالَ: «اجْلöسْ» ، فَأَبَى، فَقَالَ: «اجْلöسْ» ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَمَالَ إöلَيْهö النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مöنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فَإöنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإöنَّ اللَّهَ حَيّñ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدñ إöلَّا رَسُولñ قَدْ خَلَتْ مöنْ قَبْلöهö الرُّسُلُ﴾ إöلَى ﴿الشَّاكöرöينَ﴾ [آل عمران: 144]، وَاللَّهö لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَتَلَقَّاهَا مöنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرñ إöلَّا يَتْلُوهَا.
 كعب بن مالك نموذج متميز: ربما وقع البلاء من الأعداء في محاولة خبيثة لتفريق كلمة الأمة والنيل من وحدتها والعمل على عدم استقرارها، فلا يلتفت المسلم الصادق إلى تلك الدعوات، ولا يستجيب إلى تلك النعرات، كما فعل سيدنا كعب بن مالك عندما أرسل إليه ملك غسان إبان مقاطعة المسلمين له خمسين يوما بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سيدنا كعب عن نفسه في قصة توبته في صحيح البخاري: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشöي بöسُوقö المَدöينَةö، إöذَا نَبَطöيّñ مöنْ أَنْبَاطö أَهْلö الشَّأْمö، مöمَّنْ قَدöمَ بöالطَّعَامö يَبöيعُهُ بöالْمَدöينَةö، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبö بْنö مَالöكٍ، فَطَفöقَ النَّاسُ يُشöيرُونَ لَهُ، حَتَّى إöذَا جَاءَنöي دَفَعَ إöلَيَّ كöتَابًا مöنْ مَلöكö غَسَّانَ، فَإöذَا فöيهö: أَمَّا بَعْدُ، فَإöنَّهُ قَدْ بَلَغَنöي أَنَّ صَاحöبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بöدَارö هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بöنَا نُوَاسöكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مöنَ البَلاَءö، فَتَيَمَّمْتُ بöهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بöهَا.
وهي قصة نهديها إلى كثير من أبناء أمتنا ممن يقفون على أبواب السفارات الأجنبية طالبين الدعم المادي فيما يسمونه تدعيم الديمقراطية في مصر، ويسوء الغيورين على هذا الوطن ما تردده السفيرة الأمريكية وممثلو الاتحاد الأوربي من إنفاق عشرات الملايين من الدولارات واليوروهات على ما أسمته منظمات المجتمع المدني لدعم الديمقراطية في مصر، ورصدها لمئات الملايين لهذا الغرض، وما ألمحت إليه من أن مئات المنظمات قد تقدمت بطلبات لتلقي هذا الدعم المشبوه، الذي لا يمكن إلا أن يكون على حساب استقلال القرار الوطني. وكذلك نهدي قصة كعب بن مالك إلى كثيرين من أبناء أمتنا الذين قد يتعرضون لبعض التضييق في بلادهم، فيمدون أيديهم إلى عدوهم، ولا يتحرجون في الاستعانة بهذا العدو والارتهان لقراره وإرادته.  
إن هذا لا يعني إغلاق الباب أمام التعاون مع كل الأحرار من الأفراد والهيئات والدول في العالم لنصرة القيم الإنسانية والمبادئ السامية، لكننا نلفت النظر إلى وجوب الحذر والوعي، وإقامة هذه العلاقات على أساس من الندية والتكافؤ والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الأمة، والرفض التام لأي مساس باستقلال القرار الوطني، وعدم القبول بدخول أية أموال أجنبية لأفراد أوهيئات بغير علم الدولة أو خارج نظامها المالي.
5 - حال المنافق مع نزول البلاء:
المنافق رجل قلبه معلق بالدنيا وزينتها، فما أن يصاب في بدنه أوماله أو ولده إلا ويجزع ويتسخط على قدر الله، فهو لا يطمئن إلى أجر عند الله بصبره على بلائه، ولا ينسى البلاء اليسير بجوارنعم الله الغزيرة عليه، ولا يفكر في أن يصبر لينال أجر الصابرين، بل يسقط من أول الأمر، وربما نطق بكلام ينم عن خبث الطوية وفساد السريرة، قال تعالى: ﴿وَمöنَ النَّاسö مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإöنْ أَصَابَهُ خَيْرñ اطْمَأَنَّ بöهö وَإöنْ أَصَابَتْهُ فöتْنَةñ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهöهö خَسöرَ الدُّنْيَا وَالْآخöرَةَ ذَلöكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبöينُ. يَدْعُو مöنْ دُونö اللَّهö مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلöكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعöيدُ. يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مöنْ نَفْعöهö لَبöئْسَ الْمَوْلَى وَلَبöئْسَ الْعَشöيرُ﴾ [الحج: 11 - 13]
قال القرطبي: وَقَالَ الْمُفَسّöرُونَ: نَزَلَتْ فöي أَعْرَابٍ كَانُوا يَقْدَمُونَ عَلَى النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم فَيُسْلöمُونَ، فَإöنْ نَالُوا رَخَاءً أَقَامُوا، وَإöنْ نَالَتْهُمْ شöدَّةñ ارْتَدُّوا.
وأخرج البخاري عَنö ابْنö عَبَّاسٍ y، قَالَ: ﴿وَمöنَ النَّاسö مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدöينَةَ، فَإöنْ وَلَدَتö امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنُتöجَتْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دöينñ صَالöحñ، وَإöنْ لَمْ تَلöدö امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دöينُ سُوءٍ».
وأخرج الشيخان عَنْ جَابöرö بْنö عَبْدö اللَّهö y: أَنَّ أَعْرَابöيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلم عَلَى الإöسْلاَمö، فَأَصَابَ الأَعْرَابöيَّ وَعْكñ بöالْمَدöينَةö، فَأَتَى الأَعْرَابöيُّ إöلَى رَسُولö اللَّهö صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهö، أَقöلْنöي بَيْعَتöي، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقöلْنöي بَيْعَتöي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقöلْنöي بَيْعَتöي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعْرَابöيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: «إöنَّمَا المَدöينَةُ كَالكöيرö، تَنْفöي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ (أي يصفو ويخلص) طöيبُهَا».
وفي لفظ أبي يعلى الموصلي عَنْ جَابöرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدöمَ رَجُلñ الْمَدöينَةَ مُهَاجöرًا، قَالَ: فَحُمَّ حُمَّى شَدöيدَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهö أَقöلْنöي الْهöجْرَةَ. فَقَالَ: «لَا وَاللَّهö لَا أُقöيلُكَ، إöنَّ الْإöسْلَامَ لَا يُقَالُ» وَذَكَرَ أَنَّهُ غَيرُ مَرَّةٍ، كُلُّ ذَلöكَ يَأْبَى عَلَيْهö. فَخَرَجَ بöغَيْرö إöذْنöهö، فَأُخْبöرَ بöهö النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إöنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفöي خَبَثَ الرّöجَالö كَمَا يَنْفöي الْكöيرُ خَبَثَ الْحَدöيدö».
قال ابن بطال:  «فإن قيل: فإن المنافقين قد سكنوا المدينة وماتُوا فيها ولم تنفهم؟ قيل: إن المنافقين كانت دارهم ولم يسكنوها اغتباطًا بالإسلام ولا حبًا له، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يُرد عليه السلام بضرب المثل إلا من عقد الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه، ولم يصح عندك أن أحدًا ممن لم تكن له المدينة دارًا فارتد عن الإسلام ثم اختار السكنى فيها، بل كلهم فَرَّ إلى الكفر راجعًا، فبمثل أولئك ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل. وقال المهلب: كان المنافقون الساكنون بالمدينة قد ميزهم الله كأنهم بارزون عنهاº لما وسمهم به من قوله تعالى: ﴿الَّذöينَ يَلْمöزُونَ الْمُطَّوّöعöينَ مöنَ الْمُؤْمöنöينَ فöى الصَّدَقَاتö﴾ [التوبة: 79] ، و﴿الَّذöينَ يُؤْذُونَ النَّبöىَّ وَيöقُولُونَ هُوَ أُذُنñ﴾ [التوبة: 61] وبقوله: ﴿وَلَتَعْرöفَنَّهُمْ فöى لَحْنö الْقَوْلö﴾ [محمد: 30] فكانوا معروفين معينين، وأبقاهم صلى الله عليه وسلم لئلا يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه أو ينفيهم، والنفى كالقتل. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فöى الْمُنَافöقöينَ فöئَتَيْنö﴾ [النساء: 88] فَبَيَّنَ منكرًا عليهم اختلافَهم فى قتلهم، فعرفهم الله أنه أركسهم بنفاقهم، فلا يكون لهم صنع ولا جمع، ولا يسمع لهم قول، مع أنه قد ختم الله أنهم لا يجاورونه فيها إلا قليلا، فنفتهم المدينة بعده عليه السلام لخوفهم القتل، قال الله تعالى: ﴿مَلْعُونöينَ أَيْنَمَا ثُقöفُوا أُخöذُوا وَقُتّöلُوا تَقْتöيلاً﴾ [الأحزاب: 61] فلم يأمنوا فخرجوا، فصح إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم إنها تنفى خبثها، لكن ليس ذلك ضربة واحدة، لكن الشىء بعد الشىء حتى يخلص أهلها الطيبين الناصعين وقت الحاجة إليهم فى العلمº لأنهم فى حياته عليه السلام مستغنى عنهم، فلما احتيج إليهم بعده فى العلم حفظتهم بركة المدينة فنفت خبثها».
وربما نزل البلاء بالمنافق فاستعجل الموت وأيس من رحمة الله، كالرجل الذي ذكر سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعöدöيُّ رضي الله عنه قصته في الصحيحين: أَنَّ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلم، التَقَى هُوَ وَالمُشْرöكُونَ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم إöلَى عَسْكَرöهö، وَمَالَ الآخَرُونَ إöلَى عَسْكَرöهöمْ، وَفöي أَصْحَابö رَسُولö اللَّهö صلى الله عليه وسلم رَجُلñ، لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً إöلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرöبُهَا بöسَيْفöهö، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مöنَّا اليَوْمَ أَحَدñ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنñ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: «أَمَا إöنَّهُ مöنْ أَهْلö النَّارö» ، فَقَالَ رَجُلñ مöنَ القَوْمö: أَنَا صَاحöبُهُ، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإöذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرöحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدöيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفöهö بöالأَرْضö، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهö، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفöهö، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إöلَى رَسُولö اللَّهö صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهö، قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَ: الرَّجُلُ الَّذöي ذَكَرْتَ آنöفًا أَنَّهُ مöنْ أَهْلö النَّارö، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلöكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بöهö، فَخَرَجْتُ فöي طَلَبöهö، ثُمَّ جُرöحَ جُرْحًا شَدöيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفöهö فöي الأَرْضö وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهö ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهö فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم عöنْدَ ذَلöكَ: «إöنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلö الجَنَّةö، فöيمَا يَبْدُو لöلنَّاسö، وَهُوَ مöنْ أَهْلö النَّارö، وَإöنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلö النَّارö، فöيمَا يَبْدُو لöلنَّاسö، وَهُوَ مöنْ أَهْلö الجَنَّةö».
ومن صور عدم التماسك أمام عاصفة البلاء والتشاؤم عند شدة الأمر مانراه حاليا من بعض الناس الذين لا يعرفون سنن التغيير والتمكين فيستبطئون رخاء الحياة وبسطة العيش لدرجة أن يقول بعضهم: إن الأمور من قبل الثورة في مصر كانت أفضل ولعل أيام النظام البائد كانت أحسن.
6 – مسارعة المؤمن إلى التوبة:
ما أحوجنا أن نرجع إلى الله، وأن نتوب إليه، وأن نلقي بهمومنا بين يديه، فلا والله ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بقربه، على ألا تكون توبة بالألسنة فحسب، وإنما توبة نصوح، على ما ذكر الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا تُوبُوا إöلَى اللَّهö تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّöرَ عَنكُمْ سَيّöئَاتöكُمْوَيُدْخöلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرöي مöن تَحْتöهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزöي اللَّهُ النَّبöيَّوَالَّذöينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدöيهöمْوَبöأَيْمَانöهöمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمöمْ لَنَا نُورَنَاوَاغْفöرْ لَنَا إöنَّكَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ ﴾ (التحريم: 8)
إن طبيعة الإنسان الوقوع في الخطأ، فقد أخرج مسلم عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذöي نَفْسöي بöيَدöهö لَوْ لَمْ تُذْنöبُوا لَذَهَبَ اللهُ بöكُمْ، وَلَجَاءَ بöقَوْمٍ يُذْنöبُونَ، فَيَسْتَغْفöرُونَ اللهَ فَيَغْفöرُ لَهُمْ»، ، لكن المؤمن لا يكاد يخطئ حتى يفيق ويستبصر ويراجع نفسه ويقبل على ربه ﴿وَالَّذöينَ إöذَا فَعَلُوا فَاحöشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لöذُنُوبöهöمْوَمَن يَغْفöرُ الذُّنُوبَ إöلاَّ اللَّهُوَلَمْ يُصöرُّوا عَلَى مَا فَعَلُواوَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران/135]، وقد أخرج الترمذي وابن ماجه بسند عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ ابْنö آدَمَ خَطَّاءñ، وَخَيْرُ الخَطَّائöينَ التَّوَّابُونَ».
وحين يقبل العبد على ربه تائبا يتلقاه ربه تبارك وتعالى بغاية الفرح به والإقبال عليه، ويصور النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما أخرجه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: سَمöعْتُ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بöتَوْبَةö عَبْدöهö الْمُؤْمöنö، مöنْ رَجُلٍ فöي أَرْضٍ دَوّöيَّةٍ (أي أرض مقفرة) مَهْلöكَةٍ، مَعَهُ رَاحöلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجöعُ إöلَى مَكَانöيَ الَّذöي كُنْتُ فöيهö، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعöدöهö لöيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعöنْدَهُ رَاحöلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بöتَوْبَةö الْعَبْدö الْمُؤْمöنö مöنْ هَذَا بöرَاحöلَتöهö وَزَادöهö».
وهكذا يبقى المؤمن في حال تذكر دائم ورجوع دائم إلى الله، لا ييأس من رحمته، أخرج البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمöعْتُ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا - وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا - فَقَالَ: رَبّö أَذْنَبْتُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ - فَاغْفöرْ لöي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلöمَ عَبْدöي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفöرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بöهöº غَفَرْتُ لöعَبْدöي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبّö أَذْنَبْتُ - أَوْ أَصَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفöرْهُº فَقَالَ: أَعَلöمَ عَبْدöي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفöرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بöهö؟ غَفَرْتُ لöعَبْدöي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: قَالَ: رَبّö أَصَبْتُ - أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفöرْهُ لöي، فَقَالَ: أَعَلöمَ عَبْدöي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفöرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بöهö؟ غَفَرْتُ لöعَبْدöي ثَلاَثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ».
وقد ضمن الله تعالى قبول توبة المؤمن الذي يرجع من قريب، ويندم على ما وقع فيه من الذنوب، فقال سبحانه ﴿إöنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهö لöلَّذöينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بöجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مöن قَرöيبٍ فَأُوْلَئöكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهöمْوَكَانَ اللَّهُ عَلöيماً حَكöيماً﴾ (النساء: 17)
وبداية التوبة انكسار بين يدي العزيز الجبار، ناشئ بإحساس العبد بالذنب وثقله، وخوفه من ربه، فيندم على ما بدر منه، ويسرع إلى الإقلاع عنه، واستبدال الحسنات بالسيئات، ثم النشاط في الخير والطاعات ﴿وَأَقöمö الصَّلَاةَ طَرَفَيö النَّهَارö وَزُلَفًا مöنَ اللَّيْلö إöنَّ الْحَسَنَاتö يُذْهöبْنَ السَّيّöئَاتö ذَلöكَ ذöكْرَى لöلذَّاكöرöينَ﴾ [هود: 114].
أما المنافق أو الفاجر فإنه لا يزال سادرا في غيه، لا يفيق من غفلته، حتى يأتيه أمر الله فيحاول التوبة بعد أن يفوت ميعادها، كما حصل مع فرعون الذي أعلن إيمانه وهو يصارع الغرق، فلم يقبل منه ﴿وَجَاوَزْنَا بöبَنöي إöسْرَائöيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فöرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إöذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إöلَهَ إöلَّا الَّذöي آمَنَتْ بöهö بَنُو إöسْرَائöيلَ وَأَنَا مöنَ الْمُسْلöمöينَ. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مöنَ الْمُفْسöدöينَ. فَالْيَوْمَ نُنَجّöيكَ بöبَدَنöكَ لöتَكُونَ لöمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإöنَّ كَثöيرًا مöنَ النَّاسö عَنْ آيَاتöنَا لَغَافöلُونَ﴾ [يونس: 90 - 92].
وقد أكد الله تبارك وتعالى أن توبة أولئك  السادرين في غيهم حتى يأتيهم الموت ﴿وَلَيْسَتö التَّوْبَةُ لöلَّذöينَ يَعْمَلُونَ السَّيّöئَاتö حَتَّى إöذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إöنّöي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذöينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارñ أُولَئöكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلöيمًا﴾ [النساء: 18].     
ودعونا نختم هذا الحديث بهذه القصة التي تبين عاقبة الصدق في التوبة إلى الله، والتي رواها ابو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء عن التابعي الجليل بَكْرö بْنö عَبْدö اللهö الْمُزَنöيّö قال: «إöنَّ قَصَّابًا (أي جزارا) أُولöعَ بöجَارöيَةٍ لöبَعْضö جöيرَانöهö، فَأَرْسَلَهَا مَوْلَاهَا إöلَى حَاجَةٍ لَهُمْ فöي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَتَبöعَهَا فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسöهَا، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ، لَأَنَا أَشَدُّ حُبًّا لَكَ مöنْكَ، وَلَكöنّöي أَخَافُ اللهَ، قَالَ: فَأَنْتö تَخَافöينَهُ وَأَنَا لَا أَخَافُهُ! فَرَجَعَ تَائöبًا، فَأَصَابَهُ الْعَطَشُ حَتَّى كَادَ يَنْقَطöعُ عُنُقُهُ، فَإöذَا هُوَ بöرَسُولٍ لöبَعْضö أَنْبöيَاءö بَنöي إöسْرَائöيلَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: الْعَطَشُ. قَالَ: تَعَالَ حَتَّى نَدْعُوَ حَتَّى تُظöلَّنَا سَحَابَةñ حَتَّى نَدْخُلَ الْقَرْيَةَ، قَالَ: مَا لöيَ مöنْ عَمöلٍ فَأَدْعُوَ. قَالَ: فَأَنَا أَدْعُو، وَأَمّöنْ أَنْتَ. قَالَ: فَدَعَا الرَّسُولُ وَأَمَّنَ هُوَ، فَأَظَلَّتْهُمَا سَحَابَةñ حَتَّى انْتَهَيْنَا إöلَى الْقَرْيَةö، فَأَخَذَ الْقَصَّابُ إöلَى مَكَانöهö، وَمَالَتö السَّحَابَةُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: زَعَمْتَ أَنْ لَيْسَ لَكَ عَمَلñ، وَأَنَا الَّذöي دَعَوْتُ وَأَنْتَ الَّذöي أَمَّنْتَ، فَأَظَلَّتْنَا سَحَابَةñ ثُمَّ تَبöعَتْكَ، لَتُخْبöرَنّöي بöأَمْرöكَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: إöنَّ التَّائöبَ مöنَ اللهö بöمَكَانٍ لَيْسَ أَحَدñ مöنَ النَّاسö بöمَكَانöهö».


المقالات الخاصة بنفس الكاتب



 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca