تدهور العلاقات السورية - الاميركية
رغم التعاون الذي أبدته سوريا في الحرب العالمية على الإرهاب التي أعلنتها الولايات المتحدة الاميركية عقب أحداث الحادي عشر من أيلول إلا أن العلاقات السورية – الاميركية اتجهت نحو السوء لا سيما بعد الحرب على العراق التي خاضتها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وطرح مشروع تغيير خارطة الشرق الاوسط،التي اظهرت الكثير من نقاط الخلاف الحادة بين البلدين، وهكذا ظهرت قائمة مطالب أميركية مطلوب من سوريا تنفيذها دون أدنى اعتبار لمواقف النظام السوري ومصالحه الحيوية.
إستغل الكيان الصيوني الفرصة وطار شارون إلى الولايات المتحدة عارضا على حليفه بوش أن "يلزّمه" ملف معاقبة سوريا وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي وفق الرؤية الصهيونية القاضية بضرب سوريا عسكريا والقضاء على المقاومة اللبنانية وإنهاء الإنتفاضة وترحيل آلاف الفلسطينيين إلى وطن بديل، لكن خوف الإدارة الاميركية من توسع الصراع في المنطقة مع عدم ضمان النتائج جعلت هذا الطرح غير مقبول، لكن الإدارة الاميركية سمحت لرئيس حكومة العدو الصهيوني بالقيام بكل ما هو ضروري " لحماية الامن والدفاع عن النفس" ولو أدى ذلك إلى الإغارة على مواقع داخل سوريا او لبنان.
فهم أرييل شارون أن لا مانع لدى الإدارة الاميركية من التصعيد وشن غارات على سوريا ولبنان في كل مرة تحدث فيها عملية لحماس او الجهاد الإسلامي طالما ان سوريا ولبنان تدعم هاتين المنظمتين من خلال السماح لهما بتواجد إعلامي، ولا شيء يمنع ان يتطور الامر الى ضربات أكبر إذا ما قررت سوريا استخدام جبهة الجنوب او أية جبهة أخرى في الرد، وبالفعل فقد وفر هذا الامر الغطاء اللازم لشارون لمهاجمة مواقع داخل سوريا لأول مرة منذ عشرين عاما .
قانون المحاسبة وإحكام الطوق
ما ترمي إليه الولايات المتحدة الاميركية في تصعيدها الاخير ضد سوريا هو تنفيذ قائمة مطالب متعلقة بالملف العراقي واللبناني والفلسطيني، وقد أبلغت هذه الإدارة سوريا - وفق ما كشفت عنه صحيفة الوطن السعودية الاسبوع الماضي- رسالة واضحة تحمل ثلاثة مطالب رئيسة: طرد قادة «حماس» من دمشق وليس الاكتفاء باقفال مكاتبهم على لن لا يكون الطرد إلى بيروت - نزع سلاح «حزب الله» وإنهاء وجوده العسكري على الحدود - تقديم كل التسهيلات للاميركيين في شأن الحدود السورية – العراقية، وكشفت الصحيفة عن مصادر في البيت الابيض إلى أن وسائل الضغط الاميركية قد تأخذ منحى تصاعديا اذا لم تستجب دمشق لتلك المطالب، فبالاضافة الى قانون محاسبة سورية، فان الولايات المتحدة قد تلجأ الى امرين: العمل من اجل صدور قرار عن مجلس الامن يطالب سورية بالانسحاب من لبنان(رغم التفاهم السابق على ذلك بين سوريا والولايات المتحدة منذ حرب تحرير الكويت)- الضغط في اتجاه وقف وصول النفط العراقي الى سورية مستقبلا، كاجراء اقتصادي موازٍ للضغوط السياسية، إضافة إلى تحريك المعارضة الخارجية باتجاه الضغط على سوريا بشأن وجودها ودعمها للمقاومة في لبنان.
روية النظام السوري
حتى الآن يتعامل النظام السوري بتروٍ مع التصعيد الاميركي – الإسرائيلي على أمل التوصل لتفاهم ما يجنب سورية الخيارات الصعبة وهو أمر وارد الحدوث - وفق الرؤية السورية- إنطلاقا من الملف العراقي قبل غيره، على اعتبار أن الولايات المتحدة الاميركية ترغب في إيجاد سبل للتخفيف من عبء احتلالها العراق ، أما قانون المحاسبة فلا يعيره السوريون أهمية كبيرة إلا من جهة كونه يمثل ضغطا سياسيا ومعنويا عليهم، أما تاثيره الاقتصادي فمحدود، ويدرك السوريون أيضا أن الإدارة الاميركية غير راغبة حاليا بانزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية بعد ورطة العراق، وأن التصعيد العسكري إن حصل سيكون محدودا، وفي ما خص التأثيرات المحتملة لقانون محاسبة سوريا على لبنان وإمكانية ان يفرض انسحابا لقواتها منه- كما يفترض العماد ميشال عون- يجزم المقربون من دمشق ان هذا الامر لن يحدث وأن دعم عون للقانون جعله وتياره في خانة إسرائيل، وقضى على آخر احتمال لعودته إلى لبنان، واعطى دمشق بعدا جديدا للورقة اللبنانية يبرر إمساكها بها حماية للبنان ولإيجاد نوع من التوازن في اللعبة.
في المقابل ثمة من يتخوف من استغلال شارون فرصة انشغال البيت الابيض بالإنتخابات الرئاسية للقيام بخطوات استراتيجية تعيد خلط الاوراق في المنطقة، لا سيما مع وجود تيار في الإدارة الاميركية يدعم هذا التوجه ويعتبره في مصلحة أميركا وسياستها الجديدة .
الايام القليلة القادمة قد تحمل مؤشرات توضح الاتجاه الذي ستسلكه المواجهة الاميركية – السورية المتصاعدة في الحدة منذ الحرب الاخيرة على العراق.