من نافل القول إن مرحلة ما بعد معركة نهر البارد ليست كمرحلة ما قبلها. الجيش اللبناني في المواجهة البطولية التي خاضها، ثبّت بدماء ضباطه وجنوده جملة من الخطوط الحمر، سيتذكرها كل من يوسوس له شيطانه الاعتداء على الجيش أو القيام بما يهدد الأمن والسلم في لبنان متخذاً من المخيمات ملاذاً آمناً له. وإذا كان من غير المطروح حالياً نزع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، -خلافاً للسلاح المسمى فلسطينياً خارجها- فإن المطروح بالمقابل أن لا يتحوّل هذا السلاح إلى عامل يهدد الاستقرار في لبنان، استناداً إلى ما أجمعت عليها طاولة الحوار اللبناني في العام 2006، فيما جرت صياغته تحت عنوان "تنظيم السلاح الفلسطيني داخل المخيمات".
اللواء الفلسطيني داخل المخيمات: الفكرة والمواقف منها
بعد طرح مسألة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات على طاولة الحوار اللبناني في العام الماضي، أعيد طرح فكرة تأسيس لواء عسكري فلسطيني، "ينظّم" السلاح، ويضبط أمن المخيمات، ويتعاون مع القوى الأمنية اللبنانية لمنع تحوّل المخيمات إلى ملاذ آمن لكل هارب من وجه العدالة، فضلاً عن التعاون في القضايا الجنائية، على قاعدة سيادة القانون اللبناني فوق الأراضي اللبنانية كافة.
ومن المفيد التنويه هنا إلى أن فكرة إنشاء لواء فلسطيني داخل المخيمات ليست بجديدة، فقد طُرحت في العام 1969 بعد تصاعد الأزمة بين اليمين واليسار في لبنان آنذاك، وأعيد طرحها بعيد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وهي الآن قيد النقاش في أطر ضيقة على خلفية ما جرى في نهر البارد بعدما تحوّل المخيم، رغماً عن قاطنيه، إلى قاعدة إرهابية تهدد "وجود" الكيان اللبناني، وفق ما كشفت عنه التحقيقات مع موقوفي "فتح-الإسلام"، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفكرة نُفذت عملياً، ومنذ زمن طويل، في كل من سوريا ومصر والأردن، حيث تتبع ألوية "جيش التحرير الفلسطيني"، قيادة الجيش في كل من هذه الدول.
لقد كان من الطبيعي، في السابق، أن تتعامل الدولة اللبنانية مع "منظمة التحرير الفلسطينية" في هذا المشروع، باعتبارها "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، أقله حتى قيام "دولة فلسطينية"، لكن بروز فصائل فلسطينية ذات ثقل نوعي كِ "حماس" - التي لا تعترف "بحصرية تمثيل منظمة التحرير ما لم يجر إصلاح وضعها على قاعدة تمثيلها الواقع الفلسطيني بشكل صحيح"-، جعل لِ"منظمة التحرير" و"حركة فتح" "أنداداً" لا يقبلون بأن يجري ربط اللواء المزمع تشكيله بمنظمة لا تعبر عن حقيقة حجمهم.
استناداً إلى ذلك ترفض حركة "حماس" المشروع في الشكل، وتورد جملة ملاحظات عليه في المضمون، ففي الشكل لا تعتبر "حماس" ممثل "منظمة التحرير" في لبنان عباس زكي مخولاً الكلام عن هذا الموضوع باسم كل الفلسطينيين، لأن "المنظمة" ليست "ممثلاً شرعياً وحيداً باسم الشعب الفلسطيني" كما يحلو لِ "فتح" أن تردد. أما في المضمون فإن مصادر "حماس" تعتبر أن "استلهام تجربة سوريا ومصر والأردن في هذا المجال في غير محلها، لأن الألوية العسكرية في هذه المخيمات لم تنشأ بهدف حفظ أمن المخيمات الفلسطينية، باعتبار أنه لا وجود لمشاكل أمنية فلسطينية مع السلطات الرسمية في هذه الدول، ولا وجود لسلاح في المخيمات الفلسطينية في هذه الدول الثلاث، ما يعني أن إنشاء هذه الألوية إنما بني على خلفية مختلفة". وتوضح مصادر "حماس" – التي تؤكد بالمناسبة أنها ليست فصيلاً مسلحاً- بأنها ليست ضد الفكرة بالمطلق ولكن "تشكيل هذا اللواء لا يكون إلا نتيجة لاتفاق فلسطيني يشمل كل القضايا، يبدأ بالمرجعية الواحدة وبالموقف السياسي المشترك، ويمر بالتفاهم على اللجان الشعبية والأمنية والتمثيل في النقابات، وبعد الاتفاق على كيفية وآلية الإشراف على الممتلكات والمؤسسات الفلسطينية في لبنان، التي هي بالأساس ممتلكات الشعب الفلسطيني".
بالمقابل فإن موقف حركة "فتح" يقوم على أساس أن "منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" وهي- أي المنظمة- وإن كانت "تحتاج إلى إصلاح وتطوير فإنها لم تفقد شرعيتها وصفتها التمثيلية"، وتضيف مصادر "فتح" بأن "المنظمة لا تعني فتح فقط وإنما تعني عدداً كبيراً من الفصائل"، وعلى هذا الأساس فإن حركة "فتح" تبدو متحمسة لهذا المشروع "ليس على قاعدة الفرض وإنما كأرضية لحوار لا يستثني أحداً من الفصائل الفلسطينية في لبنان"، كما تؤكد المصادر الفتحاوية إياها.
الفكرة من الناحية العملية
من الناحية العملية فإنه دون هذه الفكرة جملة من العقبات، ليست على الصعيد الفلسطيني فحسب وإنما على الصعيد اللبناني كما يبدو أيضاً، فالتحلل المقنّع "للمعارضة" من إجماعات طاولة الحوار، ورسم حزب الله للخطوط الحمر أمام تحرك الجيش، والتشكيك المستمر بالأجهزة الأمنية اللبنانية، في ظل خوف "البعض" من أن يكون بحث السلاح داخل المخيمات وخارجها تمهيداً "لنزع سلاح المقاومة"... كل ذلك يضفي ظلالاً من الشك حول حقيقة مواقف "المعارضة" حيال جدية تنظيم السلاح داخل المخيمات، ومن المفيد هنا أن نورد أن النائب الصيداوي المعارض أسامة سعد كان قد عاب بصراحة على قياديين في منظمة التحرير وحركة فتح تقاربهم من الحكومة اللبنانية والخط الذي تمثله، وذلك خلال اجتماع ضمه وإياهم، في وقت سابق من شهر حزيران من هذا العام في صيدا.
أما على الصعيد الفلسطيني فإضافة إلى موقف حركة "حماس" سالف الذكر، فإن وجود فصائل فلسطينية مرتبطة "وجودياً" بسوريا، وفصائل "إسلامية" ذات مشاريع وطروحات خاصة، إلى جانب عدد كبير من المطلوبين والمتضررين وفق حسابات شخصية، كل ذلك يقف جدياً بوجه تنفيذ هكذا خطوة. وإذا كان ثمة من يطلب التفاهم مع الدولة اللبنانية على الحقوق الفلسطينية قبل بحث هذا الملف، فإن قوى فلسطينية مؤثرة نسبياً ترفض مناقشة الفكرة من أساسها باعتبار أن "الحالة الثورية" هي الوضع الأمثل للفلسطينيين خارج وطنهم حتى يعودوا إليه.
بالعودة إلى مرحلة ما بعد معركة نهر البارد، فإن الخطوط الحمر التي رسمها الجيش بالدم مؤخراً، ستكون هي البديل عن مشروع اللواء الفلسطيني لحين إيجاد صيغة لتنظيم هذا السلاح داخل المخيمات "في يوم ما".