بدأت مرحلة جديدة من التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع انتقال رئيس لجنة التحقيق الدولي القاضي ديتليف ميليس الثلاثاء الماضي إلى سوريا. تحقيقاته هناك محكومة بتفاهم شفهي كان قد أبرمه مع وزارة الخارجية السورية يقضي بإحاطة حركته بتكتم شديد، وبأن تكون المحاضر باللغة العربية ومذيلة بتواقيع كل من اللجنة والشهود، وأن يحصل الشهود على محامين سوريين قد تعينهم الدولة، وأن يقدم ميليس لائحة مسبقة بأسماء من يرغب الاستماع إليه. وزارة الإعلام السورية، وكعادتها في مثل هذه الظروف، لم تقدم معلومات وافية عن الزيارة والغرض منها، لكن ذلك لم يمنع الشارع السوري من الحذر والترقب الذي بدت نتائجه واضحة في التهافت على شراء الدولار من السوق السوداء، الأمر الذي استدعى تدخل نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري الذي حدد سعرا لصرف الدولار الأميركي "أقل من سعره في السوق السوداء". ورافق الزيارة تشدد أمني موجه ضد "جند الشام" انسياقا مع السياسة السورية الأخيرة لتكبير حجم "الإرهاب الأصولي" الذي يهدد أمنها.
مهمة استقبال ميليس على الحدود اللبنانية – السورية تولاها المستشار القانوني في وزارة الخارجية السورية رياض الداوودي، وبعدما قام بما يحتمه عليه واجبه، اصطحب ميليس إلى منتجع سياحي على الطريق الدولية مع لبنان يدعى "مونتي روزا"، يبدو أنه سيكون شبيها بموقع الِ " مونتي فردي" في بيروت، قبل أن يتبين عدم رغبة "الثعلب الألماني" في المبيت في سوريا، وتفضيله التوجه ليلا إلى لبنان والعودة صباحا إلى تحقياته على الأراضي السورية.
أن يكون ميليس في سوريا في مهمة التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، ليس خبرا سارا لقيادتها بالتأكيد، رغم أن هذه القيادة أعلنت عن رغبتها في تسهيل مهمته التي تتمثل في التحقق مما لديه من معلومات، على اعتبار "أن الحقيقة ستخدمها، كونها المتضرر الأساس من عملية الاغتيال"، لكن هذا الترحيب بالضيف الثقيل لا يخفي توجس هذه القيادة من الزيارة ونتائجها، لذلك أكد نائب رئيس الوزراء السوري عبد الله الدردري، في مؤتمره الصحفي على التعاون "طالما لم تنحرف عملية التحقيق سياسيا"، و"أن دمشق لا تقبل الاتهامات من دون أدلة جنائية صريحة، في حال كان هناك شيء من هذا"، مع التشديد على "الثقة الكاملة التي لدى القيادة السورية بعدم المسؤولية لأي من المسؤولين السوريين في ما جرى".
بعيدا عن هذه الإعلانات السورية، ثمة أجندة خاصة حملها ميليس معه إلى دمشق، تتضمن مواجهات مع عدد من الضباط السوريين الكبار، لا سيما من اضطلع بالملف اللبناني منهم أو خدم في لبنان، وعلى رأسهم وزير الداخلية اللواء غازي كنعان والعميد رستم غزالي والعميدان محمد خلوف وجامع جامع، إضافة إلى أسماء أخرى محتملة قد يتم الاستماع إليها في هذه الجولة من التحقيقات أو في جولة لاحقة، وهذه الشخصيات هي: هي اللواء هشام بختيار، واللواء آصف شوكت، واللواء حسن خليل، واللواء بهجت سليمان، والعقيد ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري بشار الأسد.
التشكيك بحيادية ميليس يبدو أن سيتصاعد مع تقدم التحقيقات، وربما تكون هذه هي الوسيلة الدفاعية التي اختارتها القيادة السورية لحماية نفسها وسيادتها من التحقيق وتبعاته، وهي كانت قد تلقت باستياء قرار رفع السرية المصرفية عن حسابات غازي كنعان ورستم غزالة، باعتبار ذلك مناقض للتفاهم بين ميليس ودمشق، والقاضي بعدم القيام بأية خطوة إجرائية ضد أي سوري قبل الاستماع اليه، وقبل كشف الأدلة التي تثبت الحق في ملاحقته أو الاشتباه به.
ولا يخفى أن سوريا تحاول جاهدة التفاهم مع الولايات المتحدة وفرنسا للتخفيف من حدة الضغوط عليها، وتاليا لإزاحة كابوس التحقيق الدولي المزعج عنها، لا سيما أن بعض المعارضة السورية نشطت في الآونة الأخيرة في تسريب معلومات عن تفكك النظام، مشددة على الدور الذي يمكن أن يلعبه عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي المقيمان في باريس في هذا الإطار، وعلى خلافات داخل أسرة الأسد نفسها، وفي رد على ذلك قام آصف شوكت صهر الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة غامضة إلى باريس، لا يبدو سياقها يخرج عن الأجواء التي تحيط بدمشق في الفترة الأخيرة.
إن ما يجعل سوريا محرجة هذه الأيام فيما خص جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والتحقيق الجاري بشأنها، هو أن الضباط الأربعة الموقوفين في بيروت كانت تربطهم علاقة هرمية يومية بالقيادة السورية، ما يعني أنه في حال ثبت تورطهم، فيستحيل إذاك أن لا يكون نظراؤهم السوريون، العسكريون أو السياسيون على غير علم بما كان يجري التخطيط له، باعتبار أن جريمة اغتيال الحريري ليست فعلا جرميا عاديا، وإنما جريمة سياسية بالدرجة الأولى، وتاليا لا بد من أن تنبع من قرار سياسي، وهذا ما أبرزه من قبل رئيس بعثة تقصي الحقائق بيتر فيتزجيرالد، وهو ما يسعى ميليس لتأكيده، ولو أنه يعلم أن المسؤولين السوريين سينكرون أي تهمة قد توجه اليهم، لكن ذلك ربما لن يمنعه من الطلب من القضاء السوري إصدار مذكرات توقيف في حق من يشتبه فيه منهم بغض النظر عن استجابة أو عدم استجابة هذا القضاء.