عاد الهم الاقتصادي والمطلبي ليتصدر الأحداث في لبنان... ثمة أحداث سياسية كبيرة غيبت الحديث عنه، لكن ثقله كان حاضراً دائماً، ومع التجاذب السياسي الحاصل فإنه من المتوقع أن يختلط السياسي بالاقتصادي، حيث ستكون الورقة الإصلاحية التي طرحتها الحكومة محور المواقف خلال الأيام والأسابيع القادمة، لا سيما أن الحكومة تحتاج إلى إقرار الإصلاحات بالتوافق، تمهيداً لانعقاد مؤتمر بيروت لدعم لبنان، على اعتبار أن الإصلاحات الإقتصادية شرط أساس لتقوم الدول المانحة بتقديم مساعداتها للبنان.
ماهي أبرز عناوين الورقة الإصلاحية؟
تطرح الورقة الإصلاحية شعار الإصلاح المالي الذي يرتكز على بندين أساسيين هما:
- تقليص النفقات: عن طريق إلغاء بعض المؤسسات ووقف النفقات غير المجدية، ووقف الهدر ومكافحة الفساد، وإعادة النظر في الرواتب والامتيازات في بعض المؤسسات بما فيها النواب والأسلاك العسكرية، والهدر المتصل باستهلاك البنزين وتكاليف الاتصالات في القطاع العام.
- زيادة الإيرادات: عبر فرض ضرائب ورسوم جديدة، أبرزها:
- زيادة الضريبة على الفوائد من 5 % إلى 7%.
- رفع معدلات الضريبة على أرباح الشركات من 15 إلى 20 %، مع إلغاء ضريبة الِ10% الحالية على توزيع الأرباح.
- زيادة الضريبة على القيمة المضافة TVA من 10 إلى 12 % في العام 2006، وإلى 15% اعتباراً من العام 2008.
- رفع الدعم عن البنزين والمازوت تدريجاً وصولاً إلى تحريره في العام 2008، وهذا يعني أن أسعار البزين ستتجاوز الِ30,000 ليرة وفق الأسعار العالمية للنفط حالياً.
كما تطرح الخطة رؤية لإصلاح مؤسسة كهرباء لبنان عبر تغيير الإدارة، وتفعيل الجباية البالغة حالياً 59% فقط، واعتماد الغاز كمصدر للطاقة، إضافة إلى مضاعفة الرسوم، بحيث يتم إلغاء العجز البالغ حالياً 800 مليون دولار، والمرجح أن يصل إلى مليار دولار في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط العالمية.
وتطرح أيضاً أفكاراً حول مساهمة القطاع المصرفي في التخفيف من العجز عبر شراء المصارف سندات حكومية بقيمة 4 مليارات دولار لمدة 3 سنوات بفائدة صفر في المئة مما يوفر 200 إلى 300 مليون دولار سنوياً.
وتطرح الخطة خصخصة القطاع الاتصالات، إضافة إلى إصلاحات إجتماعية تشمل توحيد الصناديق الضامنة وإعادة النظر بتقييم دعم القمح والسكر والتبغ، وإصلاح الأنظمة التقاعدية، على أساس إغلاق أنظمة التقاعد الحالية في الخدمة المدنية والعسكرية أمام الموظفين الجدد، لينضموا إلى نظام التقاعد الجديد الموحد، وتحديد المعاش التقاعدي في النظام الجديد ببن 50 و60% من أساس الراتب، مع زيادة اشتراك أرباب العمل من 8,5 % إلى 17,5 %، يتحمل العامل منها 5 %.
وفي القطاع التعليمي تطرح الخطة زيادة دوام عمل الأساتذة والمعلمين والموظفين، وإلغاء ساعات التناقص، وخفض سن التقاعد الى ستين سنة، وإلغاء تعاونية موظفي الدولة وصندوق التعاضد لأساتذة الجامعة اللبنانية، وزيادة الحسومات التقاعدية، وحرمان ورثة الموظف المتوفى من المعاش التقاعدي في حال الوفاة، وزيادة رسم الانتساب الى الجامعة اللبنانية خمسة أضعاف الرسم الحالي.
المواقف من الورقة الإصلاحية
الشق المتعلق بتخفيف الإنفاق والهدر الوارد في الخطة يلقى إجماعاً من كافة القوى السياسية والهيئات الاقتصادية، لكن هذا الشق يعتبر تحدياً بحد ذاته، فلطالما رفعت الحكومات المتعاقبة هذا الشعار ولم تنجح في تنفيذه، أما الشق الأسهل بالنسبة للحكومة وهو زيادة الضرائب، فإنه يواجه انتقادات واسعة من الهيئات الاقتصادية والعمالية، التي ترفض الضرائب الجديدة وتطالب بالمقابل بزيادة الحد الأدنى للأجور 100% ليصبح 600,000 ليرة، كما يطالب بجعل متوسط الأجور بحدود مليون ليرة، وتصحيح الأجور عن السنوات العشر الفائتة بنسبة 47 %. كذلك فإن كل القطاعات المتضررة من الأفكار التي تطرحها الخطة بدأت تتحرك لتفعيل احتجاجها، لا سيما في القطاع التعليمي، كما أن المصارف ترفض مجرد مناقشة فكرة شراء سندات خزينة بفائدة صفر في المئة، وهي أبلغت الحكومة رسمياً أنه "لا أحد يستطيع إرغام المصارف على خطوات من هذا النوع"، هذا فضلا عن رفضها زيادة الضرائب على الفوائد.
أما لجهة لموقف من الخصخصة فإن أكثر من فريق لبناني يرفض الموضوع، شكلاً ومضموناً، بينما يفضل آخرون اعتماد خصخصة الادارة فقط، كما يطرح فرقاء آخرون علامات استفهام على آليات ذلك.
لا شك أن الكثير من القوى السياسية تشارك الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية موقفها من ضرورة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد اللبناني، الأمر الذي من شأنه الحد من الهدر والإنفاق غير المجدي، ما سيُغني عن فرض رسوم وضرائب جديدة، وستشكل هذه القوى الرافعة القوية لتحركات الإتحاد العمالي العام المتوقعة قريباً، وهذا يعني أن التجاذب في المرحلة القادمة سيكون عنوانه اقتصادياً، ما يرجح أن الكثير مما في الورقة الإصلاحية لن يمر، وما سيجري إقراره منها سيحتاج إلى مخاض طويل، فِ "التعاطي بالجملة" غير ممكن في بحث هذه الورقة، وكما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري في الأول من أيار، فإن "التعامل مع ما جاء في الورقة الإصلاحية سيكون بالمفرق، بنداً بنداً" ، وهو ما يبشر بربيع حار من التجاذبات الحادة.