بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور عدنان علي رضا النحوي
www.alnahwi.com
info@alnahwi.com
إن قضايا المسلمين اليوم تشعّبت وامتدّت في الأرض : في فلسطين، العراق، السودان، أفغانستان، الصومال، الفلبين، الشيشان، الهند، باكستان، تركيا، تونس، الجزائر، وسائر أقطار العالم الإسلامي، والعالم الغربي حيث يقيم عدد غير قليل من المسلمين يعانون ما يعاني منه المسلم اليوم حيثما أقام أو رحل .
ومع هذا الامتداد يلقى المسلمون المذلة والهوان، والهزائم والشتات، وهم يبذلون ويجاهدون ويدفعون، على تفرّق حال وتمزّق صف .
ومن أخطر هذه القضايا قضية فلسطين وفيها المسجد الأقصى، وفيها تاريخ الإسلام العظيم منذ أقدم العصور، منذ أيام إبراهيم عليه السلام وقبله .
ومن خلال نظرة سريعة على أحوال المسلمين في ديارهم وخارج ديارهم تبرز أسئلة مهمة : من نحن؟ ما هويتنا؟! وما هي رسالتنا في الحياة الدنيا؟! ماذا نريد؟! وإلى أين نسير؟! لقد فقدنا السيطِرة على قضايانا وتفلتت من أيدينا! وتبدَّلت شعاراتنا على تنازلٍ أو استسلام!
لقد مضى على قضية فلسطين أكثر من تسعين عاماً، ولقد كتبتُ عنها عدداً من الكتب والمقالات والدراسات، ولكن الأحداث مازالت تتجدّد بالنسبة إلينا نحن المسلمين، لأَنَّنا لسنا الذين يخططون ولا الذين يوجّهون الأحداث . فلدى قوى الغرب نهج مدروس يُحدّد أهدافهم وخطواتهم وأساليبهم التي يتعاملون فيها مع العالم الإسلامي . لهم أهداف ثابتة، وهم ثابتون عليها، ولكن الوسائل والأساليب تتغيّر!
ونحن المسلمين، لا نفكّر ولا نريد أن نفكر، وقد تجاذبتنا الأحداث حتى بدّلنا فكرنا وأساليبنا، فبدلاً من أن نكون نحن الموجّöهين أصبحنا التابعين، وبدلاً من أن نكون أقوياء أصبحنا ضعفاء .
في بداية الأمر كانت قضية فلسطين قضية إسلامية، تقع تحت مسؤولية المسلمين جميعاً . ومع هذه المسيرة الطويلة أصبحت قضية فلسطين هي قضية الفلسطينيين وحدهم، وأصبحنا نحن المسلمين ننتقل من حال إلى حال، فتارة نحن اشتراكيون نتغنّى بالاشتراكية، وتارة نحن قوميون، وتارة علمانيون، وأخرى ديمقراطيون، حتى لم يعد لنا هويّة حقيقية نتميّز بها كما كنا سابقاً .
وتغيّرت شعارات قضية فلسطين من شعار تحرير فلسطين، إلى شعار دولة فلسطينية لا قدرة لها ولا إمكانات، الكهرباء والماء والبترول من إسرائيل، والرواتب لموظفي الدولة من الدول الحامية لإسرائيل، فالدولة في حقيقتها أصبحت في جميع الحالات تحت سيطرة إسرائيل التي تستطيع أن تدخل إلى أيّ مكان في هذه الدولة فتعتقل من تشاء، وتقتل من تشاء، وتهدّم ما تريد من البيوت والمنازل، وتفتك وترتكب كل أنواع الجرائم، ولا تجد من يوقفها لا محلياً ولا دولياً! فما هي هذه الدولة التي يتصارع عليها الفلسطينيون؟!
ومن خلال هذه المراحل فقدنا هيبتنا في قلوب الآخرين، حتى لم يعودوا يقيمون لنا وزناً ونحن ممزَّقون :
|
أمِّة الحقّö! مِا دهِاك فأصبحِ |
|
ِتö شظايِا تطايرت في النّجِاد |
|
كلما رñمِْتö ملتقِى كنتö في السِا |
|
حِةö أوهى من حفنِة من رمِادö |
كنا في سالف الزمان مسلمين، هويّتنا الإöسلام، والإöسلام يحكمنا، وكلمة الله هي العليا، ثم غيّرنا النشيد وأصبحت أنشودتنا " العروبة "، والعرب، وانعزلنا عن العالم الإسلامي كما أراد الغرب! نريد أن يجمعنا لسان الضاد، وأن لا يُفَرّقنا الدين، وأن بلادنا هي بلاد العرب وحدهم فقط . وهذا هو النشيد الذي كان يردّده كثير من أبناء المسلمين :
|
بِلاد العِرب أوطانِي |
|
مِن الِشِام لبغِدان |
|
ومن نِجِدٍ إلى يِمِنٍ |
|
إلى مِصِرَ فتطِوان |
|
فِلا حِدّñ يِبِاعِدنِا |
|
ولا ديِنñ يِفِرقِنِا |
|
لسِان الضِاد يجمعنِا |
|
بِغِسِانٍ وعِدنِانö |
زعموا أن الديِن يُفرقنا، وأنهم لذلك يلغون الدين من حياتنا لتجمعنا العروبة! ولكن لسان الضاد لم يجمعنا، والحدود التي أقيمت أصبحت تُباعدنا! أُطْلöقَ هذا الشعارُ، شعار العروبِة فتنازل الكثيرون عن دينهم أو عن نصف دينهم، وهذا وذلك سيّان، رغبة غربيّة ينفّذها أبناء الإسلام أو المنتسبون إلى الإسلام . ورضي الجميع بذلك أو سكتوا عنه .
سقطت الخلافة الإسلامية لأول مرّة ومُحيت من الأرض، بعد أن بذل الغرب وأعداء الإسلام جهوداً كبيرة لمدة قرون طويلة وهم يضعون الدراسات والخطط لإسقاط الخلافة وتدمير العالم الإسلامي، ولأهداف أخرى مازالت مطوية يظهر بعضها ويختفي بعضها . ومُزّöق العالم الإöسلامي إلى قطع متناثرة، وأقيمت الحدود، ورضيت الشعوب، وتمّ الأمر بسهولة لم يكن يتوقعها المجرمون! ودار الصراع بين المسلمين أنفسهم!
وحَلّت بنا النكبات : هزائم، وسقوط الديار، ومجازر، ودماء تتدفق، وأشلاء تتطاير، فنادَوا العروبة فما أنقذت، ونادَوا الاشتراكية، والعلمانية والديمقراطية، فما أنقذت! ونادوا أمريكا . وأوروبا وروسيا فما أنقذوا، ولكن أجرموا وغدروا ومزَّقوا! ونادَوا مجلسَ الأمن وهيئة الأمم المتحدة، نادوا جميع الأوثان فما استجاب لهم وثن واحد!
( إöنَّ الَّذöينَ تَدْعُونَ مöنْ دُونö اللَّهö عöبَادñ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجöيبُوا لَكُمْ إöنْ كُنْتُمْ صَادöقöينَ ) [ الأعراف :194]
|
طُوفوا على الدنيا فما مِن مسعفٍ |
|
أبِداً لأيِدي عِاجِزٍ مِتسِوّöلö |
|
نادُوا "العروبَة"كي تُغöيث! فمن يُجيِ |
|
ِب؟! سوى دَعيًّ خابَ أو مُتَنَصَّل |
|
صَرَخُِوا ونَادَوْا يا شُعُوبُ تكلَّمِي |
|
يِا مَجْلسَ الأَمِْنö العَزيِزö فأقْبöِلö |
|
يا دَارَ أَوْروبَِّا حَنانَِكö! أَشْفقِي |
|
يِا دارَ أمْريكِا أطلِّي واعْجَلِي |
|
يا رُوسöيِا! هِلاّ نظرتُِمْ حالَنِا |
|
شعبِاً يُذَبَِّحُ بالمِدَى والمقْصَِلö |
|
إن لم تَقُمْ في الأرضö أُمَِّةُ أحمِدٍ |
|
خَِابَ الرَّجاءُ وضَِاعَ كُلُّ مُؤَمَِّلö |
|
* * * |
|
* * * |
|
|
|
|
واليوم نرى المنتسبين إلى الإسلام نماذج كثيرة متعددة .
فئة تركت الإسلام وتبنّت العلمانية وصرّحت بذلك!
فئة أعلنت كفرها إعلانا صريحاً مدويّاً، أو إعلاناً ملتوياً!
فئة رفعت شعار الإسلام دون أن تلتزمه ودون أن تحكمه في قضاياها .
فئة رفعت شعار الإöسلام والتزمته على ضعف وقلة إمكانات!
ولكن عمّ بين المسلمين شعارات تغيّرت من زمن إلى زمن، دوّى جميع المسلمين بها إلا من رحم ربك : شعِار الاشتراكية، شعار الديمقراطية، شعار العلمانية، شعار القومية، شعار الوطنية!
ألقى الغرب بيننا جميع الشعارات والدعوات المزخرفة لنتوزّع بينها ونتصارع عليها، ويهلك بعضنا بعضاً من أجلها!
وسرعان ما يلهث بعض المسلمين وراء كل " صرعة " جديدة يطلع بها الغرب، حتى إذا بدّل الغرب صرعته يسرع هؤلاء فيبدّلون، ذلك كله لضعف الإيمان واضطرابه في النفوس التي فُتنت عن دينها :
( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسö وَلَوْ حَرَصْتَ بöمُؤْمöنöينَ ) [ يوسف:103]
( .... وَقَلöيلñ مöنْ عöبَادöيَ الشَّكُورُ ) [ سبأ :13]
( وَمَا يُؤْمöنُ أَكْثَرُهُمْ بöاللَّهö إöلَّا وَهُمْ مُشْرöكُونَ ) [ يوسف :106]
( إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمöنöينَ ) [الشعراء :139،121،103،67،8،...]
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلمقال : " لَتَبöعُنَّ سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، أو ذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبّö لسلكتموه . قالوا : اليهود والنصارى؟! قال : فمن؟! " ()
إن رسالتنا الحقيقية هي الإسلام، دين الله الذي لا يقبل الله من أحد سواه، فما بال بعض المسلمين يتحلّلون من الإسِلام، يرفعون شعار الإسلام ولا يلتزمون الإسلام، وتذهب القلوب بهواها هنا وهناك، يتَّبعون وثناً بعد وثن، فتمزّقت الأمة فرقاً شتى، وأحزاباً شتى، وأهواءً شتى! وتنافرت القلوب، وتمزّقت العزائم، وتباعدت الأهواء! وأخذ يصارع بعضنا بعضاً! فمن نحن اليوم؟! ما هي هويتنا؟! ما هي رسالتنا في الحياة؟! وماذا نريد؟! وإلى أين نسير؟!
فعن ثوبان رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوöيَ لي منها . وأُعْطöيتُ الكنزين الأحمر والأصفر . وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم . وإن ربي قال لي : إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيت لأمتك أن لا أهلكهم بöسَنَةٍ عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال : مَن بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً . وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلينَ، وإذا وضع في أمتي السيف لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان . وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين لا نبيّ بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله " .
[ أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ]()
فبهذا الواقع كيف يمكن أن نخوض معركة مع اليهود أو مع أمريكا، أو مع الغرب، أو مع أعداء الله؟! إن جهودنا يُصرف معظمها في صراعاتنا الداخلية، حتى استهلكت هذه الصراعات قوانا، وحطمت أسلحتنا، وصرفتنا عن أيّ إعداد جادّ للقوة المطلوبة، القوة التي أمرنا الله بإعدادها وما أعددناها!
انظر إلى أيّ بلد منتسب إلى الإسلام لترى المصالح المادية الدنيوية تتصارع، والأهواء الهائجة تتصارع، لتستهلك قواه، فيُشغل بها عن قضاياه الحقيقية ورسالته في الحياة .
ويظل السؤال الذي يجب أن يثار في وسط هذا العجاج : من نحن؟! وما هي هويتنا؟! وما هي رسالتنا؟! وإلى أين نسير؟! وماذا نريد؟!
هل نريد أن نتقدّم إلى العالم على أساس أننا " عرب " فقط؟! وإلى ماذا نريد أن ندعوهم؟! هل نريد أن ندعوهم إلى العروبة؟! وهل العروبة منهج حياة ورسالة عالمية؟!
هل نحن فلسطينيون؟! هل نحن سوريون أم مصريون أم سعوديون أم تونسيون؟! هل هذه الإقليميات هي التي نريد أن نتشبّث بها وندعو إليها ونطلع على العالم بها؟! وندعو البشريّة إليها؟! هل هذه هي رسالتنا في الحياة؟!
هل نحن اشتراكيون أم حداثيون أم ديمقراطيون أم علمانيون؟!
هل نحن مسلمون حقّاً؟! وهل التزمنا هذا الدين العظيم التزام إيمان وعلم وصدق، وأرضينا الله بالتزامنا؟!
لا بد أن نقف مع أنفسنا وقفة صريحة فنحدّد أهدافنا كلها، أهدافنا المحلية وأهدافنا العالمية، لنقرر ماذا نريد وكيف ننشط وما هي مسؤوليتنا!
إذن هناك سؤالان يجب الإجابة عليهما بصورة جريئة صريحة صادقة :
من نحن؟!
وماذا نريد وإلى أين نسير؟!
وإذا لم نسِأل أنفسنا اليوم هذه الأسئلة فسنسأل عنها يوم القيامة بين يدي الله! إنها قضية الفرد والأمة والناس جميعاًً!
وعلى ضوء ذلك يمكن أن نضع الخُطَّة والنهج! ونرسم الدرب العمليّ في الحياة، ولنتحمل مسؤوليّة القرار في الدنيا والآخرة .
ومهما تكن الإجابة على السؤالين السابقين، فهناك قضية أخرى يجب أن تؤثر في نوع الإجابة، ولكن معظم الناس يهملونها .هذه القضية هي الموت ومفارقة هذه الدنيا إلى الدار الآخرة . فالموت حق على كل إنسان، بل كل مخلوق . والناس كثيراً ما ينسون الموتَ والقبر، والبعث والساعة والحساب، والجنة والنار، تغيب هذه بين أمواج الشعارات الدنيوية والأماني المادية بزخارفها المتنوعة، وفتن الحياة ولهيبها!
( وَلَوْ تَرَى إöذْ وُقöفُوا عَلَى النَّارö فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذّöبَ بöآيَاتö رَبّöنَا وَنَكُونَ مöنَ الْمُؤْمöنöينَ . بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مöنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لöمَا نُهُوا عَنْهُ وَإöنَّهُمْ لَكَاذöبُونَ . وَقَالُوا إöنْ هöيَ إöلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بöمَبْعُوثöينَ )
[ الأنعام: 27-29]
وكذلك :
( وَلَوْ تَرَى إöذْ وُقöفُوا عَلَى رَبّöهöمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بöالْحَقّö قَالُوا بَلَى وَرَبّöنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بöمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) [ الأنعام :30]
إن النظرة السريعة لسلوك الناس توحي بأن الدنيا جذبتهم وأنستهم الآخرة، وهُرöع الجميع إöلى ميادين التنافس المادي، يلهثون خلف مصالح مادية يظنون أنها تعطيهم القوّة، وتقودهم إلى النجاة، وقد نسوا الله ونسوا الآخرة ويوم الحساب . والذين يؤدون الشعائر ثم يغيبون في أمواج الدنيا وطوفانها، الله أعلم بما في قلوبهم وحسابهم عند الله! ولكنهم في الدنيا أساؤوا وخذلوا الإسلام وقد تركوا ميادين نَصرتöه!
( يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسñ مَا قَدَّمَتْ لöغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إöنَّ اللَّهَ خَبöيرñ بöمَا تَعْمَلُونَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذöينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئöكَ هُمُ الْفَاسöقُونَ ) [ الحشر : 19،18]
وقد اختلطت النماذج في الواقع : فترى الفتاة في ملابس أقرب إلى العري، ملابس كاشفة غير ساترة، تسير مع امرأة محجبة ولو بنسبة قليلة أو كثيرة . وترى الرجل الذي يصلّي ويصوم له أصحاب متفلتون من كل أسباب الالتزام، وهو لا يدعوهم إلى الإسلام!
وترى المسلم يهجر المسلم، ويتعاون مع الشيوعي أو أشكال أخرى من الفكر اليساري . وترى المسلم الداعية يهجر الدعوة إلى الإسلام في مؤتمرات إسلامية ويدعو إلى العلمانيّة بصورة واضحة جليّة، أو يدعو إلى الديمقراطية، أو إلى غيرها . الديمقراطية التي أدارت المجازر للمسلمين، والتي أذلتهم، واحتلت ديارهم، وطردتهم منها لاجئين، هذه الديمقراطية المجرمة يقيم لها بعضهم مهرجانات وأعراساً!
واسوأ من هذا وذاك من يُلْبöس أشكال الانحراف المتعددة ثوباً إسلامياً أو صبغة إسلامية . قالوا : الاشتراكية الإسلامية، والديمقراطية الإسلامية، والعلمانية الإسلامية، والحداثة الإسلامية والبنيوية الإسلامية، وقس على ذلك، ولم يبق إلا أن يقولِوا " الكفر الإسلامي "! خليط عجيب في واقعنا، يراه الجميع، يراه الدعاة والعلماء ولا ينصحون ولا يصلحون، وقد يجاملون ويصمتون! هؤلاء كلهم يمثلون المجتمع الإسلامي في الكرة الأرضية، بالإضافة إلى المنتمين إلى الحركات الإسلامية على تفاوت كبير في مدى التزامهم! ولكن كلَّ هذه النماذج هل تنجو من الموت، من الحساب، أو تأمن مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون!
لقد استطاع الفكر الغربي أن يخترق جميع حصون المسلمين ومجتمعاتهم بغزوٍ منهجي مبرمج، والمسلمون، وهم في درجة كبيرة من التخلّف، استجاب الكثيرون منهم لهذا الغزو بأشكاله المختلفة، مع رفضه أول الأمر، ولمّا اعتادوه تحت ضغط إöصرار الغزو قبلوه، ثم التزموه، ثم أَصبحوا دعاةً له .
اختلطت النماذج، وأصبح محرّماً أن تكفّر الكافر حتى ولو أعلن كفره جهاراً نهاراً بالسلوك والموقف والكلمة الصريحة! الكافر بالله ورسوله أصبح له حرمتُه والمسلم لم يعد له حرمة!
من نحن؟! هل نحن مسلمون، وقد رضينا بهذا التحوّل السريع والانحراف الكبير عن الإöسلام؟!
يُعرَف الناس أو الشعوب والأقوام برسالتهم التي يعلنونها ويدعون إليها، فما هي رسالتنا التي نريد أن نُعْرَفَ بها؟!
أما وقد كثر المسلمون الذين يدعون إلى الديمقراطية بالفضائيات والمقالات والمؤتمرات والندوات، بعد أن أذلتهم الديمقراطية ومزّقتهم وأثارت الفتن بينهم، واحتلت ديارهم، وطردتهم لاجئين تائهين في الأرض، فهل نحن ديمقراطيون؟!
وكذلك كثر الذين يدعون إلى العلمانيّة، وحسبك أن أكبر حزب إسلامي في تركيا يعلن، كما نقلت الصحف عنه : " لا تقولوا عنا إننا إسلاميون، نحن علمانيون؟! "
ماذا أقول؟! وأي وقائع أضرب بها مثلاً، وهي كثيرة كثيرة جداً؟! قد نعْتب على هؤلاء وهؤلاء، ولكننا نعْتب أكثر وأكثر على الذين لم تُرöهبهم الآيات الكريمة، ونَسُوا قوله سبحانه وتعالى :
( وَاتَّقُوا فöتْنَةً لا تُصöيبَنَّ الَّذöينَ ظَلَمُوا مöنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدöيدُ الْعöقَابö )
[ الأنفال :25]
ذلك حين يسكت الصالحون ولا يؤدون واجبهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أمرهِم الله . أما الذين يأمرون وينهون فينجيهم الله برحمة من عنده، كما قال سبحانه وتعالى :
( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكّöرُوا بöهö أَنْجَيْنَا الَّذöينَ يَنْهَوْنَ عَنö السُّوءö وَأَخَذْنَا الَّذöينَ ظَلَمُوا بöعَذَابٍ بَئöيسٍ بöمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) [ الأعراف :165]
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة الإسلامية، وهي تبليغ رسالة الله إلى الناس كافة كما أُنْزöلتْ على محمد صلى الله عليه وسلم . هي المهمة التي بها تصبح كلمة الله هي العليِا، والتي بها يسعد الناس والبشرية، ويسود العدل فيها، والأمن، والحرّية المنضبطة بضوابط الحق والخير، بالإسلام، ولا عدالة ولا حرية ولا أمن بغير الإسلام!
هل هذا قائم فينا اليوم، هل نحن اليوم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أم انقلبت الآية في كثير من المواقع؟!
من نحن؟! وإلى أين نسير؟! هل نحن عرَبñ، نجعل العروبة رسالة نبلغها للناس؟! إذا كانت اللغةُ العربيّةُ آخذة بالضعف والهوان في قلب المجتمعات العربية، وعَلى ألسنة دعاة العروبة، وفي صحافتنا وجامعاتنا ووسائل إعلامنا؟ إذا كانت اللغات الأوروبية الفرنسية والإنجليزية امتدت في قلب العروبة، فأصبحت اللغةَ الرئيسةَ في الفنادق وأماكن السياحة، والمستشفيات وعلى لسان المثقفين، وفي ميادين كثيرة، فماذا بقي لنا من العروبة أَو العرب؟!
من نحن؟! إذا فقدنا لغتنا ولَوَيْنا ألسنتنا، وغلبت " العامية " في معظم مواقعنا، إذا غيّرنا أشكالنا وأخذنا بأشكال الغرب، إذا غيرنا عاداتنا وأخذنا بعادات الغرب، إذا غيرنا فكرنا وما تحويه قلوبنا وملأنا قلوبنا ورؤوسنا بشتى أنواع الفكر الغربي من اشتراكية وديمقراطية وعلمانية وحداثة، وما ظهر منها وما سيظهر، فمن نحن؟! وماذا نريد؟! وإلى أين نسير؟!
كنا أمة مسلمة واحدة، رابطتها أخوة الإيمِان، فأعزّنا الله ما تمسكنا بذلك، وصدقنا الله فيه . ثم أصبحت دعوتنا متعدّدة الألوان والأشكال، وتعدّدت الشعارات في كل مكان وكل مناسبِة، فماذا جنينا؟! تمزّقنا شعوباً وأقطاراً وأهواءً، وما جمعتنا دعوة ولا شعار منها أبداً! وهذا واقعنا اليوم يشهد بذلك! ولكن فَتَحت الأَبوابَ لكل طارق من الغرب والشرق : الشيوعية، الاشتراكية، الديمقراطية، الرأسمالية، العلمانية، الحداثة البنيوية، وما بعد البنيوية، والتفكيكية وما بعد التفكيكية، ومازالت نفوسنا وقلوبنا مفتوحة لكل تمزيق جديد!
فمن نحن؟! وماذا نريد؟! وإلى أين نسير؟!
نحن المسلمون المؤمنون! نريد أن تكون كلمة الله هي العليا وشرعه هو الأعلى، وأمته هي الأعزّ! نسير لنحقق في الحياة الدنيا نصرة الله ورسوله، ولنبلغ في الآخرة جنته ورضوانه ومغفرته! نحن مسلمون، هويتنا الإسلام، ودعوتنا الإسِلام، وشعارنا الإسلام، إذا أردنا العزّة في الدنيا والنجاة في الآخرة!
|
من نحنُ؟! نحن المسلمون المؤمنو |
|
ن إذا تسِاءل جِاهِلñ أو ظالِمُ |
|
نحِن الذين نريِد شِرع الله أعِ |
|
ِلى في الحياة! ودينُه هو حاكِمُ |
|
نمضي على هذا الصِراط المستقيِ |
|
ِم يقودنِا نور الهدى وعزائِم |
|
ندعِو الخِلائِق كُلَّهِا لرسالِةٍ |
|
حِقّñ بِهِا وأخِوّةñ وتِراحُِمُ |
|
وبها ننال العِزّ في الدنيِا هِدىً |
|
وتُِشَِدُّ فينِا عزمِةñ ودعائِمُ |
|
وننِال في الأخرى النجاةَ ورحمِةً |
|
ورؤى الجöنِان بهِا نعيِم دائِمُ |
|
* * * |
|
* * * |
الرياض 21/10/1427هِ
11/11/2006م