وقائع من الاتصالات السياسية للأزمة اللبنانية
أجواء التدهئة التي أعقبت أحداث يومي الثلاثاء والخميس في 23 و25 /1 شجعت عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية، على استئناف وساطته، توجه الرجل إلى دمشق في الحادي عشر من الشهر الجاري ليرى إن كان ثمة إمكانية لإحداث خرق ما يعود على أساسه إلى بيروت، لكن السوريين أبلغوه رفضهم القبول بالمحكمة الدولية بصيغتها الحالية، كما أبلغوه رفضهم لصيغة 19+10+1، والأهم أنهم أبلغوه أن أي مناقشة جدية في مشروع المحكمة الدولية يجري بعد إقرارها في المؤسسات الدستورية اللبنانية، وأن هيئتها وتحديد أطر عملها يظل رهن انتهاء التحقيق الدولي، وإزاء هذه النتيجة ألغى موسى زيارته التي كانت متوقعة إلى بيروت.
في الثالث عشر من الشهر الجاري وقع انفجارا عين علق. فهمت الأكثرية الرسالة، سيما أنها وقعت عشية دعوتها الناس للاحتشاد لإحياء ذكرى اغتيال الحريري في 14 شباط. توترت الأجواء وجاءت خطابات ساحة الشهداء لتعكس هذا الواقع المأزوم، فشن وليد جنبلاط أقسى هجوم له على بشار الأسد، وتولى سمير جعجع الهجوم على إميل لحود، في حين فتح سعد الحريري كوة للأمل بحديثه عن "القرارات الشجاعة". لم تتبدد أجواء التأزم، فعلى الرغم من التفاهم على تمرير ذكرى الحريري بهدوء، فقد وقعت احتكاكات في منطقة حساسة من البقاع الشمالي تضم أقلية سنية، فاعتبرت الأكثرية "التوتير المفتعل" بمثابة رسالة من حزب الله.
في السادس عشر من الشهر الجاري ألقى الأمين العام لحزب الله كلمة غنية بالمضمون غير المطمئن للأكثرية، لم يأت على ذكر المحكمة الدولية التي وصفها سعد الحريري بأنها "المعبر إلى الحل"، تجاهل مقتضيات القرار 1701 لجهة السلاح، غمز من قناة "الذين يتنبأون بالاغتيالات والتفجيرات، وتصدق دائماً تنبؤاتهم" في إشارة اتهامية لجعجع، ولم يوّفر جنبلاط والحريري، معتبراً أن "الدعوة إلى طاولة حوار أو تشاور سابق لأوانه"، وختم قائلاً "كما وعدتكم في الحرب وكما وعدتكم في مخيم رياض الصلح، أقول لكم هذه المعارضة في لبنان ستحقق هدفها وستنتصر عاجلاً أو آجلاً".
الاتصالات
رسائل حزب الله لم تمنع من استئناف الاتصالات على قاعدة "القرارات الشجاعة". أبلغ حزب الله تيار المستقبل رؤيته للحل على الشكل الآتي:
- تعلن الأكثرية قبولها بتشكيل حكومة تضم 19 وزيراً للموالاة و11 للمعارضة.
- تتشكل لجنتان: الأولى لدرس الحقائب الوزارية، والثانية لدرس المحكمة الدولية بالتزامن.
- يتنازل حزب الله عن مطلب إجراء انتخابات مبكرة إذا أقرت "حكومة الوحدة الوطنية" قانوناً جديداً للانتخاب.
- يجري انتخاب رئيس توافقي للجمهورية.
لاحقاً جرت حلحلة على أساس أن يسمي الرئيس نبيه بري الوزير الحادي عشر ممن تقبل به الأكثرية، وطُرح اسم الوزير أنور الخليل على سبيل المثال، لكن برزت مطالبات للعماد عون بتسلّم كتلته وزارة سيادية، وإذ بدا أن عقدة الحكومة بالإمكان تجاوزها "بصيغة ما" بالرغم من اعتراض جعجع وجنبلاط، فإن عقدة المحكمة راوحت مكانها بعدما أُبلغ سعد الحريري بوجود ست ملاحظات على مشروعها، تتعلق بمدتها، ومدى صلاحية ملاحقاتها، والجرائم التي ستشملها، وعدد القضاة اللبنانيين فيها، وزمن تشكيلها -قبل انتهاء التحقيقات الدولية أو بعده.
شعر النائب الحريري أن ثمة حاجة إلى التوجه إلى الرياض للاطلاع على نتيجة الاتصالات السعودية- الإيرانية قبل لقائه المرتقب مع الرئيس بري، فتبين أن أجواء هذه الاتصالات مشجعة لا سيما لجهة منع أية فتنة سنية- شيعية، إضافة إلى إرادة إيرانية لِ"تسهيل الحل" في لبنان، لكن الجواب فيما خص عقدة المحكمة الدولية ظل عند السوريين.
توجه الرئيس بشار الأسد إلى طهران للاطلاع على نتيجة المباحثات السعودية ِ اليرانية، فاستفسر الإيرانيون منه حول الرغبة بالسير بالمحكمة ذات الطابع الدولي، لكن الأسد كرر ملاحظاته، رافضاً إدخال الموضوع ضمن المحادثات مع السعودية، وخرج مرتاحاً من نتائج اجتماعاته في العاصمة الإيرانية، وبالواسطة أُبلغ السعوديون رغبة سورية تطبيع علاقاتها مع المملكة خلال القمة العربية المرتقبة الشهر القادم في الرياض، وأن الرغبة بالحل موجودة لدى دمشق بدليل تسهيلها اتفاق مكة بين الفلسطينيين، لكن يجب أخذ "ملاحظاتها" في الأزمة اللبنانية بعين الاعتبار.
العودة إلى المراوحة
إزاء التعثر في التقدم في موضوع المحكمة الدولية، عادت الأمور إلى المراوحة. زار رئيس الحكومة السابق سليم الحص الرياض عارضاً عليها فكرة استضافة "اجتماع مكة لبناني"، لكن السعودية أبلغته أن المعطيات مختلفة وأن دورها لا يتعدى حالياً العمل على تقريب وجهات النظر، والاتصال بالعواصم المؤثرة لمنع الفتنة، في حين أبلغ السوريون الحص أثناء زيارته دمشق أن سوريا "ليست ضد قيام المحكمة في المطلق ولكنها تؤيد ما يتفق عليه اللبنانيون"، ومع الدخول في مرحلة المراوحة من جديد أبلغ حزب الله فريق الأكثرية أن الحل الذي يعرضه هو الحد الأدنى المقبول لديه، وأنه تسهيلاً لهذا الحل مستعد أن يتعهد بعدم استقالة وزراء "المعارضة" من الحكومة، لكن النائب الحريري طلب للسير في الموضوع أن يتعهد الحزب بالإقرار المسبق لمشروع المحكمة الدولية في المجلس النيابي، الأمر الذي رفضه الحزب معتبراً أن "المعارضة" اتخذت "قرارها الشجاع" بقبولها التزامن بين موضوعي المحكمة والحكومة وتنازلها عن طلب إسقاط حكومة السنيورة وإجراء انتخابات مبكرة.
إزاء هذا الواقع عاد التصلب في المواقف فاعتبر فريق الأكثرية أن إعطاء أكثر من ثلث المقاعد الوزارية للمعارضة بمثابة "تسليم للرقبة"، فيما اتهم الحزب على لسان غير قيادي فيه جنبلاط وجعجع بإفشال التسوية استجابة "لتعليمات السفير الأميركي في بيروت"، وفي الحقيقة ثمة أطرافاً غيرهما ترفض أية صيغة غير صيغة 19+10+1 ومن بينهم الرئيس فؤاد السنيورة، هذا على فرض إقرار المحكمة من دون تعديلات جوهرية.
ثمة تصعيد مرتقب الآن، "المعارضة" تتهم الأكثرية بإفشال التسوية، وبمزيد من الاستفزاز بعقد جلسات لمجلس الوزراء، والحديث يدور عن إعلان قريب للعصيان المدني، و"تجميد" إضافي لدور المجلس النيابي من خلال استخدام الرئيس لحود صلاحياته المنصوص عليها في المادة 59 من الدستور اللبناني لتأجيل الدورة العادية لمجلس النواب لمدة شهر، فيما ترد الأكثرية بأن التراجع عن الحل جاء من قبل المعارضة عند الاقتراب من "لحظة الحقيقة" فيما خص المحكمة الدولية، الأمر الذي عطل "إعلان نوايا مشترك أساسه الحكومة مقابل المحكمة"، وإزاء تعثر الحل فإن "كل المعطيات لانفجار الوضع موجودة" كما عبر الرئيس شيراك في إحياء ذكرى الرئيس الحريري في باريس مساء الثلاثاء الماضي، ما لم يحدث خرق ما.