رغم أن المعلومات الواردة حول ملابسات حادث التفجير الذي وقع بالمشهدالحسيني لم تقدّم شيئا على سبيل القطع إلا أن ذلك يجعلنا أمام أكثر منسيناريو ..
فهذا النوع من التفجيرات أما ساحات المساجد لا يقوم به إلا جهة من تلك الجهات:
1-متطرفون من أتباع ديانة أخرى.
2-مخربون مرتزقة يعملون لحساب دول يفيدها الإضرار بمصر.
3-متطرفون مسلمون أغبياء .
وسأدع الكلام عن الاحتمال الأول إلى آخر المقالة ..
أما عن المخربين المرتزقة الذين يعلمون لحساب دول أخرى فهم في الصورة ولا شك ، واحتمال تورطهم في الحادث أمر وارد بشدة .. لكن مصر الآن تشهد حالة من الركود لم تشهدها من قبل ، والعمليات التفجيريةفي مثل تلك الأماكن تبعد الشبهة عنهم إلى حد كبير ، لأن من يريد زعزعةالاستقرار في مصر يعرف الأوتار الحساسة التي ينبغي أن يضرب عليها .. فكانالأجدر به أن يلقي المتفجرات أمام باب إحدى الكنائس أو الأديرة ، لكي يضمناستمرار اللعب بورقة الأقلية النصرانية في مصر ، ويستطيع من جندوه الزعمبأن هناك اضطهاد ومحاولات لقتل النصارى المصريين ..
كما أنه كان من الممكن اختيار مكان أثري ، لكي تُظهöر الصورة الانفجار علىأنه إحدى عمليات تنظيم القاعدة أو أذيالها من المتطرفين ، خاصة وهممعروفون بعدائهم للغرب وأهله على أي صورة كانوا ، ولا فرق عندهم بينالسائح الآمن وبين السياسي المتورط في سفك الدم المسلم .. لهذين السببين قد يكون احتمال تورط جهات أجنبية بعيدا نوعا ما عن الواقع ،خاصة وأن تلك الجهات متمرسة في مثل تلك العلميات وليست بالسذاجة التيتجعلها تخسر عملاء ومتفجرات في ضرب ساحة أحد المساجد ، فينتج عنه إبعادالشبهة عن المتطرفين المسلمين ، إلا إذا أصابت المسؤول عن تخطيط هذهالعلمية بعض نوبات الغباء ، وهو من المحتمل .. لكن يبقى احتمال تورطهاقائما على كل حال .. وفيما يخص المتطرفين المسلمين ، ممن أصيبوا بغباء مزمن مستحكم ، فهم بعيدون تماما عن مثل تلك العلميات ..
أولا: لأن مكان التفجير ساحة مسجد أو قريب من مسجد ، ولا يمكن لمتطرف يظننفسه يعيش لنصرة الدين أن يضع قنبلة يحتمل لو بنسبة بسيطة أن تتناثرشظاياها داخل المسجد ..
لكن قد يعترض البعض على أن المسجد يحتوي على ضريح ، مما يجعل التنظيماتالتي تدعي الانتساب إلى السلفية مشكوكا فيها ، فهم يعتبرون الصلاة في تلكالأماكن محرما ..
لكن من اطلع على الأدبيات السلفية يعلم تمام العلم أن السلفيين وإن حرّمواالصلاة في تلك المساجد إلا أنها في اعتبارهم مساجد تلوثت ببعض البدع ، أوأنها مقبرة تضم مسلمين على أقل الأحوال ، وليس من عادة هذه التنظيماتاستهداف مثل هذه الأماكن ..
فحتى لو أصابتهم أقوى نوبات الغباء فلن يفكروا في الإقدام على خطوة كهذه ،تساهم بشكل كبير في اتهام الناس لنواياهم بعد ضرب مكان يتمتع بنوع منالقداسة عند المسلمين ..
ثانيا: هذه التنظيمات مرصودة كل خطواتها من قبل وزارة الداخلية المصرية ،المتخصصة في إجهاض الحركات الإسلامية جميعا ، سواء كانت تلك الحركات سلميةأو مسلحة ، بل والمصالحة بين الداخلية المصرية وتنظيمات الجهاد والجماعةالإسلامية تسير على أفضل ما يكون بعد المراجعات الفكرية الأخيرة لهذهالجماعات ، ومن قرأها يدرك تماما أنها نبذت العنف جانبا ولم تعد تفكر فيهبشكل كبير ..
بقي الاحتمال القائل بأن مجموعة من متطرفي النصارى وراء تلك التفجيرات ، وهو الاحتمال الأرجح عندي ..
ويرجحه عدة عوامل مهمة:
1-الخطاب الكنسي منذ ما يقرب من العشرين عاما أو يزيد اتسم بالشجنالعاطفي الزائد لأتباع الكنيسة في كل ما يتعلق بنقاط التماس مع المسلمينفي البلد ، مما ولّد شعورا عند كثيرين منهم الشعور بالظلم والاضطهادالشديدين ..
ويبدو ذلك واضحا في خطاب الأنبا بيشوي ونجيب جبرائيل محامي الكنيسةوالأنبا توماس وادعاءاته المتكررة بأن المسلمين قضوا على التراث القبطيالمزعوم ..
ويبدو أشد وضوحا في تصرفات البابا شنودة الثالث عند كل حادثة عابرة ،فيضخّمها برد فعله من خلال الاعتكاف المدروس للضغط على الحكومة المصرية فياتخاذا قرارات معينة ، وليس اعتكافه في قضية إسلام المهندسة وفاء قسطنطينمنا ببعيد بعد أن اختارت الإسلام ، وشاهد العالم كله كيف انفجرت مظاهراتالنصارى في مصر احتجاجا على إسلامها وهي تطالب بتسليمها للكنيسة ، وهذا ماحدث فعلا .. كل ذلك يجعل المسيحي المصري يشعر انه ينتزع حقوقه المهضومة انتزاعا ولايحصل عليها بشكل طبيعي .. خاصة عندما تغرس الكنيسة في وعيه أنه مضطهد بسببدينه وعقيدته وليس بسبب آخر ..
والتطرف الكنسي واقع ملموس ولا ينكره إلا من أصيب في بصره وبصيرته .. فمسرحية الإسكندرية ، والمطالبة بإلغاء العمل بالشريعة الإسلامية منالدستور ، وظاهرة أقباط المهجر ، كل هذه شواهد على تنامي الحس المتطرف لدىالكنيسة المصرية ..
والشيء الذي لاحظه مفكرون مصريون عدة ، وعلى رأسهم مفكرون نصارى كالأستاذجمال أسعد والدكتور رفيق حبيب ، أن نغمة التطرف الكنسي لم تظهر إلاباعتلاء البابا شنودة الثالث كرسي البابوية ، مما يجعل للرجل أثرا كبيرافي مجريات الأحداث الواقعة على الصعيد الطائفي المصري ..
2-كما اتسم الخطاب الكنسي أيضا بقدر كبير من المغالطات التاريخيةالمتعلقة بدخول الإسلام إلى مصر وانتشاره بين أهلها ، من خلال تصوير الفتحالإسلامي لمصر على أنه احتلال سببه النهب والسلب والسرقة لخيرات هذا البلد، وادعاء الروايات التاريخية الكنسية – دون غيرها من الروايات الإسلاميةوالغربية - وقوع حوادث اغتصاب ومحارق جماعية قام بها الفاتحون المسلمونعند دخولهم إلى مصر ..
3-تسبب في وجود حالة من الاحتقان الطائفي تورط بعض المتطرفين المسلمين فيعمليات إرهاب وقتل للنصارى ونهب ممتلكاتهم ، مما نمّى الشعور عند متطرفيالكنسية بوجوب الرد على تلك الأحداث بأحداث مماثلة ..
4-حدثت واقعة في الثمانينات من القرن المنصرم تؤكد أن القيام بوضعالمتفجرات تورطت فيه أيادي نصرانية مصرية قبل ذلك ، وحاولت إلصاقهابالمتطرفين المسلمين ..
ففي مدينة سوهاج عام 89 أو 88 لا أذكر تحديدا وقع تفجير أمام مسجد العارف، وهو مسجد فيه ضريح لحد الشيوخ ن وكان المراد أن تتجه الأنظار إلىالجماعات الإسلامية المسلحة ، خاصة وأن هذه الفترة كانت قد شهدت أوجنشاطهم .. وعندما ألقى المتطرف الملتحي قنبلته تبعه بعض أفراد المنالقائمين على تأمين المسجد بعد صلاة الجمعة ، ثم تبين أنه نصراني ويحملصليبا كبيرا في يده اليمنى .. !! وأيضا بالمنيا عندما قام متطرف نصراني بمساعدة مجموعة من زملائه بالقضاءعلى أسرة كاملة مكونة من عشرة أفراد والتمثيل بجثثهم بتقطيع بطونهم علىهيئة صليب .. وقامت وزارة الداخلية المصرية بتغطية الحدث بطريقة سمجة حيثألصقت الجريمة بمختل عقليا .. ولا ادري من هو ذلك المختل الذي يقتل عشرةأشخاص بنفس الطريقة وفي نفس الليلة ونفس المنزل دون أن يقوم احدهم بمحاولةواحدة لضربه أو إيقافه !!!
وعلى كل حال .. إذا لم تعلن جهة محددة مسؤوليتها عن الحادث ، فسوف يظل هذاهو الاحتمال الأكبر عندي .. وأتمنى ألا يكون ظني في محله ن وان تكون الجهةالمتورطة فيه خارجية ن وألا تتفضل علينا وزارة الداخلية ببيان خائب يسخرمن عقولنا أو يلصق التهمة ببعض الأبرياء بعد إجبارهم على الاعتراف بها.