خرج بي الشيطان وهو ممسك بذراعي، وسار معنا اثنان من الشياطين سود الوجوه ممسكان بالكرابيج ، ساروا بي في أنحاء متعددة من السجن الحربي . . ورأيت الإخوان المسلمين معلقين على الأعواد والسياط تلهب أجسادهم العارية، وبعضهم سلطت عليه الكلاب الضالة لتمزق جسده بعد السياط . وبعضهم يقف ووجهه إلى الحائط في انتظار دوره من التعذيب والتنكيل . كنت أعرف عددا كبيرا من هؤلاء الشباب المؤمنين الأتقياء الأنقياء، أبنائي وأحبائي في الله ، أصحاب مجالس التفسير والحديث والحياة الندية الذكية في دارى ، في دارهم ، في دار ابن أبى الأرقم ، في هدأة السحر، في أنوار الفجر . عرفت منهم الكثير، رأيت العجب ، هذه الأنماط البشرية الفريدة في إنسانيتها ، المترفعة بإسلامها ، الموصولة بالسماء المرموقة بعين القدرة المنزهة المتمتعة بحضرة الله سبحانه وتعالى ، شباب الإسلام ، شيوخ الإسلام ، هذا مصلوب على خشبة ، هذا منكفئ على وجهه للحائط ، والسياط تنزل عليه تأكل من ظهره ، هذا ينزف من جبينه الذي لم ينحن إلا لله والنور يغمر وجهه المنساب من رأسه المرتفع المعتز بالله ، وذاك ظهره للحائط ، كل الوجوه يجرى فيها نور التوحيد. . ولكن نزيف الدم من الوجوه والظهور شيء مخيف . وصرخ شاب مصلوب على خشبة : أماه ! ثبتك الله ! قلت : والنور قد غطى المكان فلمع لون الدم فيه : أبنائي ، إنها بيعة، صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة .
ورفع الشيطان يده وهو يهوى بها على صدغي وأذني، فأخذت عيني تدور وأذني كذلك كأن ماسا كهربيا قد مسها، وانكشف النور عن أجسام ممزقة وأشلاء متناثرة تملأ المكان ، فقلت : في سبيل الله ، وسمعت صوتا كأنه يأتي من الجنة :
اللهم ثبت الأقدام ، اللهم احفظهم من الفجرة . لولاك ربى ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا . . فثبت الأقدام إن لاقينا . وارتفعت أصوات السياط وتزاحمت ، ولكن صوت الإيمان أقوى وأوضح ، وكانت برهة، وخرج صوت آخر كأنه مقبل من السماء يقول : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له ". وقلت ثانية : "صبرا يا أبنائي إنها بيعة، صبرا إن موعدكم الجنة" . وأخذت يد الفاجر ظهري بضربة موجعة أليمة ساخنة، فقلت : "الله أكبر ولله الحمد، اللهم صبرا ورضا، اللهم شكرا وحمدا على ما أنعمت به علينا من الإسلام والإيمان والجهاد في سبيلك " . وفتح باب لحجرة مظلمة فدخلتها ثم أغلقوا بابها .