في عصر اليوم التالي سمعت أصوات أعرفها وأحبها ، قمت بصعوبة إلى الباب ونظرت من الفتحة الضيقة ، فرأيت الشيطان حمزة البسيوني وتابعه صفوت يسدان على الفتحة، إلا أنى سمعت أصواتا أعرفها، وما لبث الشيطان وتابعه أن تحركا فرأيت بعض الوجوه الغالية : علية حسن الهضيبي، وغادة عمار. وجلست حتى لا يراني أحد من الطغاة وأنا أنظر من فتحة الباب ، غير أن الألم أخذ بي فغطى كل مشاعري وأحاسيسي، وأخذت أدعو الله سبحانه وتعالى وأسأله أن يدفع عن بناتي وأخواني شرور الطغاة . كنت مستغرقة أفكر : علية حامل في شهورها الأخيرة ؟ كيف اعتقلها الطغاة؟ وغادة؟ ماذا فعلوا برضيعتها الصغيرة؟ كيف تركتها؟ إنها لقسوة وفجور ووحشية ! ! يا للبشر من حكامهم عندما يرتدون أردية الجاهلية، فتغطى كل مشاعرهم وتضيع ضمائرهم فيصبحون جلادين لرعاياهم ! ويلك يا عبد الناصر! أيها الطاغوت كم خدعت قومك ! !
وينفتح الباب ويرمى الشيطان الأسود ببطانية ووسادة ، وكان قد مر علي ثمانية عشر يوما وأنا أفترش الإسفلت ، وأعود بعد لحظات ووسادتي يرمى بهما على الأرض وأنا في دهشة مما يحدث . ولم تلبث دهشتي أن زالت حين فتح الباب ثانيه ليدخل صفوت وحمزة البسيوني مصطحبين علية الهضيبي وغادة عمار يدخلانهما ويخرجان ويغلق باب الزنزانة . وتقبل على علية تأخذني بين ذراعيها تقبلني وأنا منصرفة عن نفسي والدنيا وتتساءل في ألم : أنت الحاجة؟ والتفت إلى غادة فأرى عينيها ممتلئتين بالدموع تغرقان وجهها. وأسأل علية في ألم . .ألم تعرفيني ؟ فتجيب : لا . . لا. . يا حاجة لقد تغيرت كثيرا نقص وزنك إلى حد مخيف ، وأصبح وجهك كأنه وجه شقيقك سعد الدين . قلت : هذا أمر طبيعي، أنت لا تعرفين الهول الذي أعيش فيه . وفوق ذلك فأنا لا أتناول من الطعام إلا ملعقة من السلاطة في اليوم والليلة يرمى بها الجندي وهو مرعوب يخشى أن يضبط متلبسا بجريمته . وتحاول أن ترتب المكان بما أصبح فيه من بطاطين ووسادات . وتجد وتسألني عن مصحف ، مسكينة علية لقد حسبت أننا نتعامل مع "آدميين " بل نسيت علية أننا هنا مع أعداء المصحف ؟ " أأنتظر منهم أن يسمحوا لي به وتعرض على غادة مصحفا صغيرا كان معها وكذلك تفعل علية. ونجلس ولما مددت رجلي المكسورة التماسا للراحة ظهرت آثار التعذيب وضرب السياط ، وتسألني علية عما ترى فاتلوا عليها الآية الكريمة عن أصحاب الأخدود ( النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) ، وتبكي غادة في صمت وتتساءل علية في عجب : أيمكن أن يحدث هذا مع النساء ، علية طيبة القلب لم تستطع أن تصل بخيالها إلى المدى الذي يمكن أن يبلغه حكم عبد الناصر من عداوة لله ثم للدعاة .