ولئن كشفت هذه الكلمات في نهاية خلاقة عمر - من جانب - للغافلين سر ما رآه المسلمون منه من تعب و سهر و تِفكِّر ، فتأهبوا للاقتداء ، فألهاهم عبدالله بن سبأ زمن عثمان رضي الله عنه ، وأذهلهم ، فإن تشميراً رآه الناس في بداية خلافة علي رضي الله عنه ، كان بحاجة - من جانب آخر - بعد ذاك الذهول ، إلى كلمات أخرى تعظهم ، و تعيب عليهم أملاً وجد له أثِناء سنوات الفتِنة مجال نمو ، بِردت معه همم المقِتِدين .
و من هذه الحاجة نشأت مدرسة الكوفة في التذكير بالموت ، إذ طفق علي رضي الله عنه يجمع الناس في مسجد عاصمته ، ويصارحهم و يقول : " إنما أخشى عليكم اثنين : طول الأمل ، و اتباع الهوى ، فإن طول الأمل يُنسي الآخرة ، و إن اتباع الهوى يصد عن الحق " 115 . و تِنتدب جمهرة من فقهاء أصحابه نفسها لمعاونته ، فيقوم الصحابي الأغلب بن جشم العجلي بعده ، فينشد بين يديه قصيدته التي مطلعها :
المرء تواقñ إلى ما لم ينل **** و الموت يتِلو ، ويلهِيِه الأمل
فيِتِلوه سيد زهاد التابِعِيِن : أُويس بن عامر القرني ، فِيِقول : " يا أهل الكوفة : توسّدوا الموت إذا نمتم ، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم " .
حتى إذا قُِتِل علي بعدما خشعت الِقِلوب وادكرت استمرت ثِلة من أصحابه على سمته في الوعظ ، فكان الربيع بن خثيم يقول لهِم :
" أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثِله " 116 . ويحفر له قبراً ، ويأخذ ينزل فيه كل يوم يتمدد ، ثم يقوم يذكر لهم مشاعره لما يكون بقعره .
ويذكر سعيد بن جبير لهم مِقِدار تِصفِية كلمات علي لِقِلبه ، فيقول : " لو فارق ذكر الموت قلبي : خشيت أن يفسد عَليَّ قَلبي " 117
وكل هؤلاء : سعيد ، والربيع ، وأويس ، رحمهم الله ، والأغلب رضي الله عنه ، من ثِقات أهل الكوفة الذين رباهم علي رضي الله عنه ، فلما ماتوا : أورثوها لآخرين يحفظون للكوفة سمتها ، فكان عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي يرتِقي المنبر و يسألهم : " كم من مستِقبِل لا يستِكمله ، ومنِتِظِر غداً لا يبلغه . لو تِنظرون إلى الأجل و مسيره ، لأبغضتم الأمل و غروره " 118
فإذا نزل : صعد عمر بن ذر ، فخطبهم :
" أما الموت فِقِد شَهَرَ لكم ، فأنتم تِنظرون إليه في كل يوم وليلة ، من بين منِقول عزيز على أهله ، كريم في عشيرته ، مطاع في قومه ، إلى حفرة يابسة وِحجار صُم ، ليس يقدر له الأهلون على وöساد إلا خالطه فيه الهوام ، فوساده يومئذ عمله . ومن بين مغموم غريب ، قد كثر في الدنيا همّه ، وطال فيها سعيه ، وتعب فيها بدنه ، جاءه الموت قبل أن ينال بغيته ، فأخذه بغتة . ومن بين صبي مرضَع ، ومريض موجَع ، ورهن بالشر مُولَع ، وكلهم بسهم الموت يُقرع "
فلما مات هؤلاء النفر ، واجتمع علمهم وعلم شيوخهم عن علي في سفيان الثوري : تولاها طريقة ، واتخذ الموت نشيداً ، حتى قال أحد تلامذته : " ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكر الموت ، وما رأيت أحداً أكثر ذكراً للموت منه " 119
وهكذا أعطت مشيئة الله تعالى لمدرسة الكوفة من بعد عمر بن الخطاب دَورها في رقابة سواء سبيل أمة الإيمان ، وحفظه من الإنحراف وطغيان الآمال ، وشَرفها ، فتمثِلت بها بقية نهي عن الفساد ، تكثر حيناً ، أو تِقِل من دون انقراض ، ليست دعوة الإسلام المعاصرة غير استرسال في كفالة الِقِدر لوجودها ، وما وراثِتِنا لها إلا وراثة قربى في النسب واشتراك في المورد .