وكان الذي رويناه من استِدراك عمر بن عبدالعزيز في أواخِر المائة الأولى حِلِقِة ضمن دعوة البقية الرقِيبة على سير الِقِرون ، اتصلت بمدرسة علي الكوفية عن طريق عون ابن عبدالله ، وعمر بن ذر ، وأعشى همدان الشاعر ، الآنف ذكرهم ، اتصالاً اعتيادياً كما هو شأن العلم في تِقِلبه في البلاد ، و شأن البقية الناهية في تِقلبها عبر القرون ، لكنها حلِقة استطاعت أن تستأثِر بحيازة إعجازين قصرت عنهما الحلقات التي بعدها :
* إعجاز أكسبه إياها موضع الخلافة العالي ، فشخصت القدوة المهابة من بعد بعض انقطاع ، فتسارع الإصلاح ، فاختصر الزمان ، فكانت هنيهة قصيرة أثرت دهِوراً طويلة .
* وإعجاز بلاغي آخر ، وليد تِفكر وعمر ، وربيب نغمة من فصاحة عربية كانت ما تِزال تِنساب من فيه ، بها فضح عيب تمتع جيله بأسلاب الهالكين ، وبها راد لقرون تِليه خبر موت أعمله حدسه أنها ستِكون عِنِه من اللاهِيِن ، فحدثها حديث صدق عن :
( قبور خِرقت الأكِفان ، ومزقت الأبدان ، ومصّت الدم ، وأكلت اللحم . تُِرى : ما صنعت بهم الديدان ؟ مَحَت الألوان ، وعِفِرت الوجوه ، وكسرت الفقار ، وأبانت الأعضاء ومزقِت الأشلاء .
تُِِرى : أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟
أليس هم في مدلهمة ظلماء ؟
كم من ناعم و ناعمة أصبحوا وجوههم بالية ، وأجسادهم عن أعناقهم نائية ، قد سالت الحدق على الوجنات ، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً ، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيراً ، حتى عادت العظام رميماً . قِد فارقوا الحدائق ، فصاروا بعد السعة إلى المضائق ) .
ثم راح ينادي حتى صحل صوتِه : ( ياساكن الِقِبر غدا ، مالذي غرك من الدنيا ؟
أين دارك الفيحاء ؟
و أين رقاق ثيابك ؟
ليت شعري كيف ستِصبِر على خشونة الثرى ، وبأي خديك يبدأ البلى ؟ )
وبمثِل هذا : استأسر فقهاء الأمصار لعمر ، فجمع قلوبهم حوله ، و جعلهم له أعواناً في تعميم رشده ، و أخرجهم إلى مشاركة جماعية في تعليم الأمة و تربيتها ، متِناسقة مع أسلوبه ، أغنت حكمه عن سيف وحساب ، و استثمر بها طاقات خير دفينة مغروسة في أصل فطرة الناس ، قدم لها منه القيادة ، فقدمت له منها المتابعة .