وصاغ الحسن خلال ذلك ميِزاناً إيمانياً يِقِدم له الواقع المرئي كِفايِة من دلائِل الإقِنِاع ، ربما نشتِق له اسم ( ترجيح التخويف ) ، ساقه في صورة خطاب ، فقال : " إنك والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً ، خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تِلحقِك المخاوف " 121
وهِو ميزان يمثِل بعضاً مما أضافه الحسن إلى فِقِه الدعوة . فالخوف العاجل عنده ، المؤدي إلى التِقوى ، المؤدية إلى أمن آجل في ظلال الجنان : خير من مدّ عريض للنظر إلى صفات الله سبحانه في الرحمة واللطف والغِفِران .
وكلاً من الحالتين تُِِراد ، والأمر في حِقِيقِتِه معلق بنسبية واضحة ، ربما أوجبت تخفيف رهبة البعض بأبواب من الرجاء أغِلِقِتها عليهم شدة الخشية ، ولكن هذا المعدن فريد ، والغرور يلف الجمهرة العظمى ، وما من دواء لِه إلا الإخافة بِقِصة التلال الهامدة .
و في التِنبيه على هِذه النسبية يِقول ابن الجوزي :
" إذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم ، وفسدت في الخير أعمالهم : أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت ، وأحاديث الآخرة تُِِقرأ عليه ، و تجري على لسانه ، فتذكاره الموت زيادة على ذلك لا تِفِيد إلا انقطاعه بالمرة .
بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى ، الكثير الذكر للآخرة ، أن يشاغل نفسه عن ذكر الموت ، ليمتد نَِِفَِس أمله قليل ، فيصنِِِّف ، و يعمل أعمال خير " 122