(5) هناك ثبات نسبى في خصائص الأشخاص ، ولكن الخصائص الإيمانية المؤثرة ينالها مد وجزر، إذ الإيمان يزيد وينقص ، كما أن قالب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، ولهذا فالنفوس تتغير ،والقلوب تتقلب، والخصائص تتبدل، ولأجل هذا كان لا بد. لعملية التقويم أن تراجع ما بين فترة زمنية وأخرى، وأن لا يكون التقويم في مرحلة ما ضربه لازب. أو حتما دائما ، إذا أنه بالإضافة إلى سنة الله تعالى الجارية في تغيير القلوب وتبدل النفوس فإن مجمل الظروف الحياتية، وتغير الزمان ، وتقلب الإنسان فيها ما بين طاعة ومعصية ، وشدة ورخاء ، وفقر وغنى ،وعزوبة وزواج ، وتلمذة وتخرج، واستيطان وتغرب ، وحرية وقيود، وفرح وترح، كل ذلك يؤدي لا شك إلى تغير خصائص الإنسان النفسية والروحية.، وندرك ذلك أيضا من بعض عبارات المحدثين الذي يروون عن شخص قبل اختلاط، ويضربون على أحاديثه بعدها، أو يوثقون روايته وهو في بلد مع تضعيف غيرها، وما قد يأخذون في رواية محدث عن شيخ ما ، ويتركون روايته عن غيره، وهكذا.
ومن أجل هذا ، كان لا بد لعملية التقويم أن تتغير مع تبدل الزمان، وأن لا يقتصر الدعاة والمربون على تقويم مرحلة معينة. ومما يقاس عليه أيضا أن الفتوى وهي تستند إلى دليل شرعي ثابت، قد وضع لها قاعدة.
( تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد).
فكيف بالجروح والتعديل وهو مبنى على خصائص الإنسان المتغيرة، والخصائص تتبدل بمجمل المؤثرات الدينية والدنيوية الخاضعة لتغير الظروف والزمان والمكان.
ومما يتبع هذه المسألة ما قد يجرح به الداعية ولكن قبل انضمامه للجماعة المؤمنة، كاقتراف المعاصي ، أو التمسك بمذهب بدعى ، أو الانضمام إلى حزب جاهلي ، فإن مثل هذا النقص لا عبرة به، ويجب أن لا يتعرض له ، إذا رجحت دلال توبته ، ويقاس على ما ورد على السلف في تجنب ذكر أخطاء بعض أصحاب الفضل في شبابهم فيقول السخاوي.
( وكذا يتجنب التعرض للوقائع المنقصة الصادرة في شبوبية من صيره الله تعالى بعد ذلك مقتدى به، فمن ذا الذي سلم... والاعتبار بحاله الآن .. ).
ومثل ذلك أيضا الزلات الطارئة وخصوصاً الصادرة عن أصحاب الفضل من قدماء السالكين.
( ولا يكتفي بالنقل الشائع خصوصاً إذا ترتبت على ذلك مفسدة من الطعن فيحق أحد من أهل العلم والصلاح، بل إن كان في الواقعة أمر قادح في حق المستور فينبغي له أن لا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة ، لئلا يكون المذكور وقعت منه فلته، فإذا ضبطت عليه لزمه عارها أبداً، وإلى ذلك الإشارة بقبول الشارع: أقيلوا ذوى الهيآت عثراتهم.. ).
والأصل في المعاصي سترها إن لم تدع حاجة لها، فكيف بها وقد مضت ، بل وإن هتكها ليس من خصائص المؤمنين.